رسائل إلى رجل حكيم
الرسالة السادسة والثمانون – مقالات – ناجي التكريتي
ايها الرجل الحكيم:
ولا بأس ان الحق رسالتي هذه، بالرسالة السابقة التي أوردتها يوم امس اليك.
اني في رياضتي اليومية، اصيل كل يوم، وانا اسير الهوينا في طرقات الحي الذي اقيم فيه، قد احيي من يلتقيني وارد تحية من يحييني، على انني قد اغفل عن معرفة هؤلاء الاناس الطيبيين من ابناء المحلة، او انني لا ادقق جيداً ولا ان اتفرس في الوجوه.
مشكلتي الازلية، انني اشاهد الحكيمين الجليلين افلاطون والفارابي يتحاوران جادين في امور المدينة الفاضلة.
لا ادري ما الذي يجعلني ابصرهما بوضوح واراهما رؤية العين، وكل واحد منهما يحاول ان يبرهن على انه قد اتى بالعجب العجاب.
مشكلتهما الازلية، ان نظريتهما لم تطبقا على ارض الواقع، ولم يكتب لهما النجاح عملياً على ارض الواقع.
السبب بحسب رأيي، ان لا احد من هذين الحكيمين الكبيرين قد نزل الى الشارع والتقى الناس، ودرس حاجاتهم العملية دراسة موثقة، كي يسجل على الورق اسباب العلل ثم يصف لها الدواء.
الحكيم افلاطون يمارس التدريس في داخل اكاديميته، وقد اقتصر تعليمه على تلاميذه، وفي ساعات المساء، يغلق عليه باب غرفته، ليدون ما يعن له من افكار، بحسب ما يجتهد ويرى.
الفارابي قد انزوى في داخل بستان من بساتين حلب، وهو يكتب كتاب آراء اهل المدينة الفاضلة التي في الحقيقة آراؤه هو نفسه.
الحكيم افلاطون نفسه، اراد ان يطبق نظريته على ارض الواقع، ليؤسس مدينة فاضلة، ولكنه فشل في مسعاه.
مع كل ذلك، ان مساعي الفيلسوفين لم تذهب هدراً، ولا تبعثرت مع مجرى الرياح.
لو تتبعنا المناهج التربوية المطبقة في مدارس العالم كافة، ونحن الان ندخل في سني القرن الحادي والعشرين، لوجدنا انها لا تبتعد عما قرره افلاطون، وانها تسير وفق ما رسمه الحكيم افلاطون في كتاب الجمهورية.
لو تتبعنا خطى اية دولة من دول العالم اجمع، نجد ان نظامها التعليمي يبدأ بقبول الاطفال في المدارس، حين يبلغون السادسة من العمر، وهذا هو عين ما اراده وخططه افلاطون من قبل.
الحكماء الذين كتبوا كتبهم في المدن الفاضلة، على مدى التاريخ، وعلى اختلاف مشاربهم ودياناتهم وتوجهاتهم، فان مصدرهم الاول الذي اعتمدوا عليه، هو كتاب جمهورية افلاطون.
الحكيمان افلاطون والفارابي قررا شروطاً معينة يجب توفرها بالذي يريد ان يكون ملكاً او حاكماً للمدينة الفاضلة.
الحكيم الفارابي يعد المؤسس الاول للفلسفة الاسلامية.
كل من جاء بعده كان عالة على كتبه، يفيد منها ويستعين بها على تعلم الفلسفة.
منهم من يعترف صراحة بفضل الفارابي مثل ابن سينا وابن رشد وابن طفيل ومنهم من يذكر حكمته في كتاباته اللاحقة.
كل الفلاسفة الاخلاقيين اللاحقين، قد تأثروا بكتابات الفارابي الاخلاقية، ولا سيما كتابه آراء اهل المدينة الفاضلة.


















