الرموز .. تعابير صورية في الحضارة العراقية

4897

الرموز .. تعابير صورية في الحضارة العراقية
عامر عبد الرزاق الزبيدي
نتيجة للثورة الفكرية والحضارية والمعرفية التي بدأت بأرض وادي الرافدين منذ خمسة آلاف عام قبل الميلاد، بدأ العراقي في ذلك الوقت إلى اختصار أفكاره، ومدلولاته، وابحاثة الفلسفية والعقائدية اختصارات رمزية، وهذا ما اقتضته له الضرورة، والثراء الفكري الذي كان يعيشه، واختزال الأمور بدلالة رمزية أصبح أمر ثابتا لديهم، وأصبح الرمز أحد نشاطات الفكر الإنساني التي استخدمها منذ آلاف السنين للتعبير عن أفكاره ومشاعره وعاداته، وذلك بتحويلها إلى رموز صورية.
فأننا إذا نظرنا إلى أي قطعة أثرية يجب أن لاننظر إليها من الجانب الفني والجمالي فقط، وان كان هذا الأمر متحققا بكل صوره، لكن يجب أن ننظر إلى ما وراء القطعة الأثرية بكل أبعادها، فالذي عمل تلك القطعة بلا شك وضع بها كل أفكاره التعبدية والفلسفية والاجتماعية، وألان علماء الآثار يعرفون كيف يفكر أي شعب من خلال نتاجه بالأعمال النحتية. ولم يقف الرمز بالعراق القديم أو العالم القديم فقط، بل استمرا بديمومته وحيويته في عصر العولمة والتكنلوجا الحديثة حيث نجد إن الرمز أخذ حيزا كبيرا في المجتمعات والدول، فمن العلم الذي هو رمز الدولة ويجسد برمزيته كل مكونات مجتمع الدولة بألوانه، وأشكاله الهندسية، والصورية، وليست الدول فقط من وضعت رمزا لها بل حتى الأحزاب السياسية والشركات والأندية الرياضية. وليس الغريب بالأمر أن نرى فكرة الرمز أو الشعار تبقى طيلة تلك السنين طريقة للتعبير عن مختصرات الأشياء، بل الغريب والملفت بالأمر أن نرى رموزا عراقية قديمة أول من وضعها، وصورها أبناء تلك الحضارة في مدلولات خاصة بهم، نراها ألان رموزا بنفس الرسم والصورة لمدلولات أخرى وأفكار غيرتها السنين المتلاحقة، لكن تبقى براعة الاختراع عراقية بلا أي شك أو وهم، تداولته الأجيال والأمم إلى أن انحرف عن رمزيته الأولى، ولكن بقى يسمى موروث عراقي أصيل، بدليل كل تلك القطع الأثرية التي وجدناها في المواقع الأثرية وهي تصور ذلك الرمز، ورغم مرور آلاف السنين جسد العراقي قوة تعبيره، ورمزية أفكاره التي لم تمت، وإنها رموزا وشعارات حية بزغت من أفكار ملأتها عليه الطبيعة، ورؤيته الصافية لها، وعقليته التي لم تقف على خط واحد ورأي واحد، أو تنتهي بسماء واحدة، بل عقلية فذة تستحق منا كل الإجلال والتعظيم، وهي تدل إن المنظومة الفكرية للعراق القديم كانت أللبنه الأولى التي وضعت بهذه الأرض المعمورة، ومنه اهتدت البشرية للعلوم والتقدم.
ومن الرموز التي وضعها عراقيو الأمس وبقت متداولة إلى يومنا الحاضر هي ـ
رمز الهلال ـ ذلك الرمز الذي كثيرا ما تراه بالمنحوتات العراقية القديمة منذ ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، وهو يرمز إلى اله القمر ننار السومري سين الاكدي اله النور الانوثي وأسرار السحر والحكمة، وقد استفاد منه السومريون بالتعبير عن الوقت فبين ظهور هلال وآخر ثلاثين يوما، وعند اكتمال الهلال بدرا يكون أربعة عشر يوما، ونصف تلك المدة سبعة أيام، فكان أيضا رمزا للعدد وأشهر الدولة، وقد أصبح الهلال أحد الرموز المقدسة في الإسلام، لان التقويم الإسلامي قائم على الهلال، وقد أصبح الهلال رمزا إسلاميا بصورة رسمية زمن الدولة العثمانية، لذلك وضع في كثير من أعلام الدول الإسلامية دلالة على إسلامية تلك الدول. رمز الشمس ـ وهو رمز وضع في العراق القديم في كثير من المنحوتات السومرية، والاكدية، والبابلية، والآشورية، وهو يرمز للإله شمش اله الشمس الذي يدل على نور الحقيقة والحق، ونراه واضحا في أعلى مسلة حمورابي، وهذا الرمز متداول إلى يومنا الحاضر، وقد أصبح رمز الشمس شعارا للجمهورية العراقية بعد عام 1958، وكثيرا ما وجدناه في العملة العراقية في ذلك التاريخ من العراق الحديث. رمز الصليب ـ إن ذلك الرمز الذي يصور خطين متقاطعين الأول عمودي والآخر أفقي، أو ما يسمى ألان برمز الصليب من الرموز الأولى لحضارة وادي الرافدين، وقد استخدم قبل المسيحية بآلاف السنين، وهو يرمز إلى شجرة الحياة، والخصب والديمومة، فهو متكون من جذع أو ساق عمودي للشجرة، وغصنين أفقيين، والساق هو رمز المعرفة العمودية بين البشر والإله، والغصن الأفقي يرمز للمعرفة الأفقية في الوجود والطبيعة، ووجد بأواني وفخاريات حسونة، وجمدة نصر، واريدو، قبل أربعة الاف عام قبل الميلاد، وأصبح ألان رمزا لصلب السيد المسيح، ورمزا لكثير من الدول الأوربية. رمز النجمة الثمانية ـ إن رمز النجمة الثمانية أستخدمه العراقيين القدماء في حضارة وادي الرافدين كرمز لعشتار إلهة الحب والخصب في بلاد وادي الرافدين، وقد رمز عراقيو الأمس بالنجمة لعشتار اعتقادا منهم بأن هذه النجمة هي نجمة الزهرة التي يرونها في السماء حيث يبزغ الفجر، وهي أول نجمة تظهر في السماء عند الغروب، ولهذا كانت رمزا للإله عشتار التي تعطي الحياة، والخصب، والنشاط، لذلك الشعب، وكثيرا ما نجد رمز النجمة عشتار في المنحوتات العراقية القديمة، وكذلك وجدناها في ميدالية الذهب التي وجدت في تل دلبات والمعروضة ألان في متحف الفن بأمريكا، أما ألان فقد تبنى رمز النجمة اليهود كشعار ورمز لهم، وهو رمز عراقي رافديني أصيل. رمز الصليب المعقوف ـ واحد من أهم الرموز في العراق القديم وجدناه بكثير من المنحوتات الفخارية لعصور تعود لأربعة آلاف عام قبل الميلاد وكان يلاحظ في بعض الأحيان لنساء راقصات بهيئة صليب معقوف وهو يرمز للحركة المتواصلة، والسباق الأزلي الغير منتهي نحو المعرفة الكبرى في الوجود، وبطريقة تراجيدية رمزية غاية بالتركيز والإثارة، لوحظ هذا الرمز كشعار للدولة النازية في ألمانيا في العالم الحديث.
رمز حمامة السلام ـ يعد هذا الرمز الحي من أهم الرموز الثابتة في العقلية الإنسانية، حيث ارتبطت صورة الحمامة البيضاء ألان بالسلام وأصبحت شعارا لكثير من الجهات الرسمية أو غير الرسمية الراعية للسلام في الوقت الحاضر توضع في لافتاتها وعناوينها، لكن ظهر ذلك الرمز في العراق القديم لأول مرة في قصة الطوفان السومري،ففي اليوم السابع للطوفان أطلق اوتونابشتم بطل الطوفان حمامة لاستطلاع المحيط فعادت تلك الحمامة تحمل بمنقارها غصن الزيتون، عند ذلك أدرك اوتونابشتم نوح ألقراني إن الماء قد أنحسر وان شاطئ السلام بات قريبا، وان رمز الإلهة نينمار ربة الخير والسلام في العراق القديم هو الحمامة.
رمز الصيدلة ـ كثيرا ما نرى علامة الكأس الذي تلتف حوله الأفعى لتضع سمها به، وهي مرسومة على الأدوية ورمزا وشعارا يستخدم في واجهات الصيدليات في كافة أنحاء العالم، لكن هل تعلم بأن تاريخ ذلك الرمز يعود إلى الفترات السومرية من حضارة وادي الرافدين، فقد عثر المنقبين الأجانب في مدينة لكش الأثرية على لوح يحمل ذلك الرمز ويرجع بزمنه إلى ألفين وثماني مئة عام قبل الميلاد، وهو يبين كأس في اللوح الفخاري وتلتف حول ذلك الكأس أفعى، وهي أشارة قديمة لذلك الرمز المتداول في وقتنا الحاضر.
رمز التعويذة ـ كثيرا من بيوتنا ألان وهي تعلق قرص التعويذة وهو ما يسمى ألان أم سبع عيون كرمزية لطرد الشر والحسد، وهذه الرمزية للتعويذة كثيرا ما نراها باللقى الأثرية المكتشفة من قبل البعثات التنقيبية، وقد وجدت أثناء قيامي بعمليات المسح الأثري في مدينة لكش الهباء على تعويذة من الفخار قرصية الشكل وتحوي ثقبين، أو ما يسمى بالعينين، ووجدت أخرى في موقع اوما جوخة لكن تلك تحوي ثلاث ثقوب، وقد عثر المنقبون في موقع شميت الأثري على تعويذة من سبعة ثقوب، وكانت تعلق في المعابد إيمانا منهم إن لديها قوة العين الرمزية الطاردة للأرواح الشريرة، واستمرت هذه التعويذة إلى يومنا الحاضر.
رمز الطاووس ـ ارتبط ألان رمز الطاووس بالديانة اليزيدية وأصبح هذا الحيوان رمزا لهم وحيوان مقدس يرمز لملاك مقدس لتلك الديانة المنتشرة في شمال العراق، مع العلم إن هذا الرمز هو رمز رافديني بحت، فقد كان في العراق القديم يرمزون لكل اله برمز أحد الحيوانات، وكان الطاووس يرمز للإله ديموزي اله الخصب والذكورة في العراق القديم، فأعطى العراقي القديم رمزية الذكورة والإخصاب والتباهي والغرور بعض الشيء للطاووس كرمز لأحد أهم إلهة العراق القديم ديموزي تموز .
رمز النسر ـ رسم على فخاريات عصر حسونة في سامراء، وظهر النسر من عصر جمدة نصر، واتخذ النسر رمزا للقوة في العراق القديم،إذ وجد منقوشا على إحدى الأواني التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد مع مجموعة من الحيوانات والأبطال مما يدل على انه مشهد أسطوري، وهو رمز للسيادة والهيمنة، فهو سيد الطيور وأقواها يحلق عاليا وينظر إلى الجميع تحته، وقد كان النسر يرمز للإله ننكرسو احد آلهة العراق القديم، أما ألان فالنسر أصبح رمزا وشعارا لكثير من الدول ومنها العراق ومصر، كذلك هو رمز لكثير من الأحزاب العالمية، والأندية الرياضية المشهورة.
باحث اثاري

AZP09

مشاركة