رسائل الى رجل حكيم
الرسالة الرابعة والتسعون إيه يا بغداد – مقالات – ناجي التكريتي
أن كل مدرك لمسيرة أحداث الأيام، اعتباراً من منتصف القرن العشرين حتى الآن، أن أمريكا صارت تطل على العالم من وراء بحر الظلمات، بوجه صلف حديدي السمات.السبب الذي يكمن وراء ذلك يا بغداد، أن أمريكا قد غدت قوة اقتصادية كبيرة، نتج عنها قوة عسكرية لا تضاهيها دولة أخرى في العالم.أن أمريكا هذه منذ أن قادت دول أوربا الأخرى، وتغلبت على ألمانيا، حتى صارت تخاطب الآخرين تيهاً، وتقابل الدول باستعلاء واستكبار.أمريكا هذه أرادت أن تظهر وحشيتها أمام الملأ، فأحرقت مدينتين كاملتين في اليابان، بأطفالها وشيوخها ونسائها، بالقنابل الذرية، من دون أن يردعها عرف أو يردعها دين أو قانون.صارت بعد ذلك تتعامل مع دول شرق آسيا معاملة السيد للعبيد، أو في الأقل، معاملة القوي للضعفاء.ما أن انتهت من تحطيم وإهانة اليابان، حتى عملت على فصل جزيرة تايوان عن دولة الصين الكبيرة بمساحتها الضخمة بإمكانياتها وعدد نفوسها.أمريكا بدلاً من أن تتعامل مع الوطن الأم، وأعني بها دولة الصين، وتؤسس روابط الصداقة مع شعب آسيوي عريق أصيل، راحت تبني القواعد العسكرية في هذه الجزيرة الصغيرة، وهي تهدد الصين، من دون حق ولا وجاهة.ما لبثت هذه أمريكا، أن أشعلتها حرباً طاحنة بين أبناء الشعب الكوري الواحد، حتى شطرت الدولة الى قسمين، وصارت هناك دولتان، كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، تتعاملان مع العالم كدولتين منفصلتين، لا علاقة لإحداهما بالأخرى الا الاسم والنسب.
أتعس من ذلك وأشد مرارة، أن أمريكا بثت دواعي الكره بين الدولتين الوليدتين، وقطعت أواصر القربى بين الشعبين، ومنعت حتى زيارة أفراد العوائل الى بعضهما، بعد أن وضعت بينهما سداً منيعاً.لم تكتف أمريكا بما صنعته في اليابان وكوريا وتايوان، بل اتجهت الى فيتنام لتعلنها على هذا الشعب الآسيوي المسالم الشجاع، حرباً شعواء، وخطتها أن تقسم شعب فيتنام الى دولتين متنازعتين كما فعلت مع كوريا.
لقد وقف الفيتناميون أمام أمريكا الباغية وقفة شجاعة صلبة، وقاوموها بكل بسالة وإقدام. فكسروها وحطموا معنوياتها، بعد حرب ضروس، فاضطروها أن تهرب، كسيرة مهيضة الجناح محطمة الأوصال، ترافقها معالم الذل والعار.وما أن ندخل في القرن الجديد، القرن الحادي والعشرين، حتى تحدث أمريكا نفسها أن تحتل بلداً آمناً وتسيطر عليه، بسبب غناه وموقعه في وسط العالم.أمريكا لها أطماع اقتصادية في هذه المنطقة من الكرة الأرضية، وعندها قوة عسكرية غاشمة. أما كان الأولى والأجدر بهذه الأمريكا أن تتعامل مع العراقيين بالحسنى، بدلاً من أن تتجه اليهم بكل هذه القوات العسكرية في البر والجو والبحر، وهدفها أن تقتل الناس، وأن تنشر الدمار في كل مكان.وكما أخبرتك في رسالة سابقة، فأن أمريكا تفتقد القيم لأنها تفتقر الى عروق حضارية وأساس صلب مكين، فتتصرف كالثور الهائج، دون وجاهة ولا وازع من ضمير.وهكذا تعيد أمريكا تجربتها الفيتنامية في العراق، حين علمها أحرار العراق درساً لن تنساه، وأعادوا اليها ذكريات فيتنام الأليمة، حين صار جنودها يتساقطون صرعى، على أيدي المجاهدين من أبناء العراق.


















