الروائي صبحي فحماوي لـ الزمان: كتاباتي تسعى لاسترجاع الوطن

حوار ضحى عبدالرؤوف المل:

يقف الكاتب والروائي صبحي فحماوي في مشهده الإبداعي كأحد الأصوات الأكثر حضوراً في السرد العربي المعاصر، بما يملكه من مشروع أدبي متماسك، يتجاوز حدود الرواية بوصفها فنّ الحكاية، إلى كونها أداة مقاومة ومعرفة واستعادة للتاريخ المطموس. منذ بداياته الأولى، وقد تفتّح وعيه على الشعر وحفظ قصائد امرئ القيس ونزار قباني ودرويش وسميح القاسم وغيرهم، ثم ارتدّ عن التجربة الشعرية نزولاً عند نصيحة عابرة، اتّجه إلى عالم الرواية ليجعلها مجاله الأرحب، وفضاءه الذي يلتقي فيه التاريخي بالأسطوري، والواقع المعيش بالخيال الكنعاني.

يمتاز فحماوي بأنّه كاتب يكتب بوعي رساليّ؛ لا يغوي القارئ بزينة اللغة وحدها، بل يجذبه إلى عمق الأسئلة الكبرى: فلسطين، التهجير، القمع، المنفى، وإعادة كتابة الهوية من جديد. أعماله الروائية – من الأرملة السوداء إلى قاع البلد، ومن سروال بلقيس إلى ثلاثيته الكنعانية (قصة عشق كنعانية، هاني بعل الكنعاني، أخناتون ونيفرتيتي الكنعانية، وصولاً إلى كليوبترا الكنعانية الصادرة حديثاً عام 2025) – كلها تقوم على نحت سردي متمايز، يُعيد للقارئ الذاكرة التي حاول التاريخ الرسمي أن يطمسها، ويرفض السرديات الغربية التي شوّهت رموز المنطقة.

لا يكتب فحماوي الرواية ليُجمّل الفقر أو ليستثمر المأساة في لعبة فنية؛ بل ينقل الواقع بصرخة مباشرة، بعين كاتب يرى أن الحقيقة الصارخة أجمل من أي زخرف بلاغي. هو راوٍ يضع القارئ أمام المأساة عاريةً: مشهد الأب الغارق في قاع البلد، أو قسوة الطيار الصهيوني في التوأمان، أو هزلية البنطلون في سروال بلقيس؛ كلها علامات على سرد يُحوّل القبح إلى جماليات مقاومة، حيث “القَهْبَكة” – القهقهة بالبكاء – كما وصفها الناقد جورج جحا، هي خلاصة أسلوبه الفريد.

من هنا تأتي أهمية هذا الحوار معه: ليس بوصفه تذكيراً بسيرة كاتب فحسب، بل بوصفه إضاءة على مشروع روائي عربي يكتب من قلب المأساة الفلسطينية، ويستند إلى إرث كنعاني عريق، ليواجه التزييف الغربي والعجز العربي معاً. حوار يكشف كيف تتحول الرواية عند صبحي فحماوي إلى خريطة ذاكرة مقاومة، لا إلى مكان بديل، وكيف يبقى الإبداع عنده فعلاً أخلاقياً وجمالياً متشابكاً، لا ينفصل فيه التاريخ عن الحاضر، ولا الحلم عن الواقع.ومع الروائي صبحي فحماوي أجريت هذا الحوار …

-هل عملت أية محاولة شعرية؟

منذ السنة الجامعية الأولى حفظت بعض قصائد امريء القيس، ونزار قباني، وعمر أبو ريشة، وهارون هاشم رشيد، وتوفيق زياد، ومحمود درويش وسميح القاسم وغيرهم.. وبدأت كتابة الشعر الذي كان فحواه الغزل العذري..وصادف ان التقيت رجلاً كبير السن، فسألته: ما رأيك في أن أُكثر من قراءة الشعر وكتابته؟ فقال لي: اترك الشعر وواصل دروسك..فتركت الشعر، ولم أعد إليه أبدا.ً

– إن اضطررت لاختصار عالم الرواية في استعادة واحدة، فما هي؟

لاختصار عالم الرواية مضطر لاعتصار روحي التي تسكن معظم رواياتي إن لم تكن كلها، ولهذا أقول : “كلهن بناتي” ، ومن ثم فلا يمكن اختصار رواية، لأن الخيال هو روح الرواية ولا يمكن اختزال خيالات الأدب في موجز..ولكن دعينا نختصر روايتي الخامسة عشرة “كليوبترا الكنعانية” الصادرة عام 2025، فالرواية تقول: إن كليوبترا جميلة جداً وهي سورية الأصل ، وإن البطالسة هم كنعانيون من جنوب بلاد الشام، إذ استطاع بطليموس الأول أن يقنع الإسكندر ذي القرنين بأن يكون قائداً لقواته في المنطقة الكنعانية، واستمرت هذه السيطرة إلى أن مات الإسكندر فبِسمِ الإسكندر حكم مصر التي كانت تعيش مرحلة نهاية عصر الفراعنة..وإن كليوبترا لم تكن غانية عاشقة ليوليوس قيصر أو أنطونيوس قيصر، كما يصورها الغرب، والمؤسف أن السرديات العربية تلهث خلفهم في هذه الصورة، بل كانت زوجة عاشقة ليوليوس حتى يوم مقتله، وكانت تهدف من زواجها، إنجاب ولد سمّته قيصرون بهدف أن يحكم روما بعد أبيه.. كانت تطلعاتها عالية جداً، بحيث تصبح كليوبترا ملكة على روما ومصر معاً، فبدل أن تخضَع مصر لروما، ستخضع روما لمصر..وانسحب هذا الهدف على زواجها من أنطونيوس قيصر بعد يوليوس..وفي الرواية قصص حب وغرام لكل منهما..وهي التي فعلت الكثير لدعم وتطوير مكتبة الإسكندرية، أعظم مكتبة في العالم آنذاك، وكانت كليوبترا غيورة على وطنها مصر، إذ رفضت أن يدفع والدها بطليموس الذهب إلى روما، ولكنه قال لها إنه يدفع لتمكين سيطرته على مصر..

وضمن سرديات الرواية نشاهد قادة روما وهم يحاولون تذويب الشخصية المصرية تمهيداً لاحتلالها، ابتداءً من بومبي، ثم يوليوس قيصر الذي قال عنه والد زوجته: “إنه رجل لكل نساء روما، وامرأة لكل رجال روما.” ومروراً بأنطونيوس قيصر الذي – بعد مقتل يوليوس قيصر- كان زوجاً عاشقاً لكليوبترا، بين سهرات ومطاردات ضاحكة ساخرة، ورحلات غرامية..إلى أن مات بطريقة دراماتيكية مذهلة.. ثم أوكتافيوس الذي تقدم لاحتلال مصر وهو حاقدٌ على أنطونيو، فاضطرت كليوبترا للموت بلدغة ثعبان شديد السمية، وذلك قبل أن يتمكن أوكتافيوس قيصر من جلبها إلى شوارع روما ليحتفل الشعب بها أسيرة لديهم هناك.. وهكذا دالت مصر لحكم الرومان، في مسيرة توسيع الإمبراطورية.. ورواية “كليوبترا الكنعانية” تحتوي قصص حب وغرام، وقصص شذوذ جنسي، وحروب لم تتوقف منذ بداية صفحاتها وحتى النهاية.

– حين تكتب عن القمع والتهجير..ما هو بروتوكولك الأخلاقي لتجنب الاستهلاك؟

لقد عانى الفلسطينيون والعرب عموماً على أيدي المحتلين الصهاينة والفايكنج -العرق الأنجلوساكسوني الأبيض عموماً- أبشع أنواع القمع والقتل والتعذيب والتهجير، وكل كاتب يُسطِّر بطريقة خاصة مناظر من عذابات أمّته،(كل شيخ وله طريقة) وكانت حصتي هي الكتابة عن عذابات الشعب الفلسطيني الذي ما يزال يقاوم المحتلين منذ مئة سنة، ولم يستسلم، بينما استسلم الفرنسيون وغيرهم من الأوروبيين في الحرب العالمية خلال عدة أشهر..ولم أتوقف عن تسطير عذابات الفلسطينيين إذ كتبت رواية “هاني بعل الكنعاني” منذ خروج الأميرة الكنعانية أليسار من صور وصيدا، مروراً بقرطاجنة التونسية، وحروبه المُظفّرة، واحتلاله لإيطاليا مدة 15 سنة، وصولاً إلى حيث دفن في منطقة جبزي قرب إسطنبول التركية.وأجدني أكتب بطريقتي الخاصة..حيث يعرف القارىء بصمات صبحي فحماوي في كل قصة، أو مسرحية، أو رواية، أو نقد يكتبه.

– لأي قارىء تكتب، للمتألم القريب، أم للمتلقي البعيد؟

أكتب للرصيف الذي كان يمثله أدب غسان كنفاني ومحمد الماغوط، وأميل حبيبي، وأمثالهم. أكتب لمن عانوا من النكبات المتتالية..لمن تم تهجيرهم من العرب، وليس الفلسطينيون وحدهم، فمعظمهم صاروا مُهجّرين بهذا الخراب الذي يسود بلاد العرب..أكتب عن جماليات القبح إذ كتب أ.د. جورج جحا من الجامعة الأمريكية في بيروت أن كتاباتي هي( قهبكة) وفسرها بأنها “قهقهة ببكاء”..أكتب عن الجوع وتدمير البيوت، والهجرة في “بحر الموت الأبيض المتوسط”..أكتب عن الكنعانيين الذين تآمر عليهم المؤرخون والتاريخ، فلم يذكروهم في كتاب، رغم أنهم هم الذين خلقوا المعرفة من قبل عشرة آلاف عام، حيث “يم” الإلهة الأم مروراً بالإله إل أو إيل وزوجته عشيرة، وأبنائهما بعل وعنات وعشتار وبدرية وشمس، واللات، والعُزّى، وجبريل، والرب موت، وغيرهم كثير ممن مثّلوا أصل الحركة والنشاط والثقافة في محيط منطقة البحيرة الكنعانية التي تمت محاصرتها وتلويثها فصارت البحر الأبيض المتوسط. إلى أن عبروا البحار إلى ما حول إفريقيا ومن ثم عبروا بحر الظلمات إلى ما تسمى اليوم الأمريكتين، فكانوا مكتشفين مؤسسين.. وذلك واضح في رواياتي:”قصة عشق كنعانية” و” هاني بعل الكنعاني” و “أخناتون ونيفرتيتي الكنعانية” و” كليوبترا الكنعانية”..

– ما المشهد الروائي من رواياتك تودّ أن يُقرأ ببطء شديد، ولماذا؟

بدل البطء الشديد، دعيني أقول: “إعادة القراءة” كما قال نجيب محفوظ: “قراءة رواية جيدة ثلاث مرات، أفضل من قراءة ثلاث روايات ” وأما التكرار الذي يُعلِّم الشُّطار، فأتمنى لو قرأوا جميع رواياتي لازدادت ثقافتهم ومعرفتهم، لأن رواياتي هي مصدر للمعلومات أيضاً، إذ قال لي ناقد مصري وهو أستاذ دكتور: ” أيه دا يا فحماوي، أنا قبل قراءة روايتك”الأرملة السوداء” كنت رايح رايح، وبعد أن أنهيت قراءتها، صرت راجع راجع.” وإذا أصررتِ على مشهد من روايتي “قاع البلد” فإليك مشهد الهربيد وهو يقف مذهولاً أمام أبيه الذي يغرق ويغرق في قاع مائية رملية في الصحراء التي التجأ إليها بعد حرب 1967:

– كان الهربيد يذوب بدموع شمعة تحترق، قائلاً: ” يبدو أن غنمةً وحيدة قد تورطت بالغوص في أعماق الماء، فدخل أبي -صاحب الأغنام وراعيها- البركة ليخرجها، فغاصت رجلاه في الطين. ما يزال أبي يتخبط في اللزوجة.. يحاول أن يرفع رجله اليمنى، فتغوص اليسرى تحت ثقل الجسم كله.. يستعين بالأُخرى فتنزل تحت الأولى.. يبدو أنها تهبط إلى قرار سحيق.. الطين الرملي المائي يمسك برجليّ العجوز مثل شفاطة..أقترب منه متورطاً، فيحاول أبي الاقتراب مني نازلاً إلى بئر أعمق.. أسحب رجلي إلى الخلف بقوة، لأُنقذ روحي من الغرق.. أنظر من حولي.. أبحث عن عصا لأمدّها إليه، ليمسك بها، فأسحبه من العمق اللّدِن.. ولكن لا عصا حولي تستطيع أن توصل ما انقطع من الوصال.. هل من حبل أرميه إليه، فيمسك به، وهو الذي لم يبق ظاهراً من جسده سوى يديه؟ أكرر النظر من حولي، هنا وهناك.. لا أرى قضيباً طويلاً، ولا سلكاً، ولا حبلاً أمده إليه، ليكون “حية تسعى”.. كل الأفاعي تسربت، وانسابت، لتختفي بين رمال الصحراء.. يا جماعة، يا عالم، إنه أبي وليس رجُلاً آخر، أراه يغرق أمامي، وليس خلفي! روحي تتمطط من جسدي، لتصل إلى وسط البركة الطينية الرملية الرمادية الماء المعكور، ولكنها لا تصل إلى روح أبي! مجرد خطوات بيني وبينك يا أبي! خطوتان من الحياة.. خطوتان من الموت! يا عالم، يا هوه! هل من معين؟ يا عالم! يا هوه! أين أنتم؟ ألا يمر واحد من هنا؟ ألا ينبت رجل من وسط الصحراء، ليسألنا عن ورطة موتنا، ويقدم لنا حبل نجاة؟ اللعنة.. لا يستجيب لندائي سوى السراب المخيف. لو تقدمت برجلي الأخرى لغصت مثلك يا أبي. أحاول أن أنقذك، ولكنك تنزل تنزل تنزل في اليمّ. المصيبة أن رجليك المنهوبتين بالطين لا تستطيعان القفز إلى أعلى، لتعومان في هذا الماء الطيني اللزج! أمد يدي بأقصى ما أستطيع. إلى متى سأبقى بعيداً عن متناول يدك.. لماذا لا أغرق معك وننتهي؟ رقبتك غاصت في ماء الوحل.. لم تبق منك إلا يد تمتد نحوي.. أخاف لو تقدمت قليلاً أن تبتلعني بحيرة الطين الرملي اللزجة المنتظرة تقدمي نحوها، مثل ليونة أفعى مهولة تفرش جسدها الطري في قاع البركة الرملية! أمد يدي إليك.. .أبي أبي! أبي! إنك تغطس تغطس تغطس، لقد وصل الطين السائل إلى فمك.. لم يبق منك سوى الأنف الذي يتنفس.. ساعدني يا ربي على انتشال أبي من الموت! إنه الموت يا ربي.. أرفع وجهي إلى السماء.. أبي يموت يا سماء أمام ناظريّ! أُحدِّق في عينيه الباقيتين متعلقتين بي، مثل تحديقي في عين الشمس.. تحرقني عين الشمس فأصاب بالعمى.. أبي! أبي! أبي!”

يبكي الهربيد بدموع تنساب على وجهه، فيتمخط بصوت عال بمنديل قماشي يبدو أنه من معطيات البالة، وهو يتابع قوله: ” كانت تلك آخر صورة شاهدتها لأبي، فلم أعد أشاهد، أو أعي شيئاً بعدها. اختفى أبي أمام ناظريّ.. اختفت الدنيا من أمام عتمتي! بقي ضوء شاحب يغطي كل ما حولي.. يغطي السموات والأرض! لم أعد أصدق، ولا أحس بحقيقة ما أرى! العالم من حولي ضبابيّ، ناريّ، إشعاعيٌّ، ملتهب، والشمس حفارة كهربائية تدور بجنون فوق رأسي، وأنا أسير في عتمة الصحراء.. أسير في كل الاتجاهات، ولا أعرف إلى أين أتجه..”

– ما معيارك لعدم تجميل الفقر أو تسليعه سردياً في رواياتك؟

لست أُجمِّل الفقر..وأذكر مثالاً بسيطاً على بشاعة الهجرة..ففي روايتي “سروال بلقيس” كتبت: “ينظر أحد القبضايات من شرطة المخيم إلى هذا المعلق على عمود باب الخيمة، فيسأل صاحب الخيمة:
“ما هذا المعلق هنا؟” فيقول لهم: “هذا بنطلون!” “وما هذا الذي تلبسه برجلك يا بغل؟”
“أولاً أنا اسمي أبو خضر، وليس البغل، وأنتم تعرفون أن ما برجلي، هو بنطلون!”.. “لديك بنطلون إضافي معلق، وبنطلون تلبسه برجليك؟”.. “هذا بنطلون للتغيير، اشتريته من البالة.” ..”ولك لاجيء وعندك بنطلونين، وبتقول إنك فقير ومعدم؟ ولك نحنا لازم نعدمك ونتخلص منك! ولك بنطلونين يا مجرم، وتقول لاجيء مسكين..ولك والله السكين لازم تأكل من حلقك ولا..بنطلونين؟!”
يندهش أبو خضر من هذا الحسد الحاقد على بنطلون مستعمل، وهو يتذكر برتقال بيارتهم في صفورية الممتدة على وسع المدى، والذي كان يرسله للمُصدِّرين في منطقة الميناء(البور)، وأسطوانات الموسيقى الكلاسيكية التي كان يشتريها من حيفا بناء على طلب عروسه صالحة، وهو عائد من بيع حمولة الحمضيات، فتُشغِّلها على بكب أسطوانات أغاني اشترته لها معلمتها المسيحية بسمة من الناصرة بمناسبة عرسها، كان لونه أسود، ويحتفظ في درج تحته بأغاني محمد عبد الوهاب وأسمهان وسيد درويش، وغيرهم ممن وقعوا تحت ردم الطائرة التي ردمت بيتهم وهي تحارب فنون الموسيقى… لن يفهم الذين استكثروا عليه البنطلون الثاني شيئاً عن هذه الموسيقى، حتى ولو شرح لهم ذلك..ولهذه الأسباب المفتعلة نزلوا فيه ضرباً..”ولك وين الجنب اللي بيوجعك؟”

– أين سمحت للراوي أن يكون قاسياً في روايات، ولماذا؟

لم يكن الراوي قاسياً في أية سردية من سردياته، ذلك لأنني كتبت الحقيقة الصارخة بدون مواربة أو تلفيق..ومثال ذلك قول الصهيوني قائد الطائرة التي تقصف المسالمين من أهل قطاع غزة، في قصتي “التوأمان” من مجموعتي القصصية العاشرة “بين بوابات القدس” :
في الوقت الذي كان فيه أبو جبران يقترب من عمارته، كان قائدا الطائرة المقاتلة يقتربان من العمارة ثم يبتعدان، والمهندس الإسرائيلي شلومو يقول للقائد الأمريكي توم:

” أين هم الأطفال يا تومْ.. لا أشاهد أطفالاً في المنطقة..” فيقول له القائد توم: “لقد قتلناهم كلهم.. لم يبق أطفال في قطاع غزة كله.” فيقول شلومو: “القصف بالطائرة من بعيد لا يُشبع غليلي. أريد أن أمسك طفلاً بيديّ هاتين، وأحدِّق في وجهه وأنا أمارس عملية الخنق، وأرى كيف تتقلّبُ عيناه في وجهه، وتزْرَقّان وتحمرّان وتصفرّان-يقهقه وهو يتابع قوله- بينما أنا أخنقه خنقاً، فأستمتع وأستلذُّ به وأنا أراه يموت بين يديّ هاتين.. هل تعرف يا توم أنني أستمتع بقتل أطفال العرب. أحب أن أقتلهم خنقاً.. أن أستمتع بتحسُّسِ جلود رقابهم، وأضغط على بقايا لحومهم الذائبة من الجوع وأنا أخنقهم، فلا أستخدم الرصاص في قتلهم. هؤلاء العرب، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، هم وحوش قاتلة، إنهم أبشع وحوش الأرض الذين يجب قتلهم ، ولا يستحقون الحياة على هذه الأرض الطيبة.”

– هل ترى أن الكتابة الروائية لديك لسيت فقط استعادة التاريخ، بل اختراع لخرائط بديلة للعيش، حيث يكتب الروائي مكاناً ثالثاً لم يوجد أصلاً إلا في المخيلة؟

كتاباتي ليست لاختراع أماكن بديلة للعيش، وإنما تسعى لاسترجاع الوطن ، فلسطين ..كل فلسطين، وليبق فيها -بعد تحريرها من المغتصِب- كل من يريد أن يبقى من أصحاب الديانات والمذاهب والأفكار الأخرى، ما داموا يؤمنون بكونهم في وطن فلسطين، كما بقي بعض البيض في جنوب افريقيا ممن استطابوا العيش بين أهل الوطن السود ضمن جنوب افريقيا السوداء.