الرواية في داخل الرواية

1089

ثلاثية الجزائرية أحلام مستغانمي

الرواية في داخل الرواية

عبدالرزاق صالح

أحلام مستغانمي، كاتبة وروائية جزائرية، كان والدها محمد الشريف مشاركاً في الثورة الجزائرية. عرف السجون الفرنسية, بسبب مشاركتهِ في مظاهرات 8 ماي 1945. وبعد أن أطلق سراحه سنة 1947 كان قد فقد عمله بالبلدية, ومع ذلك فإنَّهُ يعتبر محظوظاً إذْ لم يلق حتفهُ مع من مات آنذاك (45 ألف شهيد سقطوا خلال تلك المظاهرات) وأصبح ملاحقًا من قبل الشرطة الفرنسية, بسبب نشاطه السياسي بعد حلّ حزب الشعب الجزائري. الذي أدّى إلى ولادة حزب جبهة التحرير الوطني FLN. عملت في الإذاعة الوطنية مما خلق لها شهرة كشاعرة، انتقلت إلى فرنسا في سبعينات القرن الماضي، حيث تزوجت من صحفي لبناني، وفي الثمانينات نالت شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون. تقطن حاليا في بيروت. وهي حائزة على جائزة نجيب محفوظ للعام 1998 عن روايتها ذاكرة الجسد.

قال نزار قباني عن “ذاكرة الجسد”:

وعن الكاتبة “أحلام روايتها دوختني. وأنا نادراً ما أدوخ أمام رواية من الروايات، وسبب الدوخة أنَّ النص الذي قرأته يشبهني إلى درجة التطابق فهو مجنون ومتوتر واقتحامي ومتوحش وإنساني وشهواني وخارج على القانون مثلي. ولو أنَّ أحداً طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر.. لما ترددت لحظة واحدة ويتابع نزار قباني قائلا: “هل كانت أحلام مستغانمي في روايتها ( تكتبني ) دون أن تدري لقد كانت مثلي تهجم على الورقة البيضاء بجمالية لا حد لها وشراسة لا حد لها .. وجنون لا حد له .. الرواية قصيدة مكتوبة على كل البحور بحر الحب وبحر الجنس وبحر الايدولوجيا وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها، ومرتزقيها وأبطالها وقاتليها وسارقيها هذه الرواية لا تختصر “ذاكرة الجسد” فحسب ولكنها تختصر تاريخ الوجع الجزائري والحزن الجزائري والجاهلية الجزائرية التي آن لها أن تنتهي…” وعندما قلتُ لصديق العمر سهيل إدريس رأيي في رواية أحلام, قال لي: ” لا ترفع صوتك عالياً.. لأن أحلام إذا سمعت كلامك الجميل عنها فسوف تجنّ… أجبته: دعها تُجن .. لأن الأعمال الإبداعية الكبرى لا يكتبها إلا مجانين “

مؤلفاتها

– على مرفأ الأيام عام 1973.

– كتابة في لحظة عري

– ذاكرة الجسد عام 1993. ذكرت ضمن أفضل مئة رواية عربية. وفي 2010 تمَّ تمثيلها في مسلسل سمي بنفس اسم الرواية للمخرج السوري نجدة أنزور.. (بطولة جمال سليمان وأمل بوشوشة )

– فوضى الحواس 1997.

– عابر سرير 2003.

– نسيانcom عام 2009.

– قلوبهم معنا قنابلهم علينا أصدرته أحلام مستغانمي تزامناً مع إصدار نسيان

– الأسود يليق بك عام2012 .       في ثلاثية الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي (ذاكرة الجسد ، فوضى الحواس ، وعابر سرير) يتداخل البعد التاريخي للجزائر المعاصرة مع سطوة المكان والذاكرة الجاهزة دوماً والنشطة في تحديد البناء الفكري للشخصيات سواء في داخل العمل الروائي أو في الحياة الواقعية ، هذا التداخل تشتغل عليه الكاتبة بفنية عالية وإبداع منقطع النظير ، من أجل بلوغ الحالة المطلوبة على الصعيدين الجمالي ـــ الخيالي والواقعي المعاش في فترة حرجة من تاريخ الجزائر خاصة في نهاية الثمانينات وبداية تسعينيات القرن العشرين، إذْ  اجتاحتِ البلاد في طولها وعرضها موجة إرهابية شرسة راح ضحيتها الكثير من المثقفين من صحفيين وشعراء وكتّاب ورسامين ومصورين فوتوغرافيين وقصاصين وروائيين وسينمائيين ومسرحيين وأطباء وباحثين وعمال بسطاء وطلبة ونساء وجنود ورجال شرطة وشرائح أُخرى من المجتمع وعلى رأسهم المجاهدين والثوار القدماء، وقُتِلَ الرئيس الجزائري محمد بوضياف خلال تلك الفترة الذي دام حكمه فقط 166 يوماً. وسط ذلك الجو المرعب والمأزوم ، إذْ كانت الحشود  تجتاح الشوارع دون سابق قرار كما تقول الكاتبة على لسان بطل روايتها الرَّسام ، حيث كانت أحداث أكتوبر 1988م. ص318 ــ فوضى الحواس ــ دار الآداب ـــ بيروت ــ الطبعة السابعة عشرة عام 2008م.وسط ذلك الواقع كانت الأحداث تُكتب بالدم والتاريخ يسجل وقائع دموية على مرأى ومسمع العالم المتحضر. من أحداث ذلك الأتون وتلك الفترة وعن ذلك الواقع الصعب والمُرِّ تكتب الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي تلك الثلاثية الجميلة في زمن القبح ، تلك الثلاثية والتي تُرجمتْ إلى عدَّة لغات أجنبية ، أسوة بأعمالها الأدبية الأُخرى.

دمار وفوضى

 في ظلِّ الدمار والفوضى والقتل وقطع الرؤوس والمذابح الجماعية والاغتصاب والقهر الاجتماعي والعهر السياسي والسرقات وتدمير الذات وتشويه الحقائق الذي عاشته الجزائر في تلك الفترة الظلامية ، استطاعت الروائية أحلام مستغانمي بفكرها الخلائق وقلمها السَّيال وخيالها الخصب أنْ ترسم في تلك الفترة العصيبة من تاريخ الجزائر لوحة للجزائر بفن السَّرد شبيه بلوحة الجورنيكا للرسام العبقري بيكاسو، تمثل بشاعة القتل ، وجنون القتلة وحقدهم على الأرض والعباد وعلى كلِّ مواطن شريف لم يتلوث بالفساد والسرقات والموبقات التي يمارسها الظلاميون ودهاقنة السياسة والقتلة. في زمن البؤس والحقد والكآبة والقبح تتصدى الكاتبة لتك الأوضاع الشاذة لتكتب عملاً روائياً كاشفاً عن سيرة حياة أبطالها وشخصياتها والذي تركز به الكاتبة على الشخصيات المثقفة كالرسام والمصور والشاعر والكاتب والصحفي جاعلةً من تلك الشخصيات تتطور من خلال مراحل العمل في هذه الثلاثية الرائعة والدقيقة في طرح التفاصيل الجميلة بأسلوب خلاّق وانسيابية مُدهشة ولغة سلسة مُتزنة ومعاصرة للواقع المعاش، لغة الوجدان والعواطف الجياشة ، لغة اللوعة والفقدان ، لغة الحُبِّ والجنس، لغة الجسد وذاكرتهِ ، لغة المغامرة الجميلة والاتصال الروحي ، لغة الخسران عندما يذهب الإنسان شهيداً ، لغة المحاورات الثقافية بين العاشق والمعشوق ، وهي كذلك لغة الخذلان عندما نخسرُ حبيباً وعاشقاً ، لغة الحرمان والبعد ، لغة الهوس والفوضى والتمرد ، لغة الثورة على القديم ، لغة المرأة العاشقة والثورية المتمردة على العادات والقيود والسلطة والمجتمع ، تلك المرأة الكاتبة وهي الشخصية المحورية في ثلاثية أحلام مستغانمي ،ــــ حياة العاشقة والمعشوقة في الوقت ذاتهِ ، هي النار والماء في الوقت نفسهِ، هي التناقض الصَّارخ في وسط تلك الفوضى ، خاصة (فوضى الحواس). هي الغطاء الروحي لأخيها ناصر ، وهي البلسم الشافي ليتمهِ ، وهي اليتيمة في الوقت ذاتهِ ، هي التضاد لروحها المُسْتَلَبَةِ من قبل زوجها الضابط الكبير ، وأنوثتها وجسدها ( هنا أنتِ تتعلَّمين من عيون الآخرين ، كيف تنكرين جسدكِ ، وتضطهدين رغباتكِ ، وتتبرئين من أنوثتكِ ، فقد علّموك أن ليس الجنس وحده عيباً وإنَّما الأنوثة أيضاً .. وكلّ ما يشي بها ولو صمتاً.) ص231

ــــ فوضى الحواس ــ دار الآداب ــ بيروت الطبعة السابعة عشرة عام 2008م.جرأة الروائية تأخذنا إلى حمَّام نسائي ( الحمَّام التَّركيّ) ، إذْ لأول مرَّة أقرأ لروائية عربية تَصِفُ تلك الطقوس النسائية في الحمَّام الجماعيّ بهذا القدر من الجرأة والبوح الصَّادق بدون رتوش ومداهنة وخوف ، أنَّها طقوس النظافة الأسبوعية كما تقول الكاتبة على لسان بطلة الرواية حياة. حيث تكشف عن العري الجماعي وأجساد مشوّهة الأنوثة ، مترهّلة البطون، متدليِّة الصَّدور. ص233 ـــ فوضى الحواس.

 المدهش في كتابة الروائية أحلام مستغانمي هو الصّوغ الشِّعري في كتابة الرواية ، إذْ لا تخلو صفحة من روايتها من ذلك الفن الشِّعري ، وفي أحيان كثيرة لا يخلو سطراً من هذا الفن المدهش، وهي التي تعرف أن الرواية فنُّ التحايل ، تماماً كما أنَّ الشِّعر هو فنّ الدهشة .ص328 ــ فوضى الحواس. لا تنسى الكاتبة في ظلِّ ذلك القهر الاجتماعي والإرهاب والقتل في بلدها الجزائر في تلك الفترة ، لا تنسى محنة الشعوب العربية في ذلك الوقت من ثمانينات وتسعينات القرن العشرين ، خاصة محنة العراق وابتلاء الشعب العراقي بالحروب المجنونة لطاغية العراق صدام حسين في ذلك الوقت حيث تشير الكاتبة إلى ذلك بسخرية من أفعال صدام العنجهية والفارغة خاصة في المواجهة العسكرية والتحالف العالمي ضَدَّ العراق ( ولكنَّهُ عند سقوط أول صواريخ عراقيّة على إسرائيل ووقوعها على أرض قاحلة ، طلبني ليلاً ليقول لي ” أهذا هو السّكود الذي كان يهدّد به صدَّام العالم .. إنَّهُ ليس أكثر من ” تحميلة” وضعتها إسرائيل في مؤخّرتها..!) ص128 ـــ فوضى الحواس وهي دوماً تكشف تفاهة الدكتاتور في أي مكان من العالم وحرصه على أن يرتبط فرح الناس بفرحهِ لأنَّهُ دكتاتور يعزُّ عليهِ فرح الناس:( عندما رويت تلك الحادثة الغريبة لمراد ، وجد فيها ما يؤكد نظريّتهُ بأن الطغاة يجدون دائماً في فرح الرَّعيّة خرقاً لقوانين القهر وتعدّياً على مؤسسة العسف . ولذا إنَّ أكبر معارضة لأيّ دكتاتور في العالم هي أن تقرَّر أن تبتهج . فأيّ دكتاتور يعزُّ عليهِ أن يفرح الناس إن لم يرتبط فرحهم بعيد ميلاده أو ذكرى وصولهِ إلى الحكم.)ص128 ـــ 129 ـــ عابر سرير ــ دار الآداب ـــ بيروت ـــ الطبعة السادسة عام 2007م.

 وهي تكشف جرائم الطاغية صدام حسين وزمرة البعث الغبية في تلك السنوات، سنوات الجوع والعوز والقهر والحرمان والمهانة والمذلة ، سنوات النفاق والدجل والفرقة والتشرد والغربة والفقر والشتات ، سنوات الهروب من وطن لا يحمل سوى الاسم (العراق) ، وطن مُستلب ، مُباح ، مسروق، مُحتل من قبل فئة ضالة تحكم الشعب بالحديد والنار باسم القومية والشعارات الزَّائفة ، والتي زَجتْ العراق في حروب بهلوانية ، طائشة وخاسرة ، وكانت النتيجة سنوات من المعاناة والبؤس والمرض والقهر والصبر المرير ، سنوات تسعينات القرن العشرين  (سنوات الحصار).  وهي تكشف تلك الجرائم، تنتصر للنساء المُضْطَهَداتِ، المعوزات ، اللاتي عشنَ في تلك الفترة حياة الذل والعبودية والعوز والحرمان، أرامل الحروب وأيتامها ( كانت تفرغ البيوت من رجالها ، ومن أثاثها ، ومن لقمة عيشها ، لتسكنها أرامل الحروب وأيتامها) ص92 ـــ عابر سرير ــ الطبعة السادسة عام 2007م ــ دار الآداب ــ بيروت ، مما أدى بهنَّ إلى بيع  أجسادهنَ من أجل لقمة العيش لأطفالهنَ وسترِ عريهم ، (وحدهن البائسات الفقيرات يمتن غسلاً لشرف الوطن ، كما مات أزواجهن فداءً لهُ. وبإمكان رؤوسهنَّ الخمسين التي قُطعت بمباركة ماجدات فاضلات يُمثَّلنَ الإتحاد النسائي ، بإمكانها أن تبقى مُعلَّقة على الأبواب يوماً كاملاً تأكيداً لطهارة اليد التي قطعتها، كي يعتبر بها الفقراء الذين جازفوا بقبول مذَّلة “المتعة مقابل الغذاء” ، وتجرَّوا على تمنّي شيئاً آخر في هذه الدنيا غير إضافة جماجمهم لتزيين كعكة عيد ميلاد القائد.) ـــ ص92 ـــ عابر سرير ــ الطبعة السادسة عام 2007م ــ دار الآداب ــ بيروت.  لا تعجب أيُّها القارئ إنَّهُ مشهد  لمومسات البؤس العربيّ ـــ كما تصفهُ الكاتبة ـــ ، لكنَّ السؤال يبقى مطروحاً من تجرأ من الروائيين والقصاصين العرب والعراقيين بصورة خاصة على الكتابة بهذه الشاكلة وذلك التحدي ، وتحلى بالشجاعة الأدبية كما فعلت الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي؟ وهناك جوانب كثيرة ومشاهد ولقطات تكشف فيها الكاتبة في هذه الثلاثية ( ذاكرة الجسد ــ فوضى الحواس ــ عابر سرير)، عن تلك الجرائم التي مارسها الطغاة والتي يندى لها جبين البشرية ، جرائم السَّادية والاغتصاب وقطع الرؤوس والتمثيل بالجثث و تعليقها على أبواب المنازل أو الساحات العامة سواء في بلدها الجزائر أو في العراق وبقية البلدان العربية.

 تبقى لغة الأنثى الروائية مُحملة بالشحن العاطفي والحساسية المرهفة والشفافية واللغة المُدهشة بالصوغ الشِّعري ، لغة الوجدان والعواطف الجياشة ، لغة الجمال والطراوة اللغوية والرطوبة الفكرية الخصبة ، والعفة المتمثلة بالفهم الواعي لمعنى الشرف عندما تقول الكاتبة (فقد كنت مشغولة عنها ، بمقولة لساشا غيتري : ” ليس هناك من نساء غير شريفات .. وأخريات شريفات . ثمّة فقط ، نساء غير شريفات .. وأخريات قبيحات!”.) ص235 ـــ فوضى الحواس ـــ عندما كانت بصحبة أمها في الحمّام التركيّ.

صوت عال

وهي تكتب بتلك اللغة ذات الإيحاء الدال وبذلك الصوت العالي المتمرد على العادات والقيم البالية ، والظلامية التي لا تفهم لغة الحبِّ والعواطف الجياشة وروحية العشق والالتحام الجسدي وفضيلة ممارسة الحبِّ الصَّادق الخالي من الابتزاز والمهانة والذل والمتاجرة بالجسد والدعارة العلنية والسّرية التي يمارسها سماسرة القتل والحروب وتشويه الجسد الأنثوي باسم القومية والدين والشعارات الزائفة.

 تكتب الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي بلغة الشوق والحنان والصَّدق العاطفي الجياش, بلغة التجربة والمران ومعايشة الواقع الجزائري والعربي بشكلٍّ عام ، كما قال الروائي الكولومبي غارسيا ماركيز: (نعيشها لنرويها)، وصدقَ ظَنّ القارئ بالروائية الجزائرية أحلام مستغانمي ، بما تتمتع به من خبرة ودراية وفهم موضوعي بأحوال المجتمعات سواء كانت عربية أو أجنبية. وبصدق تلك الرؤى كانت تكتب رواية داخل رواية ، إذْ أن شخصيات روايتها ، خاصة بطلة الرواية حياة التي صورتها الكتابة بأنَّها

تكتب رواية وأنَّ الشخوص في روايتها في ذلك الدفتر ( المخطوط) والذي لازمها في أغلب أوقات العمل الروائي في الثلاثية ، والذي تضعهُ أخيراً على كومة التراب في المقبرة على قبر عبدالحق الصحفي المغدور. أنَّ حياة تكتب عن شخصيات وبعد ذلك تصادفهم في حياتهم الواقعية كخالد بن طوبال أو زيّان الرَّسام أو المصور والصحفي وغيرهم من العشاق والأقارب. إذاً كانت الروائية أحلام مستغانمي تكتب رواية في داخل رواية ، وهذه دربة وحنكة وهندسة كلامية صعبة ، هندسة وراثية لفن السّرد ، بلغة العلم والشِّعر ، موضوع داخل موضوع بصيغة إبداعية موحية ، لا نشاز فيها من ناحية الصياغة الأدبية ، ولا غموض من أجل الغموض والتعمية ، سهلة الفهم والقراءة من قبل شرائح كبيرة في العالم وليس مختصرة على قراءة النقاد والنخبة ، لذا تُرجمتْ أعمالها إلى اللغات الأجنبية الحيّة ، وطبعت طبعات مختلفة بجمالية الغلاف والتشكيل اللوني الموحي ببراعة الفن الأصيل والحروف اللونية الواضحة تُدَلِّلُ على أصالة العمل الأدبي الرائع.  في الواقع وفي العمل الروائي يكادُ أن يكون الموت هزيمة ، هزيمة للذات نشعرُ بها نحن الأحياء، أنَّها ذاتنا المهزومة على صعيد تلك العلاقة مع شخص قد عرفناه ، ثُمَّ سرقهُ الموت منا ، وقد فقدناه، هنا تكون الخسارة مُضاعفة ، لأنَّ الفقد قد تَمَّ كجريمة مُتكاملة.  عندما يروي لنا أحد أبطال الرواية فقدان صديقه الشاعر الفلسطيني زياد الذي أُغتيل برصاصة الموت . هنا الراوي لم يجد أيّ مبرر لهذا الفقدان وهو يفلسف الموت على طريقتهِ الخاصة ويشعر بالخذلان والهزيمة والخسارة ، فالشاعر زياد هزمهُ حتّى في موتهِ لأنَّهُ كان يعرف سخرية القدر ،( ولم يخطئ حدسهُ إذن …. لم يكن في انتظاره سوى رصاصة الموت) 248 ـــ ذاكرة الجسد. موت الشاعر اللبناني خليل حاوي منتحراً بطلقات ناريّة بداية صيف 1982م ، احتجاجاً على اجتياح إسرائيل للجنوب. شَكَّلَ صدمة ومرارة وخيبة ذاتية وقومية ، وقد ذكرتهُ الكاتبة في روايتها ( ذاكرة الجسد) ، ليشكِّل هاجساً يشملُ طبيعة الفقدان والخسارة حينما يسرق الموت تلك الفراشات في الصيف ، وتعزز الكاتبة مشاهد الموت  أو الانتحار والمصير واحد وهو نهاية حياة شخص ، كما حدث للروائي ( همنغواي) أيضاً صيف 1961م تاركاً خلفهُ مسودّة روايته الأخيرة ” الصيف الخطر” كما تقول الكاتبة.وكذلك الروائي الياباني ” ميشيما” الذي مات منتحراً أيضاً بطريقة أُخرى احتجاجاً على خيبة أُخرى. كلُّ هذا الموت هو تحصيل حاصل لخيبة الذات في زمن القبح ، وعدم التمكن من مسايرة الواقع المخزي بالنسبة للشخص المفرط الحساسية كالأديب. وقد حفلت الثلاثية بمعلومات وأفكار وشخصيات أدبية وفنية عربية وعالمية ، دالة على عمق ثقافة الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي.  إنَّ موت المثقف الجزائري سواء كان صحفياً أو رساماً أو شاعراً أو روائياً  حسب ما جاء في ثلاثية الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، والتذكير بموت أو انتحار المثقف العربي أو الأجنبي في فترات مختلفة وأماكن مختلفة ضمن هذا العمل الروائي خاصة في رواية (ذاكرة الجسد) وهي الجزء الأول من ثلاثية الكاتبة، يُدَلِّلُ على هاجس القلق والخوف من المصير المجهول في ظلِّ فوضى العالم وفوضى الحواس الذي تشعر بهِ الكاتبة ، هذا الهاجس (الموت) ولو أنَّهُ أقلق الإنسان منذ القدم ، وقصة كلكاماش مع الموت معروفة ، عندما مات رفيق دربهِ انكيدو ، وخروج الملك كلكامش من مدينة الوركاء للبحث عن الخلود وفشله في الحصول عليه في النهاية، لكنَّ شخصيات الكاتبة حياة في الرواية ، هي شخصيات حِبْريّة على البياض، أو هي شخصيات ورقية ، كزياد وعبدالحق والرَّسام زيَّان ، وهم في الوقت ذاتهِ ، عشاق الكاتبة حياة ، وكلهم ماتوا من خلال السَّرد ،إذْ أنَّ البطلة حياة كانت تكتب روايتها الخاصة ضمن الإطار العام الذي خططت لهُ الروائية أحلام مستغانمي، لذا كان تشخيصنا واضحاً عندما أشرنا إلى أنَّ هذه الثلاثية عبارة عن عمل روائي داخل عمل روائي لكنَّهُ ليس آخر ، أنَّهُ من صلب العمل الروائي (الثلاثية) ، إذْ أنَّ السَّاردة تشتغل بخطين متوازيين للوصول للهدف المنشود ، والروائية الجزائرية تشتغل على حبكة روائية داخل حبكة روائية ، ولا يخلو عملها هذا من  لغز الروايات البوليسية ، أن جاز التعبير ، خاصة في قصة حياة مع عشاقها كخالد بن طوبال وزياد وزيّان وعبدالحق، واللغز الذي يدور حول المصور الذي فاز بالجائزة والرَّسام الراقد في المستشفى في باريس ، وكذلك الجانب المبهم في علاقات حياة العاطفية بهذه الشخصيات ، وهل أنَّ خالد بن طوبال و الرَّسام زيَّان هما شخص واحد؟ هي لعبة الاسم المجهول في زمن القتل على الهوية ، وعلى الشخص أن يتَّخذ أكثر من أسم من أجل الحفاظ على حياتهِ ، خاصة الذي يعمل في الصحافة كعبدالحق مثلاً ، والذي طالتهُ يد الغدر، وكذلك الذي يكتب باسم مستعار كخالد بن طوبال ، أنَّها لعبة الأسماء المتقاطعة وليست الكلمات المتقاطعة في زمن الجهل والظلام.