(الزمان) تدعو أمانة بغداد إلى إطلاق أسمه على أحد الشوارع

(الزمان) تدعو أمانة بغداد إلى إطلاق أسمه على أحد الشوارع

الشيخ جلال الحنفي لا يحب عبد السلام

عارف ولا سعد قاسم حمودي

{ فقيه وعالِم موسوعي وكاتب وصحفي ومؤرخ ولغوي جعل الرجز بـ 50 بحراً بدل 8 وأخترع أوزاناً جديدة

{ جدل عنيف يثور بين الحنفي والوردي حول بيت يسكنه الجنّ والعفاريت

{ الحنفي ينتقد جواد علي ويناقش عبد العزيز الدوري وعبد الكريم زيدان وبديع شريف

{ فقيه يهوى الألعاب الـبهلوانية ويلعب (الشناو) ويقضي أوقاتاً لا بأس بها في (الزورخانات)

{ يقرأ كتب السير مرتين ثم يبيعها ليشتري اسطوانات لمغني المقام العراقي بثمنها

  السر وراء العمامة الصغير والهندام البسيط للحنفي

سلام الشماع

لا يحتاج الشيخ جلال الحنفي إلى مناسبة للحديث عنه، فقد كان علامة من علامات بغداد بعمته الصغيرة وهندامه البسيط وعلمه الموسوعي العزير وهو من عشاق بغداد البارزين الذين تركوا إرثاً كبيراً في اللغة والأدب، والأدب الشعبي.

والشيخ جلال الدين بن محي الدين بن عبد الفتاح بن مصطفى بن ملا محمود الحنفي البغدادي ولد في محلة البارودية ببغداد العام 1914 وفيها توفي يوم 5 آذار سنة 2006..

هو فقيه وعالِم موسوعي وكاتب وصحفي ومؤرخ ولغوي جمع إلى علوم الفقه جمع المختص الخبير: علم العروض، وتميز على نحو خاص في اهتمامهِ بالتراث والتاريخ المحلي البغدادي، وعلوم المقام العراقي، حتى امتزج اسمه بهما، كما امتزج اسمه بجامع الخلفاء، لسنوات طويلة قضاها فيهِ معلماً وإماماً وخطيباً، بل حتى حارساً وخادماً، واشتهر بولعهِ باللغة العربية وعلومها، وربطته علاقات بمعظم علماء بغداد وأدبائها مثل الشاعر جميل صدقي الزهاوي، والشيخ محمد القزلجي والشيخ عبد القادر عبد الرزاق الذي كانت لهُ إمامة الإقراء في بغداد، ومن الذين درسوه في الجامعة الاستاذ طه الراوي، وكان يتردد على مجلس الأب أنستاس الكرملي الأديب اللغوي الذي لقبّهُ بالشيخ العلاّمة في سن مبكرة من حياتهِ وتحديداً في العام 1933.

ربطتني بالشيخ جلال الحنفي علاقة متينة بحكم عملي الصحفي والعلاقات التي تربطني بأصدقاء الحنفي مثل الدكتور علي الوردي والدكتور حسين علي محفوظ وبقية الأسماء الكبيرة التي كانت تحضر مجالس بغداد المهمة التي كنت من روادها.

وفي تلك المجالس إذا التقى الحنفي والوردي يثور جدل عنيف بينهما حول مسائل يختلفان عليها، فقد حضرت مساء الأحد 29/12/1991  جلسة من جلسات مجلس الشاعر الراحل محمد جواد الغبان فنشب الجدل بين الاثنين حول موضوعين أحدهما علم الباراسيكولوجي، الذي، يسميه الوردي “علم الخارقية”، والثاني منطق أرسطو وهو المنطق الذي ما يزال يدرّس في المدارس القديمة وهو في رأي الوردي منطق غير صحيح وقد ذهب زمانه.

ويرى الوردي أن علم الخارقية (الباراسيكولوجي) علم معترف به في الأوساط العلمية في جميع أقطار العالم، ولكن الحنفي يعده نوعاً من الساختات والتخريفات والحنقبازلغيات، وهو استخفاف بالعقل الذي وهب الله عباده ليميزوا الحق من الباطل والخبيث من الطيب، وقد ذكر الحنفي رأيه هذا في حقله الخاص في جريدة “القادسية” في 6/10/1991.

دور مسكونة

ولم يقتصر الجدل بين الحنفي والوردي حول هذا الموضوع على هذه الجلسة الأخيرة، بل هو قد جرى قبل هذا في جلسات سابقة، وكانت بداية الجدل حول الدور المسكونة التي تجري فيها أمور غريبة لا يعرف تفسيرها، وهي معروفة عندنا وفي كثير من بلاد العالم. فالحنفي ينكر وجود مثل هذه الدور قطعاً ويعدّها منافية للعقل والمنطق. وقد أعلن الحنفي في المجلس أنه مستعد للمبيت في أية دار يقال عنها أنها مسكونة على شرط  أن يفحصها فحصاً دقيقاً قبل المبيت فيها.

من الجدير بالذكر أن الوردي عضو في الجمعية الباراسيكولوجية وقد اتصل برئيس الجمعية الراحل الدكتور الحارث عبد الحميد لكي يختار له داراً مسكونة ليبيت فيها الحنفي. وتعهد الوردي أنه سيبيت معه والله وحده يعلم بما سوف يجري، آنئذ، في الدار من أمور غريبة في ليلة المبيت لو تم الأمر.

الموضوع الثاني الذي جرى النقاش حوله بين الحنفي والوردي في الجلسة الأخيرة هو المنطق الأرسطي نسبة إلى أرسطوطاليس، وهو الذي يسمى أحياناً “المنطق القديم” أو “المنطق الصوري” أو “المنطق الشكلي” أو “المنطق الاستنتاجي” أو غير ذلك.

وقد كتب الحنفي في حقله الخاص في جريدة (القادسية) في 15/12/ 1991 يقول منتقداً رأي الوردي ما نصه:

“قال قائل في مقال طريف بالقادسية نقلاً عن الدال علي الوردي إن منهج أرسطو طاليس في الاستنتاج قد ولى واندثر مع الزمن وحل محله المنهج الاستقرائي المبني على العلم والمنطق والتجربة.. قلنا إن الاستنتاج ـ وهو أصل أصيل باهر الدقة في فهم الأمور واستكناه كنه الحقائق ـ ما يزال قائماً من عهد أرسطو طاليس وافلاطون وفلاسفة العرب والهند والصين وحتى عهد الناس في جيل الناس القائم، ولا نزيد على هذا شيئا لأن المقولة المنقولة لم تتأيد بعد باعتراف الوردي وتصديقه.

إن هذا الرأي الذي كتبه الحنفي منتصف ذلك الشهر أثير مرة أخرى في الجلسة الأخيرة من مجلس الغبان. فالمنطق الأرسطي في رأي الوردي استنتاجي مع العلم أن العلم الحديث قائم على أساس المنطق والمنهج الاستقرائي. فقد ظل المفكرون الذين يسيرون على المنطق الأرسطي طيلة قرون كثيرة يتجادلون من دون أن يصلوا في جدلهم إلى نتيجة مجدية، وهم كانوا مهما طال الجدل بينهم يعتقد كل فريق منهم أن الحق معه وأن الباطل مع خصمه، ولم يستطع أحدهما أن يقنع الآخر بصحة رأيه.

ويرى الوردي أن الجدل القائم على المنطق الأرسطي عقيم لا فائدة منه فهو يعتمد على مقولات أو مقدمات أو مفاهيم عقلية متعارف عليها، وكل فريق من المتجادلين يأتي بالمقدمات التي تلائمه، ويفعل خصمه مثل ذلك وهم في ذلك كالمتشاجرين في الشارع من العوام. لكن الفرق بينهما أن المفكرين القدماء يتصاولون بالأدلة العقلية بينما العوام يتصاولون بالأيدي أو السكاكين.

وشرح الوردي رأيه هذا بتفصيل في كتاب له صدر في القاهرة في العام 1962  وأعيد طبعه في تونس وعنوانه “منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته”.. ففي رأي الوردي أن ابن خلدون كان من الذين ثاروا على منطق أرسطو وبينوا عيوبه.

وقد جاء الوردي بنسخة من هذا الكتاب وقدمها إلى الحنفي لكي يقرأها ويرى رأيه فيها وقد وعد الحنفي أنه سوف يقرأ الكتاب ويعلق عليه في الصحف..

خلاف وحيد

لم يكن الخلاف مع الوردي هو الوحيد، فقد خاصم الحنفي عدداً من مشاهير المؤرخين، وكبار الباحثين، ولم يملك غير أن يقف وراء ما اقتنع به صواباً كان أم خطاً، وكان صارماً مع نفسه، حتى آخر قطرة زيت في المشكاة، وانتقد الدكتور جواد علي، وناقش الدكتور عبد العزيز الدوري، والدكتور عبد الكريم زيدان، والدكتور بديع شريف، ولم يتفق مع كثير من آرائهم، وخاض في مواطن الجدل العقائدي، وقابل الملك فيصل.. واقتحم في السياسة مناطق شائكة، وتجاوز خطوطاً حمراً، سُجن على أثرها، أكثر من مرة في العهد الملكي.

في جلساتي العديدة مع الحنفي حدثني عن حياته، منذ الصغر، وعن رحلاته إلى البلدان وسلمني أوراقاً فيها شيئاً من مذكراته نشرتها في الصحف التي عملت فيها، وعرفت منها أنه مارس في صباه هوايات بعيدة عن توجهاته فقد شغف بهواية الـبهلوانية واشترى بعض حاجات هذه اللعبة، ولعب “الشناو” على التختة المخصصة لهذه اللعبة، وكان يقضي أوقاتاً لا بأس بها في “الزورخانات” لمشاهدة المصارعة والمصارعين في جفرة المصارعة، وكانت تصحب هذه اللعبة نغمات من المقام العراقي تطرب الجالسين، وأنه كان ولوعاً بالتصوير الفوتوغرافي واشترى في ثلاثينيات القرن الماضي نوعاً من الكاميرات كانوا يسمونها “البوكس” بثمن مقداره ربع دينار ليشبع ولعه بالتصوير.

مقاه شعبية

كان الحنفي يتردد على المقاهي الشعبية ليشاهد ويستمع إلى “الـقصّخونية” وهم يجلسون على نوع من الكراسي تختلف عن مقاعد المستمعين يلوحون بأيديهم ويرفعون أصواتهم اثناء سرد القصص والحكايات على رواد المقاهي..

كان من ضمن ما يفعله الحنفي أنه إذا قرأ كتب السير مرتين يذهب إلى السوق لبيعها وشراء اسطوانات لمغني المقام العراقي بثمنها.

يروي الزميل زيد الحلي أن الحنفي كان لا يرتاح لشخصين، لا يجمعهما جامع، بل أنهما على النقيض تماماً من بعضهما. وقد حاولت معرفة السبب منه فلم أفلح، فعندما كنتُ أنطق باسميهما أمامه، يزّرق لونه، وتعلو العصبية وجهه. كان لا يطيق الرئيس الراحل عبدالسلام محمد عارف ونقيب الصحفيين العراقيين ووزير الإعلام سعد قاسم حمودي!

في العام 1939 سافر الحنفي في بعثة دراسية إلى الأزهر الشريف في القاهرة فدخل كلية الشريعة مع بعض الفضلاء ومنهم السيد شاكر البدري، ولما قامت الحرب العالمية الثانية وأغلقت الكلية أبوابها عاد الى العراق مع زملائه العراقيين في البعثة من هناك ملتزماً جامع الخلفاء. وقصة رحلته الى الصين لتدريس العربيّة مازال الكثير من الناس يجهلون تفاصيلها، إذ أوفدته الحكومة العراقية إلى الصين، لتدريس اللغة العربية في معهد اللغات الأجنبية بشنغهاي، ومكث هناك ثلاثة أعوام، أتقن خلالها اللغة الصينية أحسن إتقان، وكتب مسودات لقاموس (عربي – صيني) لم يُسبق إليه، لكن أتلفتهُ مياه البحر في طريق عودته إلى العراق، كما روى هو.

مارس تدريس علم التجويد والقراءات القرآنية في معهد الفنون الموسيقية في بغداد، لعدّة دورات. وأجرى في علم العروض تصميمات كثيرة، نشرها في كتاب.ومن عجائبه أنه، وهو عالم دين، كان أوّل فقيه يولي المقام العراقي والثقافة الشعبية أعلى درجات الاهتمام حتى صار الإمام الذي يذعن له الجميع فيها، إلا قارئ المقام حسين الأعظمي الذي لا يرى ذلك.

قدّم الحنفي برامج دينيّة وثقافية وتاريخية في راديو وتلفاز بغداد. وأثرى الصحف العراقية بعشرات المقالات ذات الطابع الخاص ولاسيّما في ما يخص تاريخ بغداد، وثقافتها الشعبية، والمقام العراقي.

سئل، مرة، عن مظهره البسيط اللافت للنظر، فأجاب: نشأت زاهداً في الحياة فكنت أعزف عن كل مظاهر الحياة ومباهجها ومغرياتها فكنت ألبس (الدشداشة) وأرتدي فوقها العباءة وعمامتي البسيطة هذه التي لا تشبه العمامة المصرية والشامية والعراقية فانفردت بها.

كان بهندامه البسيط هذا يدرّس ويعمل ويتصل بالوزراء والمتنفذين في البلد، ويحاضر ويقابل الاصدقاء والزائرين ويحضر بها الاجتماعات العامة والخاصة، الرسمية والشعبية، وقال: أنا استغرب وأتعجب من الائمة والخطباء الرسميين الذين يرتدون اللباس الأوربي (السترة والبنطلون) وفوقها الجبة يخنق رقبتهم رباط العنق (الباينباغ) وغير ذلك من اللباس الذي ابتدع عندهم.

من الأوهام التي شاعت عن حياته أنه عندما ذهب إلى الصين تزوج امرأة صينية، والواقع أنه تزوج من عراقية كان يدعوها الشيخة وأنجب منها: لبيد الذي كان يكنى بها وواعية وداعية وابنة اسمها عروض، بعد أن أجرى في علم العروض تصحيحات كثيرة ونشرها في كتاب وأوجد نماذج للعروض فالرجز مثلا هو 8 بحور جعلها الحنفي 50 بحراً وأخترع بها أوزاناً جديدة.

مؤلفات كثيرة

للحنفي مؤلفات كثيرة منها: التشريع الإسلامي.. تأريخه وفلسفته 1940  معاني القرآن 1941 آيات من سورة النساء عام 1951 ثلاث سنوات في جوار الميتم الإسلامي 1955 صحة المجتمع 1955 الروابط الاجتماعية في الإسلام 1956 الحديث من وراء الميكرفون ـ 1960  المرأة في القرآن الكريم 1960 الأمثال البغدادية ـ 1964 المغنون البغداديون والمقام العراقي 1964 رمضانيات 1988 شهر رمضان 1988 مقدمة في الموسيقى العربية 1989  شخصية الرسول الأعظم قرآنياً ـ 1997.

اختلف الحنفي عن الفقهاء باجتهادات أثار بعضها ردود أفعال حادة، وربما غاضبة.. ومن ذلك أنه كان يكره أن يصافحه أحد، وهو جالس، كما أنه اجتهد بتدريس (علم التجويد)، أعوام اسبعينيات القرن العشرين، في معهد الفنون الموسيقية ببغداد، وأنه كان يرى أحلام الناس في نومهم مجرد رؤى وأضغاث يصنعها الخيال، ولا تفسير لها باستثناء أحلام الأنبياء، والفلاسفة الكبار، ومن ذلك اجتهاده في حلق اللحى، وشديد حرصه على أن يلتزم المنضدون والمصححون في الصحف، التي تنشر مقالاته بطريقته في رسم القلم، فكان يكتب (إذن) بالنون، ويكتب (الهيئة) بهمزة على كرسي، ويثبت ألف جمع المذكر السالم المرفوع في مكانها، نحو: (جاء معلموا المدرسة).. ومن ذلك، أيضاً أنه كلف أحد أبنائه (لبيد) أن يصنع له أصغر، وأقصر منبر في مساجد الإسلام، يخطب عليه في جامع الخلفاء، وكراهيته الشديدة لترديد المصلين خلف إمامهم، بعد قراءة سورة الفاتحة، قول: (آمين).

كان الحنفي يذوب عشقاً ببغداد ولم يكن مجرد عالم من علمائها في اللغة صرفا ونحوا وعروضا الى ما غير ذلك من العلوم التي نبغ بها، بل كان جزءا من تراثها ومن اصالتها، كما لازال الجميع يراه عمودا من اعمدة جامع الخلفاء الذي عاش فيه أغلب ايام عمره خطيبا وإماما وخادماً.

ترى ألا يستحق هذا الرجل من أمانة بغداد أن تخلده بتمثال في أحد ميادين العاصمة أو إطلاق اسمه على شارع من شوارعها؟

مشاركة