الرسالة الرابعة والثمانون – مقالات – ناجي التكريتي
ايها الرجل الحكيم:
هل لي ان اتدخل في شؤونك الخاصة،وارشدك الى الطريق القويم الذي لا يجعلك تؤثر غيرك على نفسك،فتندم بعد ذلك ندماً شديداً،ولكن بعد ان لا ينفع الندم.ان لنفسك عليك حقاً،ولا بد من احترامها والقيام بواجبها واداء ما عليك تجاهها من حقوق وواجبات.
اعلم ان طريق المجد واسع وطويل,وقد افنى الكثيرون في بدايات الطريق،وتساقط آخرون في مفازاته،وقل الذين استطاعوا ان يدركوا القمة،بعد كل ما بذلوه من جهد جهيد. عليك ان تأكل جيداً وتنام بهدوء واسترخاء وتؤدي واجبك الوظيفي بثقة واخلاص والتزام.ربما تكون مسؤولاً عن عائلة،تحتم عليك الاعراف الاجتماعية ان ترعاها وتكلأها،حتى توصلها الى شاطئ السلامة بأمن وفخر واعتزاز.مع كل ذلك،ليس من العدل ان تنسى حق نفسك عليك،او تضحي بها من اجل خير الاخرين.عليك بالموازنة باداء الواجب المفروض وفقاً للتقاليد الاجتماعية،من غير ان تضحي بنفسك او ان تهمل شأن الآخرين.
لا بد انني قد اخبرتك برسالة سابقة،ان الانسان اناني وهو يحب نفسه،ويطلب لها الخير،ولا يهمه ما يصيب الآخرين من نكد العيش في يوم مر لا يلتفت اليه احد ولا يهتم به احد.
انا ادرك مقدماً،انك تعلم ذلك علم اليقين،واني لست اكثر من مذكر،عسى ان تنفع الذكرى قلوب المؤمنين.. والغافلين ايضاً.
لا تكن مغفلاً اذن مثل بعض الناس،الذين ضحوا بانفسهم،من اجل خير الآخرين،واذا بأولئك الآخرين ما ان استغنوا حتى تنكروا بكل ما كان،بكل قحة وصلف وجحود.
ما هو رايك بشخص التحق بسلك التعليم في مطلع شبابه الاول،وكان بامكانه ان يتزوج ويؤسس عائلة في بدايات حياته العملية،فيحيا حياة دافئة مريحة،ملؤها المحبة والحنان.
هذا المعلم كان مسؤولاً عن عائلة،ضحى بنفسه الى ان يوصل افرادها الذين كانوا أصغر منه الى مراسي الامان،من غير ان يلتفت الى نفسه،فيؤسس مستقبلاً عملياً يركن اليه في الوقت المناسب.
لقد توظف الآخرون وتزوجوا قبله- وهذا من مفارقات الزمان- وبنوا بيوتاً،وما ان وجدوا ان حاجتهم قد انتفت اليه،حتى قذفوا به على قارعة الطريق،في ساعة ليل مظلم قمطرير،غير عابئين بما سوف يحدث له،او فيما اذا سوف تعبث به الاقدار.هذه هي الحياة،وخذ العبرة- ولا اقول الحكمة- من مجرب،لان الانسان غدار اذا ما قويت شوكته،في غالب الاحيان.
وهكذا اوصيك الا تقتدي باولئك الذين يتغابون عن حقوق انفسهم،من اجل خير الآخرين،واذا بهم يجدون انفسهم في آخر المطاف وحيدين،يعانون من الوحشة والبرد الزمهرير.
وهكذا اكرر القول عليك،ان تتمسك بحبل رؤى العقل لانه حبل متين،يستطيع ان يأخذك في الدرب الصواب،وينقذك من عثرات الزمان.
ثقتي بك كبيرة،وانا اعرف جيداً،انك ستكون عند حسن الظن دائماً،ما دامت معتدلاً مع نفسك،عادلاً مع الآخرين.


















