
الرمز الخالد – علي الشكري
يقيناً أن العراق ولود بالرجالات الذين سجلت آثارهم في صفحات تاريخ العراق والإنسانية ، كما باقي الأمم وربما كان سجل العراقيون الكبار أوسع ، بعضهم رسم اسمه في صفحات العلم ، وآخر في ارشيف الأدب ، وثالث في تاريخ الفن ، وآخر في العمل الإنساني ، وبالقطع ودون مغالاة في التقييم ، أن الرجل الأول بتاريخ العراق المعاصر الذي وحّد شعب ، وجمع شمل ، ومنع تمزق ، وحافظ على وحدة ، وأفشل تقسيم ، وتصدى للمشهد دون تمييز ، الكبير آية الله علي الحسيني السيستاني (دام ظله الشريف) نعم المرجعية الدينية ولودة للكبار ، لم يعقم رحمها في عصر أو عهد من العهود ، ما أن يرحل كبير إلا ويولد كبار ، أبوابها مشرعة لم تغلق إلا احتجاجاً على موقف أو اعتراضاً على قرار أو رفضاً لمستبد ، وتاريخ العراق مليء بهم . لقد حيرت الظاهرة السيستانية عقل كل لبيب ، ووقف المعتقد والمناصب متسائلا ، هل ولدت المرجعية الدينية مرجع أعلى أسبق ، بعلمه أفاض وبحكمته حافظ ومنع ، وباوبيته وحّد ، وبزهده اطعم ، وبوسطيته جمع ، وبفيض ذكاءه حيّر ، أم هو الأول بكل هذه المكرمات ؟ وهل أن وجوده في الزمان والمكان والظرف محض صدفة أم في وجوده حكمة وعظة وعبرة ؟ فهو الأول الذي تصدى للاحتلال وقبل أن تطأ أقدامه ارض العراق ، وهو من أوقف المحتل عاجزا في حركاته وسكناته وقراراته ، ولم يترك الأخير وسيلة للقاءه الا وطرقها ، والنتيجة رفض وصد ومنع ومقاطعة ، حتى خرج بيريمر وفي نفـــــسه شيء بل حقد على الكبير الذي افشل مخططاته .
وبعد زوال المستبد الذي فرق ومزق وميز وقتل وهجر وأعاق وحرق وأضاع ، دعا الكبير الزاهد القادم الجديد الى تعويض المظلوم وانصاف المقهور والأخذ بيد الشعب الذي قضى كل أيامه يكابد ظلامات الديكتاتور ، ولم يسبق المرجع الأعلى كبير أو صغير في الدعوة للتصدي للإرهاب والحد من الفساد ورعاية الله بالشعب المقهور ، ويقيناً كان الخطر الأكبر على الأمة مشاريع التقسيم الطائفي التي ما تمكنت من أمة الا وحولتها الى ماضٍ تستذكره الأجيال وكيانات قزمية متناحرة ، وهو ما أنبرى المحتل ورجالات الراحل العمل عليه وتوج المخطط باستهداف مراقد اشرف خلق الله واطهر الاجساد ، فراهن من خطط ودبر وهيأ ومول على أن هذا الاستهداف سيكون فيه مقتل الأمة وتمزيق الصف وذهاب ريح الوحدة ، بلحاظ أنه ليس اكبر من هذا الاستهداف لعقيدة الحافظ وليس اكثر قدسية من المراقد الشريفة التي نالها الاستهداف ، واذا بالموحد الحافظ يدعو الانصار والمتبعّين والمعتقدين والمقلدين الى ضبط النفس وتوقي الفتنة وتجنب الانجرار ، بعد أن استشاطت النفوس غضباً وغادرت العقول المنطق وتهيأت الاجساد والأرواح لحمل السلاح ذوداً عن المقدس ورداً للنفوس المريضة التي تجرأت ، لكن المرجع الأعلى (مد ظله) وكعادته يدعو النفوس المتأهبة التي استشاطت غضباً الى استيعاب الصدمة وتجاوز الأزمة واستعادة المبادرة بمواجهة الاستهداف بالحكمة ، فليس غريب على المقدسات الطاهرة هذا الاستهداف وهو ليس الأول ولن يكون الأخير ، واذا بالحكمة تؤد الفتنة وتذهب ريحها ويتحول الرد الى طاقة خلاقة لإعادة الحياة الى المقدس الذي حاصره الإرهاب وراحت الأفئدة تهوي الى العسكريين وتتحول الطريق الموحشة الى جسر ممتد أعيد له الحياة بعد أن قطّع الإرهاب أوصاله .
وليس لمنصف أن يدعي وقوف أحد غير المرجع الأعلى الى جانب الشعب متجرداً عن الهوى والميل والمصلحة ، وليس في وقوفه الأخير الأول ، فمنذ الأيام الأولى لزوال الديكتاتور دعا القادم الجديد الى رعاية الله بالشعب المظلوم واستذكار ظلامته كسبيل لتعويض ما فات وانصاف من ظلم ، مذكراً أياه أن ليس للظلم أن يدوم ، وأن عرش الظالم أوهن من بيت العنكبوت وإن التف حوله كل افاقوا الأرض ومصيره دون شك الزوال وإن أعّد وجمع وحصّن وأحاط ، فالقوي بعدله وقسطه وشعبه .
سيدي المفدى لقد جُمعت فيك الكرامات فكنت للشعب نصير ، وللمضطهد ملجأ ، وللفقير مدافعاً ، وللأمة حامياً وموحداً ، حتى راح المعتقد والمناصب ، من ابناء الداخل والخارج ، من الحكام والمحكومين يفكر ويتأمل ويستشرف مصير الأمة مد الله ” في عمر سيدنا المفدى ” ، لقد حبست الأنفاس وجفت الأقلام وتوقف التفكير والتأمل والتدبير ، حينما ذاع نبأ أصابة المفدى بوعكة صحية ، وهوت الأفئدة الى النجف مترقبةً ما سيعلن وما سينطق به المفوه ، وتنفس العالم الصعداء حينما راحت الأخبار تنقل نبأ انتهاء العملية الجراحية بنجاح ، نعم تنفس العالم الصعداء وليس في ذلك صيغة مبالغة وتماهي ، إذ راحت برقيات السؤال والتهاني المرسلة من رؤساء العالم تتوالى تترا ، وشخصت أنظار الانصار الى كربلاء الكفيل متطلعة الى ما ستعلن ، لقد كان يوم الانصار سيدي المفدى طويلاً ، ومضت الساعات شاقة ، وربما كان في الوعكة العابرة استفتاء وعبرة وعضة عند من شكك وراحت نفسه المريضة تصور له خلاف الواقع ، فقطع يوم الخميس العشرون من جمادي الأول الشك باليقين ، وثبتت الرؤيا وسقــــطت الحسابات المضللة مجدداً ، حمداً لله على سلامة سيدنا منة الله على العراق ، الكبير الذي رُســــم اسمه بأحرف من نور بتاريخ المرجعية الدينية العاليا والعالم الإسلامي والعراق ، وحفظه من كل مكروه وأدامه ذخراً وفخراً للأمة .















