الرواية بعد المخطط ورسم الشخصيات

438

خراب ميزوبوتاميا في تجميع الأسد

 

الرواية بعد المخطط ورسم الشخصيات

 

 

عبدالكريم حسن مراد

 

 

رسم لنا الكاتب والروائي وارد بدر السالم في روايته ” تجميع الأسد” شخصية مؤلف ميزوبوتامي مهاجر يلتقي بفنان من نفس بلدته ؛ مهاجر هو أيضا ؛ مختص بعمل جداريات كبيرة يدعى ( ع الرافديني) وبروفيسور تدعى كاترين تعمل أستاذة في مادة التشريح والتي اكتشفت من خلال زيارتها لميزوبوتاميا ضمن فريق الصليب الأحمر سجنا يعّذّب فيه أبناء البلدة من قبل قوات بلادها الغازية التي كانت تستهين بالجسد الميزوبوتامي ؛ من خلال اطلاعها على أجساد الأسرى الممزقة التي وُجدت في ثلاجات الطب العدلي لبلاد ميزوبوتاميا .. من أفكار تلك الواقعة استلهم ع الرافديني فكرة عمل نصب فني كبير يوثق فيها وعبر مراحل التاريخ وحشية القوات الغازية لبلاده . كل تلك الصور دفعت بالمؤلف هو أيضا في الشروع بكتابة رواية عن تلك الأفعال الوحشية القاسية حينما وضع مخططا أوليا ورسم الشخصيات ووزع الأدوار ؛ بينها الشخصيات المتخيلة والتي فوجئ بوجودها في الواقع ! عندما تطابقت مع المتخيل الروائي ؛ الأمر الذي جعل من المؤلف أن يلتقيهم لقاءه الأول في المطعم البحري للبحث معهم في أمور تتعلق بمدونته الروائية التي دونها على جهاز الكومبيوتر . وبعد تبادل الأفكار عبر النقاشات وتلقي الآراء من الشخصيات الروائية سأل أحدهم عن عدد الشخصيات التي وظّفها المؤلف في عمله الروائي فأجابه بأنها 7 شخصيات مما أثار استغراب السائل فرد عليه : ولكننا 6 شخصيات فمن هو السابع ؟؟ فأجابه المؤلف : أنا الشخص السابع . لابد من وجودي لأشارك الشخصيات أدوارها ؛ مشيرا الى أن الشخصيات الفاعلة في المتن الروائي هم : ع الرافديني و الأسمر الخمسيني والعجوز الأمريكي والناقد والصحفي والبروفسور كاترين إضافة للمؤلف نفسه . . غير إن أحد الشخصيات وهو الأمريكي العجوز يقترح على المؤلف إضافة شخصية أنثوية ، بعد إن رقص رقصة زوربا اليوناني ؛ إلا إن المؤلف يشير بوضوح : ( ستقتلك امرأة لا تتوقعها ).. لتنتهي الجلسة الروائية الأولى بشروع المؤلف في كتابة مدونته وتحريك الشخصيات في سرد وقائع العمل مستخدما أسلوب تعدد الأصوات في تراتبية تارة وأخرى متشظية في زمانها ومكانها ..فمرة يرسم متخيّله بلقاء الأسمر وكارول على الشاطئ ( مديرة أعمال العجوز الأمريكي – مستشار السفارة الأمريكية الثقافي) وهي اندنوسية الجنسية ؛ مسترجعاً بنا بطريقة (الفلاش باك) لقاء العجوز الأمريكي بأندنوسيته بلقاء حميمي تمكنت من أن تلاعبه ؛ وهو العاجز جنسيا؛ بطريقة تصويرية دقيقة حينما غرزت إصبعه في شرجه …؛ لتنتقل الرواية بعدها وهي ترسم صورة لقاء الصحفي بالناقد اللذين قررا لقاء الفنان ع الرافديني بسؤاله عن المشروع الوطني الذي صممه ؛ لتعلن الرواية بعد سرد تلك الوقائع ومن خلال التفاتات سردية جميلة من إن المؤلف توقف عن الكتابة في المدونة ليلتقي بشخصياته ثانية في المطعم البحري أيضا لبحث بقية الفصول ؛ وقد بدا حائرا بعض الشيء مما أثار استغراب الشخصيات ليكتشفوا إن حيرة المؤلف تتلخص بإطلاق التسمية للعمل السردي الذي هو ماضٍ فيه مما خلق جدلاً بين الجميع بوصف المؤلف أحد عناصر البناء الفني ومشارك حقيقي في المتن الروائي ؛ الأمر الذي أفصح عن نيّات مبيتة عند بعض الشخصيات كالأمريكي العجوز الذي طالب بإنهاء دور الأسمر الخمسيني (وهو المواطن الوحيد في الرواية) لغاية في نفسه تتعلق بمدى العلاقة بين الأسمر وفتاة العجوز الدبلوماسي ؛ غير إن المؤلف يرى إنه ليس ماركيز ( لأضعه مع ملابس الغسيل ويطير وأتخلص منه ..) لكن المفاجأة في هذا الجدل هو ما طلبه الصحفي حينما طلب من المؤلف إعفاءه من المشاركة في بقية فصول الرواية مبررا مساحة وجوده الضيقة في السرد ، فاستثمر الأمريكي العجوز هذا الخروج ليقترح دخول مديرة أعماله الإندنوسية ليكتمل النصاب في العدد 7 ، غير ان الأسمر بدل (الإستقالة ) من الرواية فاجأ المؤلف بطلب إجازة لمدة أسبوعين لغاية في نفسه غير مفهومة للجميع . الإندنوسية الهامشية في الرواية تفاجئ المؤلف بزيارته لشقته بتبريرها لأمور تتعلق بالعمل وأشياء أخرى . فيلتقي بها ويستمع الى ما تريد فتفاجئه ببكائها ونحيبها وقهرها ، واستمع الى قصة هجرتها من بلدها وعملها عند العجوز الدبلوماسي في بيته وسفارة بلده . يكمل المؤلف مدونته السردية برسم شخصية ع الرافديني الفنية وما هو مصمم عليه لرسم جداريته العملاقة واستدراجه ؛ عبر الصحفي المجاز؛ لشخصية طارئة وهي مليكة المغربية والحفيد الإيطالي في بلد آخر غير بلد حدث الرواية المجهول ، وهو البحث عن راحلين ساعدوا في إنجاز نماذج نحتية في مصهر ايطالي لفنان عراقي كان يدرس هناك عام 1959 والذي لم يشهد افتتاح نصبه في عهد الجمهورية الفتي لموته المفاجئ .. المفاجأة غير المحسوبة التي تلقاها الأسمر الخمسيني عبر هاتفه في سفره هي هروب المؤلف برفقة كارول الى خارج البلاد والى جهة مجهولة والتي أزعجت البروفيسو كاترين المفجوعة بمقتل مواطنها الأمريكي العجوز مسموما ، فوُجّه الاتهام الى المؤلف والإندنوسية ؛ لكن المؤلف وكي لا يتوقف سرد روايته يطلب من الخمسيني الأسمر عبر رسائل الهاتف أن يسارع لإكمال عمله الروائي وطبعه وأن لا يضع اسمه عليه ! لأنه لا يريد أن يقع في قبضة الشرطة متهما بالقتل وهو الروائي المسالم ( لم أعد كاتبها . بل أنتم كتبتموها .. إطبعها بأسرع وقت قبل أن يطمسوا معالم موطنك فما حدث هزني كليا . أنا ميت . محبتي لكم) بهذه الكلمات أنهى المؤلف رسالته فيحمل الخمسيني الأسمر المقترح الى الناقد لتنفيذ الوصية ؛ لكن ثمة مفاجأة كانت تنتظرهما وهو انسحاب البروفيسور كاترين من الرواية في آخر لحظات تدوينها ؛ احتجاجا على مقتل مواطنها ومتذرعة بكثرة انشغالاتها العلمية ؛ لينهي الروائي وارد بدر السالم (تجميع الأسد) وهو يقدم لنا ” سجل الزائرين” كإرشيف خاص لمعرض الفنان ع الرافديني( الذي اختفى مع لوحته ) والذي جلبه الحارس الفلبيني ليسلمه الى المطبعة ويُلصق بالرواية كآخر فصل لها . وفي هذا السجل انطباعات حول اللوحة العملاقة سجل فيها الزائرون استنكاراتهم على وحشية القوات الأمريكية تجاه معتقلي سجن ابو غريب ( وهو السجن الذي كشفته البروفيسور كاترين وله صلة وثيقة بالمتن الروائي) وانطباعاتهم المتناقضة عن اللوحة وتفسيرها وتأويلها . ترك الروائي وارد بدر السالم روايته بنهاية مفتوحة .. لكن بعد كل هذا ثمة سؤال يدور في ذهني هو : هل وظّف كاتبنا المبدع فكرة مسرحية ( ست شخصيات تبحث عن مؤلف) لبراندللو ولعبها لعبة عكسية؟ سأترك الإجابة للقارئ الذي سيتمتع بهذا العمل الروائي .

 

 

{ تجميع الأسد / وارد بدر السالم / ثقافتنا – الامارات – الدار العربية للعلوم – بيروت