

(الزمان) باقية مع الزمان فهي جوهرة صحفية نادرة – زيد الحلي
ببهاء لم تعهده الصحافة العراقية ، ظهرت (الزمان) الخميس المنصرم في احتفاليتها بصدور العدد الـ 7000 وكأنها تقول ، انا أعتز بمهنيتي ، وتعلمت أن اكون ملكة على عرش ذاتي ، متحدية نفسي كي أحقق أحلامي ولا انظر لأحد ، لأن الجميع ينظرون لي .
من حق ” الزمان ” ان تفخر بذاتها ، وبداية، اقول.. لقد سألني كثيرون، هل ان تواصلك ومحبتك لصحيفة “الزمان” ومؤسسها، موضوعية ام ذاتية؟ وكنت اجيبهم “ان الذاتي والموضوعي اختلط عندي مسجلا نسيجا واحدا، موحداً ، ففي خانة “الذاتية” اتكأت مستريحة صورة المحبة والتواصل مع مؤسسها الاستاذ سعد البزاز الذي لم تبعده المسافات عن المتابعة والسؤال، والحال نفسه مع صديق عمري د. احمد عبدالمجيد، رئيس تحرير طبعة العراق، الذي ذابت في سني علاقتنا ذات العقود الاربعة الماضيات عبارة “السراء والضراء” واصبح التواصل شبه اليومي بيننا عنوانا يعرفه الصحفيون والاصدقاء!
اما “الموضوعية” فحال مهني يستحق الاشارة اليه، فقد وجدتُ ان الاعلام الذي اسسه البزاز، يعتز بالجذور الثقافية العربية والانسانية في مسارها، ويسعى لتنميتها وتحديثها، ويؤمن بحرية الإنسان في التفكير والتعبير والاطلاع ويدافع عنها، ويحترم الرأي الآخر ويبحث عنه، ويرى في الحوار وسيلة لاستيلاد الأفكار وتنميتها.
لقد ادركت ” الزمان ” ان الصمت يتحرك اسرع حين يمضي الى الخلف، لذلك لم تدر رأسها الى الخلف ابداً، وظل طودها الاعلامي شامخاً الى امام ، يسير جنبا الى جنب مع مسؤولية التطور الذي بات سمة رئيسة لها ، لم تجامل على حساب الحقيقة، لأنها تعرف ان ذلك الامر مذموماً، ويحدث شرخا في علاقته بالمتلقي او القارئ، ويخل بتوازن التقييم باعتبار ان الاعلام سلطة رابعة، وهي لا تساوي بين الفعل الرصين في بناء المجتمع، والفعل الهادم لقيم الحياة، فالمساواة هنا يعد ظلما صريحا يربك المشهد العام للمؤسسات بمختلف تخصصاتها.
في مسارتها المهنية عُرفت ” الزمان ” بوعيها الاعلامي ، ان كل مادة منشورة تعرف موضعها وكل نقطة ، كل فاصلة تعي دورها، وتأخذ مكانها المرسوم لها… فبقيت هذه المسارات ، بكل شجنها وألوانها، لغة اعلامية، صادقة، مترفة الجمال.
حين يطالع المرء طروحات “الزمان” تبرز امامه صورة متألقة للمهنية، حيث اساليب الاعلام الراقي، البعيد عن المبالغة، شعارها ابراز الحقيقة، دون الغوص في دهاليز الاثارة، فيها آراء شتى، تناقش مختلف مسائل الحياة… فهي ترى ان الصحافة ضرورة حياتية ونفسية للمواطن، وارقى اشكال التعبير عن عمق الذات البشرية ، هي السمو والرفعة، وفيها ومنها يكمن الدخول الى ملكوت البناء والرقي والجمال، بعيدا عن اسفاف الواقع واشكالياته، وكأنها رسمت برؤاها المهنية تفاصيل وطن زرع في متابعيه زهور محبة في بساتين إبداع وواحات عواطف.
لقد وضعت ” الزمان ” طوال اعدادها الـ ( 7000 ) اشارات منع مرور، للطائفية والاثنية والنوازع والاهداف الشخصية التي تتعارض مع مصلحة المجتمع، وتأكيدها على ضرورة الاصغاء للرأي المختلف، وأخذه، ليس على محمل التجريح، بل على محمل النقد المسلح بمنطق علمي، والابداع في تواصلها عمل معروف يفرض وجود طرف آخر للتلقي.. وهذه حالة تفردت بها في جو الاعلام.. وقد رفضت ان يكون الاعلام جسدا بلا روح، ولم يشتتها الصمت ويبعثرها الخوف، رغم السنوات العجاف التي ارغمت كثيرين على المغادرة الى كهوف الأمان او الجلوس بين حيطان الحراسة، فبقت نظريتها الاعلامية ترضع من شمس الطبيعة، حليب الشجاعة والارادة، مؤمنة بالقدر وبمشيئة الله، واعلنت رهانها على محبة القراء، وفازت بالرهان.
ان المهنية الاعلامية التي سعت الى تكريسها ” الزمان ” لا حدود لها.. والكلمة عندها، بعبقرية بنائها وعظمة محتواها قادرة على التعبير عن الحالة الانسانية خارج حدود الزمان والمكان لكونها اصيلة وحديثة في ذات الوقت. .والصحافة الحقة، هي النسغ الذي يبقي شجرة المجتمع يانعة، وبدونها تجف وتصبح حطباً، وهي التي تعطي الطراوة والنضارة والحياة لشجر الناس… هي الثقافة المجتمعية التي تضيء، وتخلق المناعة والحصانة.
أهنئ ” الزمان ” في عيد اصدارها الـ 7000 وكم كان بودي ان تظهر كلمتي في عدد الاربعاء المكرس لهذا العيد ، لكن قناعتي ان الاحتفال مستمر ، ولم يمثله وقت وزمان ، فصحيفتنا الاصيلة هي التي تبقينا حراساً للحلم والثوابت والحقوق التاريخية، وهي التي تميزنا عن باقي المخلوقات، وهي الذاكرة والفعل، والمحرك !



















