رسالة إلى رجل حكيم
الرسالة الثامنة والثمانون – مقالات – ناجي التكريتي
ايها الرجل الحكيم:
ولا بأس ان اذكرك بان تنظر في اعماق نفسك، وتستبطن مرتكزات عقلك، وتختبر قدراتك الذاتية بميزان عدل وموضوعية.
هل تتأمل حالتك جيداً وتسأل نفسك: هل انك تتعامل حقاً مع الحكمة بقدرة نافذة واستيعاب تام، او كما يقول الادباء: هل ادركتك حرفة الادب من دون ان تدري.
تراجع نفسك، من غير انحياز ولا تعصب، فتستعلم فيما اذا كنت قد استنفدت طاقتك، او انك ما تزال قادراً على العطاء.
امتحن نفسك غير متردد ولا هياب: هل قدمت حكمة جديدة او مقولة مستحدثة من بنات افكارك، تضيفها على ما اتى به السابقون؟
تنظر الى الصحائف المتراكمة امامك، التي هي من بنات افكارك، وتراجع النفس فيما اذا كنت قد انجزت كتابة كتاب، فيه اضافات جديدة، عما يشابهه من اسفار سابقة، وهل يتميز هذا الكتاب باضافات جديدة مما هو موجود عند الآخرين.ولا بد ان تسأل نفسك سؤالاً مهماً، هو هــــــل اضــــفت لبنة على هــــــرم الحضارة الانسانية، من خلال ما قدمت من كتابات ورصفت من اسفار؟
هذا هو في رأيي، ما اود ان تكون عليه، لان الحكيم الحق من انجز شيئاً ذا بال، ينظر اليه اللاحقون بعين الاعجاب والاكبار.
كن واثقاً من نفسك دائماً، لان الممارسة الطويلة والشغف بالعمل، والاقبال عليه برغبة واندفاع، كل هذه كفيلة ان تؤدي بك الى نتاج مميز، تفخر به على مدى تتابع الايام.
لا تنسى المقولة الحكيمة، التي تقول: لا يوجد شيء من لا شيء، وانه لا يولد الانسان حكيماً او نجاراً او شاعراً، بل ان ما يكونه هو التعامل مع الحكمة من حوار مستديم واخذ وعطاء.انك اذن تستنبط الحكمة من عقول الحكماء، ثم ما تلبث ان تبني قاربك الخاص بك، لتمخر به عباب البحر، وتدرك الشاطئ الامين ذات يوم. ليس من الصواب في شيء ان تتوجس خيفة، فيما اذا كان ما تقوله يرضي الآخرين، او انه بعيد عن رضا الآخرين.
اعلم ان رضا الجميع غاية لا تدرك، وحسبك ان تقتنع بما تقول، بعد ان ينضج في موقد عقلك، تحت نار هادئة، لتخرجه على الملأ بكل ثقة وايمان.
هل تستطيع ان تخبرني عن نظرية حكيم واحدة، نالت رضا الحكماء كلهم، ونالت اقبال الناس في كل مكان؟
كم من نظرية من جاء يظهر عيوبها وتهافتها، وكم من نظرية، من رد عليها حكيم آخر بنظرية معاكسة في الصميم.
كل الذي اوصيك به ان تجد وتجتهد، ثم لا تبالي ان تظهر اجتهادك وفق ما قد توصلت اليه، بعد طول تأمل واقتناع.
لا يخفى عليك ان كل حكيم هو ابن زمنه وابن محيطه، وحين يعبر عن رأيه بنظرية جديدة، فهو محدود بمنظار المكان والزمان.أملي فيك كبير، من حيث اني ارى فيك اهاب الحكيم الذي سوف يطل علينا بكل ما هو جديد وتليد.


















