أيها الولد
الرسالة السادسة والخمسون – مقالات – ناجي التكريتي
لا تنسى انك كائن طبيعي (بايولوجي) بقدر ما انت كائن اجتماعي، بل استطيع القول- بحسب وجهة نظري- ان كيانك الطبيعي له الأثر الأكبر في مسيرة حياتك الاجتماعية.حياتك الاجتماعية مصطنعة، وفق طبيعة المجتمع الذي تحيا بين ظهرانيه، في مكان معين وفي زمن محدد.وجودك الطبيعي معك دائماً، وهو يعمل وفق قوانين طبيعية دقيقة لا تستطيع لها مخالفة في الاحوال الصحية.
ما اردت قوله في هذا الشأن، وربما يمكنك ان تعد هذه الرسالة مكملة او ملحقة للرسالة السابقة.ايها الولد– ان جسمك يؤدي اعماله الحياتية، بطريقة ارادية احياناً، وبطريقة غير إرادية في احابين كثيرة اخرى.لست عالماً بيولجياً، لأضع امام انظارك كل حالة باحصاء دقيق، مع ان الاحصاء الدقيق لا يستطيعه حتى عالم البيولوجيا، مهما كان عمق تمرسه كبيراً في هذا الشأن.هناك اشياء تبقى مجهولة في صلب الكائن الانساني، هذا الذي حارت البرية فيه، والتي لا تستطيع اذكى العقول، ان تسبر كنه غوره.اعلم اذن– ان جسمك يؤدي عمله بدقة وانسجام، حين تتعود على اداء واجباتك اليومية في اوقات معينة، ترسمها بحذق، وتؤديها بانتظام.انت تأكل الطعام في ثلاثة اوقات معينة، بكامل ارادتك وتشعر ان آلات الجسم واجهزته تستجيب لك بكل يسر وانتظام.انت تمارس الرياضة البسيطة، ام رياضة المشي، ام انت تمارس السباحة، وكل هذه الافعال تؤديها وفق عمل ارادي، ربما تقرره مسبقاً.ايها الولد– تصور الاعمال اللاإرادية التي تؤديها اعضاء جسمك، فمنها ما هو ظاهر، وما اكثر التي لا تدركها الابصار.
هل تستطيع ايقاف رمش جفنيك، وهل لك القدرة على العمل لزيادة دقات قلبك او تقليلها، ناهيك عن ايقافه في ساعة تتمنى فيها الموت لاسباب محرجة.ايها الولد– في لحظة من لحظات حياتك تموت آلاف وربما ملايين من الخلايا، وتخلق بدلاً منها، وانت لا تشعر بالذي جرى وكان.هل تشعر بالصراع الذي يقوم بين الكريات البيض والحمر من جهة، وبين ما يهاجم الجسم من عوامل امراض فتاكة لا تخطر على البال.يحدثك شخص عبر اسلاك التلفون، او عبر اجواء الفضاء، فتدرك صوت الذي يخابر في الحال.هل سألت نفسك، كيف خزن عقلك هذه القدرة المعرفية من غير ان يكون لك فيها علم ولا ارادة.اعلم اذن انك عالم كبير- رغم صغر حجمك- معقد التركيب عميق الغور، وفيك انطوى العالم الاكبر، بكل ما فيه من خفايا واسرار.

















