الرمز والتفاعلية الرمزية – عـلاء لازم العيـسى

1710

الرمز والتفاعلية الرمزية – عـلاء لازم العيـسى

يُعدّ  الرمز  كلمة ذات معان متعدّدة ، ومكوّن أساسي من مكوّنات العقل البشري ، استخدمه البشر في شتّى أنحاء العالم في التعبير وتبادل الاتّصالات فيما يتعلّق بالأمور التي تعني الكثير لهم ، منذ ما قبل التاريخ حتى يومنا هذا ، كما يستعمل في الحياة اليوميّة أيضًا ، وغالبًا ما تعني كلمة الرمز  كلّ ما يحلّ محلّ شيء آخر في الدلالة عليه ، لا بطريقة المطابقة التامة وإنّما بالإيحاء ، أو بوجود علاقة عرضيّة أو متعارف عليها ، وعادة يكون الرمز بهذا المعنى شيئًا ملموسًا يحلّ محل المجرّد   الرموز في الفن والأديان والحياة ، فيليب سيرنج ص6  .  ولهذا يُعدّ الرمز بُعد غنيّ جدًا من أبعاد المعنى ومفتاح رئيس لفهم عالمنا الإنساني ، وعن هذا المعنى كتب جوناثان كلر يقول :  ولكي نفهم عالمنا الاجتماعي والثقافي ، علينا أن نفكّر لا في الأشياء المستقلّة  بل في الأبنية الرمزيّة ، في أنظمة العلاقات التي تخلق عالمًا إنسانيًّا ، من خلال تمكينها للأشياء والأفعال أن يكون لها معنى  مطاردة العلامات ص55 .  إنّ الوعي الرمزي يختصّ به الإنسان دون سائر الكائنات الأخرى ، ويتجسّد هذا الوعي بخلق الرموز التي تلتقطها الحواس بوصفها أبوابًا للمعرفة ، ثمّ تقوم كلّ حاسة بنصيبها من الادراك الرمزي حسب طريقتها الخاصة ، وحين يفضي هذا الإدراك إلى أفكار وتصوّرات ، فإنّها تبقى غامضة ومبهمة ما لم تمسكها اللغة وتدخلها في عالم حيّ يزخر بالرموز الدالة .

كينونة رامزة

من هنا ذهبت الفيلسوفة الأميركيّة المعاصرة سوزان لانجر إلى أنّ  الإنسان كينونة رامزة لا تستقرّ من تجوالها إلّا في رحاب الميتافيزيقا وما وراء الحسّ الظاهر ، وهو وحده المخلوق الذي لا يكفّ عن صنع الرموز ، لأن من شأن الرمز أن يوسّع من دائرة معرفتنا ، ويمتدّ بنا إلى ما وراء مجال خبرتنا الواقعيّة أو دائرة تجربتنا الحاليّة . وفي التحليل النفسي الفرويدي ينظر إلى الرموز على أنّها تقوم مقام باعث ما تمّ كبته ، وبهذا المعنى يغلب أن يكون للرموز علاقة بما ترمز إليه أو تدلّ عليه ، وهي علاقة كثيرًا ما تكون استعاريّة.  ويلعب الفكر الرمزي دورًا نتفهّم اليوم أهمّيته في إنماء لغة الطفل ، فقد أكّد  بياجيه  على الفترة من 2 ـــ 7 من عمر الطفل ، حيث تنمو الوظيفة الرمزيّة الوظيفة المتكوّنة لتثير برمزيتها ، تمثيلًا شخصيًّا ، أو حدثًا غائبًا ، إذ أنّه في هذا المجموع الرمزي الواسع تتكامل اللغة ، ثمّ يُدرّب الطفل على عمليّات ملموسة قبل أن يصبح مؤهلًا للتفكير حول مفاهيم مجرّدة ، وتُضمن التطوّرات باستدعاء رمزيّات جديدة  الرموز في الفن والأديان والحياة ص42.

خلفية ميافيزيقية

ولا يمكن أن يُفهم الرمز إلّا في سياق عقيدته أو ثقافته أو خلفيّته الميافيزيقيّة والتربة التي نشأ فيها ، ولهذا تعدّدت التقسيمات الرمزيّة بتعدّد الموضوع الذي يكشف عنه المعنى الرمزي ، منها : الرموز الأسطوريّة ، والدينيّة ، والنفسيّة ، والتعبيريّة ، ورموز التراث .  هذا ويميّز العلماء بين الرموز كلّ بحسب طبيعته، فالرموز العلميّة تختلف في طبيعتها عن رموز الأدب ، من حيث كونها إشارات أو علامات ذات دلالة محدّدة ، متّفق عليها عُرفًا واصطلاحًا ، وهو ما نلاحظه في ميدان الفيزياء والكيمياء والرياضيّات ، التي تقوم فيها الحروف أو مجموعة من الحروف بوصفها إشارات تعبّر عن حقائق معيّنة  أو صيغ تفاعل تلك الحقائق مع بعضها ، وهي رموز لا يختلف فيها اثنان لكونها ذات دلالات عامّة . أمّا الأدب ـــ وبالنظر إلى خضوعه إلى سلطة الخيال ـــ فإنّه يتعامل مع اللغة بحريّة تامة ، فيشكّل من الألفاظ ما يشاء من الصور والعلاقات ، مسوقًا بتأثير الانفعال والعاطفة ، واندفاعات الفكر العميقة ، فيقيم بين الأشياء علاقات غريبة تمتم الغرابة ، إذ يجرّدها من طبيعتها المألوفة لتعيش في عالم ، خاص لا مثيل له في عُرف المدركات الحسيّة المعهودة ، ففي الأدب يمكن أن يكون الفم أعمى ، ويستطيع الضوء أن يُحدث صريرًا  الرمز في الشعر العربي المعاصر ، د. مسلم حسب حسين ص15 ـــ 16 . كما ميّز العلماء بين العلامة والرمز ، إذ أنّ المشار إليه بعلامة أبسط بكثير من الفكرة أو المعنى المشار إليه بالرمز ، ويضرب المثل على ذلك بالعلم الأحمر عندما يوضع في الطريق حيث يكون في مثل هذه الحالة علامة على وجود خطر ، بينما إذا رفعته دولة أو منظّمة فإنّه يدلّ على معاني إيديولوجيّة ويكون رمزًا لكلّ هذه المعاني والأفكار  وكان الخطاب الديني المسيحي أثناء المواعظ الكنسيّة لا يتعامل مع اللون الأحمر إلّا في سياق ارتباطه بصلب المسيح وآلامه ، إنّ الأحمر هو لون الدماء ، كما أنّ الدماء ـــ قبل كلّ شيء ـــ هي دماء المسيح .  وتمثّل  التفاعليّة الرمزيّة  في نطاق علم الاجتماع إطارًا نظريًّا يركّز على العلاقات القائمة بين الفاعلين أي الأفراد الإنسانيين ، معنى هذا أنّ التفاعليّة الرمزيّة تهتمّ بدراسة الوحدات الاجتماعيّة الصغرى الميكرو  أكثر من اهتمامها بتحليل الوحدات الكبرى  الماكرو  داخل البناء الاجتماعي ، وتعتمد التفسيرات التي تقدّمها بحوث التفاعليّة الرمزيّة عادة على التسجيل التفصيلي للحياة اليوميّة ، الذي يتم عن طريق الملاحظة بالمشاركة أو الملاحظة غير المشاركة .

وقد تمّ تطوير التفاعليّة الرمزيّة في جامعة شيكاغو في أوائل القرن العشرين ، بمشاركة أساسيّة من الفيلسوف البراجماتي المشهور جورج هربرت ميد ، فقد ذهب ميد سنة 1934  إلى أنّ الذات أو الأنا ، أو هويّتنا الشخصيّة ووعينا بأنفسنا ، ليس لها وجود مستقل عن علاقاتنا الاجتماعيّة بالآخرين ، فهي تتكوّن وتتغيّر باستمرار نتيجة أفعالنا تجاه الآخرين ، واستجاباتهم لأفعالنا ، وتوقّعاتنا لتلك الاستجابات  أي من خلال تفاعلنا الاجتماعي مع الآخرين  . ويقارن جورج ميد بين الاتّصال بين أفراد البشر والاتصال بين الكائنات غير الإنسانيّة ، ففي الاتصال بين الأحياء غير الإنسانيّة يستجيب الحيوان لأنماط السلوك أو الإيماءات الصادرة من فرد غيره عن طريق تحويره لإيماءاته الخاصة به ، أمّا ما يتميّز به الاتصال الإنساني فيتمثّل في أنّ الفرد من البشر لا يقتصر على مجرّد الاستجابة للإيماءة ، وإنّما يستجيب كذلك للعلاقة القائمة بين هذه الإيماءة وذلك الباعث أو الحادثة التي دفعت الطرف الآخر أو حفّزته إلى القيام بتلك الإيماءة، وهكذا تصير الإيماءة ذات طابع رمزي ، ومن ثمّ تصبح ذات معنى موسوعة النظريّة الثقافيّة ، إدجار وسيد جويك  ص192.

مشاركة