الروائي المغربي أحمد المديني لـ (الزمان): تحولات فكرية في الحياة السياسية

أصيلة- حاوره: عبدالحق بن رحمون

كشف الروائي المغربي أحمد المديني في حواره مع (الزمان) الدولية حقيقة الرسالة الافتراضية التي عنون بها المداخلة التي أشاد من خلالها بسيرة الراحل بن عيسى الأمين العام السابق لمؤسسة منتدى أصيلة، عبر منعرجات صداقة ثقافية وإنسانية، ستتوطد في وقت متأخر من العمر بعد تحولات فكرية وسياسية.

وتجدر الإشارة إلى أن أعمال الأديب المديني التي تجاوزت الخمسين مؤلفا، في القصة والرواية، تؤكد أنه مبدع متدفق بالمياه العذبة في مجراه بلا انقطاع، مغامر بين السفر والترحال بين الشرق والغرب في دروب الكتابة من مواقعها التي تتقاطع في عدة ضفاف بين الإبداع والنقد الأكاديمي والكتابة الصحفية والشعر، مما يجعله حالة إبداعية متفردة.

هذا وقد سبق أن حصد المديني «جائزة محمد زفزاف للرواية العربية»، في دورتها السابعة 2018 التي منحتها له مؤسسة منتدى أصيلة الدولي الثقافي. وقالت اللجنة، في تقريرها إن أعماله تنطوي على رصيد جمالي وموضوعي لافت للانتباه، مع قدرة على الإنصات إلى نبض المجتمع والتاريخ.. بما تشتمل عليه من رؤى جمالية وإنسانية فارقة في مسار الرواية العربية اليوم.

وفي ما يلي تفاصيل الحوار:

*قدمت رسالة غاصت في تجربة صداقتك مع الراحل بن عيسى مزجت بين ما هو ثقافي سياسي وحياتي، كنت أقرب للشهادة من الرسالة. أطلب منك الأديب المديني في هذا السؤال، أن تتحدث عن هذه الشهادة والرسالة الافتراضية التي وجهتها في الندوة إلى الراحل بن عيسى التي هي تعتبر شهادة حيّة في وجدانك ؟

**ينبغي أن أعترف أولا بأن علاقتي بموسم أصيلة، جاءت متأخرة. لماذا؟ لأنني باعتباري أنتمي إلى الصَّف اليساري والإشتراكي في المغرب، فقد كان عندنا موقف من جمعية المحيط هكذا اسمها الأصلي التي كانت تنظم الموسم الثقافي لأصيلة بريادة وقيادة وتنشيط من محمد بن عيسى وزير الثقافة.

نحن كنا في صفٍّ، والدولة في صف. وهو جزء من الدولة. ثم بعد ذلك تطورت الحياة السياسية في المغرب، ووقعت تحولات فكرية، ونَضجنا ونضجَ هو كذلك، فعبر كل منا باتجاه الآخر. ولست أتحدث عن نفسي كفرد ولكن كتيار.

وهكذا تحولت من الشخص الذي كان لا يحضر المهرجان، وغير معني بأصيلة إلى مشارك في أنشطته، رغم أن لنا أصدقاء كتاب من المغرب ومن المشرق خاصة؛ كنا نعاتبهم أحيانا على حضورهم.

هكذا تقاربت الشقة، وصرنا نأتي إلى هذا المكان، ونجلس ونتحاور بإيمان بالتعدد وباختلاف الرأي، والمسألة الثقافية تجمع الجميع فوق اختلافات الأيديولوجيات السياسية.

هكذا تدريجيا صرت عضوا وطرفا معنيا بموسم منتدى أصيلة الدولي، وأصبح الرجل يقربني إليه ويستشيرني استشارات أساسية في برامجه وفي قضاياه، وصرنا بالتدريج أصدقاء هنا وقع التحول بطبيعة الحال إلى انخراط في مشروع ثقافي أدى إلى بناء العلاقة الإنسانية التي تعطي فسحة، وتعطي مجالا أكبر للحوار والتبادل.

هذا الرجل بالضبط كانت له القدرة على تقبل الآخرين وعلى الحوار معهم كيفما كانت أفكارهم والتزاماتهم أو مواقفهم أو قناعاتهم السياسية، رغم أننا لم نكن نتطابق وهذا شيء مهم فيه ؛ فالتطابق مع شخص يعني أن تصبح مثله، وهذا لم يكن واردا بيننا. الرجل قاد هذا المشروع الفريد من نوعه بما يتخطى حدود المغرب.

وزارة الثقافة والمجتمع الأهلي:نحن دائما نقول مثلا في المغرب أو في بلدان أخرى على الدولة أن تفعل كل شيء، وهذا غير سليم. وخاصة في الميدان الثقافي، وزارة الثقافة لا تنتج الثقافة، ولا تصنعها، وزارة الثقافة يمكن أن تدعم، يمكن أن تقوم ببناء مؤسسات، ولكن على المج مع المدني، الذي يُسمى في الشرق بالمجتمع الأهلي أن يسهم بالثقافة باعتباره مالكا للاستقلالية، وعنده القدرة على العطاء. الأستاذ بن عيسى رحمه الله صنع هذا النموذج” منتدى أصيلة” وحوله من جمعية إلى اسمه الإداري، منتدى أصيلة، وهذا المشروع لست في حاجة إلى التعريف به. لأنه منذ سنة 1978 إلى الآن سنة 2025 بنى هذا الرجل مشروعا عظيما ثقافيا وتنمويا، وفكريا، وسياسيا أيضا، واستطاع أن يؤسس من خلاله أسس جامعة عربية ثقافية ودولية.

* لما يتم الحديث عن موسم أصيلة الثقافي الدولي دون التظاهرات الثقافية التي تنظم بمدن شمال المغرب، كذلك تطرح إشكالية احتكار مدن المركز الرباط والدار البيضاء لأهم التظاهرات الثقافية، في المقابل نجد أن الأنشطة الثقافية بالشمال كذلك متميزة ، ولا يجري الحديث عنها بالرغم من أن مدن الشمال لها تظاهرات ثقافية مؤسسة للصناعة الثقافية ؟

*هي طبيعة النشاط الثقافي لا تختلف يعني بطبيعة الحال لماذا لا نقول أيضا جنوب المغرب؟ ولكن هناك وحدة مركزية في الهموم الثقافية وفي المشاغل.

نحن لسنا عدة دول. نحن دولة واحدة وشعب واحد. لا توجد ثقافة الشمال وثقافة الجنوب. لا لا .. المغرب لا توجد فيه هذه التمايزات.

*في رواياتك تركز على الشخصيات المتميزة فماذا تتناول في شخصياتك؟

**شخصياتي هي جزء من القصة ومن الشاغل الفكري والإنساني والاجتماعي الذي أنا فيه، فهي تخدم هذه الفكرة وتجسدها.

فأنا لا أكتب عن الشخصيات كلوحات أو عن شخصيات مفردة. الشخصيات هي نماذج بشرية. وتمثل كل شخصية مصيرا محددا في سياق اجتماعي، تاريخي، سياسي، إنساني.

أنا ابن جيل الاستقلال، وهذا شيء ثري. فشخصياتي هي في هذا السياق ليست مستقلة. نعم الشخصية في الرواية شخصية فردية، ولكن ينبغي لكي تقنع بفرديتها فضروري ان تكون ضمن نسق الرواية، اي يكون لها تكوين وبعد اجتماعي.

*وماذا عن أسباب حضور الدار البيضاء في رواياتك ؟

*أنا معني بشكل خاص بمدينة الدار البيضاء. وعنها كتبت أهم رواياتي وعن الأمكنة والتحولات التي عرفتها، لأنها الواجهة الأساسية للمغرب.

سأشير عليك أن تعود إلى روايتي التي تعتبر أهم ما كتب عن الدار البيضاء في المرحلة الأخيرة في أدب الرواية المغربية وحتى العربية إن جاز. وهي “رجال الدار البيضاء مرس السلطان”، في هذه الرواية تحدثت ووصفت بالأحرى كل الخريطة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية بصفة خاصة، من خلال مصائر الحركة اليسارية والنقابية وكيف كانت.. هذه المدينة الشامخة والعظيمة وإلى أين وصلت؟ .

وبعد ذلك جاء ما يمكن أن نقول عنه تتمة لهذه الرواية، وفيها نوع من التحول الأخير الذي عرفته الدار البيضاء من خلال حي واحد اسمه درب الحاجب أي رواية “درب الحاجب”.