رسائل الى رجل حكيم
الرسالة الثامنة والتسعون – مقالات – ناجي التكريتي
إيه يا بغداد
طوبى لك يا بغداد، كم تحملت الكثير، وكم مر عليك من أكدار وأحزان. أعداء يقبلون من خارج الحدود، فيجتازون الأسوار، ويشنون عليك عدواناً في أثر عدوان.الكوارث الطبيعية تلاحقك من حين لآخر، من فيضان نهر دجلة الى طوفان، وما يعقب ذلك من حدوث أمراض فتاكة، تقتل الآلاف من السكان، وتترك الآلاف الأخرى مشردة، أسيرة العوز والوهن والحرمان.أن ما يعزيني فيك، أنك تنهضين قوية متعافية بعد كل نكبة، وتقفين بعد كل عدوان صلبة، لتبني كيانك من جديد.لا غرابة في ذلك ولا عجب، فأنك تجترين كل الأحداث الطارئة، ثم ما تلبثين أن تتغلبي على كل المشكلات التي وقعت، لتقفي كالطود وقد أعدت البناء.ليس من السهل على أي مؤرخ حصيف، أن يلم بعدد الغزوات التي تعرضت لها من لدن الطامعين الأجانب، وكيف يعيثون فساداً في البلاد ما بين قتل وتدمير، وسلب ونهب وتحكم في رقاب العباد.لا يستطيع أي عالم في الرياضيات، أن يحصي مقدار الخسائر التي تتسبب من جراء الفيضانات التي تصيبك من حين لآخر، فتغرق الزرع وتهدم البيوت.أنك يا بغداد، تقفين بغداد الزاهية بعد كل نكبة تتعرضين لها من الغزاة الأجانب، إذ سرعان ما تبنين ما تهدم، وتعيدين أركان البناء.الأسباب كثيرة التي تجعلك تنهضين من جديد وكأن شيئاً لم يكن، ولا كان حصار أو دمار.عمق الحضارة الذي شيدت بناءك عليه أساسه مكين، ليس من السهل اختراقه، ولا هو قابل للانهيار.أنك حين ظهرت للوجود لم تخلقي من عدم، ولا أن العرب الذين قدموا الى هذه الديار، وجدوك خالية من السكان. كان هناك عراقيون ينتمون الى حضارات عريقة مبدعة، لها ما تفخر به من فنون وآداب.
في الجنوب القريب من أسوارك، كانت دولة الأكديين، والى جنوبها كانت مدينة بابل قائمة الأركان. في جنوب العراق تطل حضارة السومريين بما خلدوه من آثار. في أقصى الشمال ما يزال الآشوريون موجودين.كل ما أبدعته وخلفته حضارات وادي الرافدين قد انتهى اليك، فلا عجب أن كان أهابك ذا مهابة وجلال.الدراسات الإسلامية والتراث العربي كلها قد انتهت اليك. الرواة صاروا يسجلون الشعر، سواء ما قيل في الفترات السابقة على ظهور الإسلام أم ما كتب خلال فترتي الخلافة الراشدية والدولة الأموية.الدراسات القرآنية وأصحاب الحديث صرت لهم البيت العلمي الذي يزخر بالدراسات.العلماء والأدباء والشعراء، صاروا يقصدونك من الكوفة والبصرة ومكة والمدينة، من أجل ان يعرضوا بضاعتهم، وينالوا الجوائز من الخلفاء والوزراء.أرضك يا بغداد غنية بالماء، حيث تزدهر زراعة الحبوب، وتزهو جوانبك بالنخيل والأشجار.أهم ما موجود على أرضك هم الرجال. أن العراقيين يا بغداد، معروفون بالصلابة والعمق الفكري وقوة الشكيمة لا يصبرون على الضيم.لا عجب إذن يا بغداد، أنك بعد كل مصيبة تتعرضين لها، تفيقين منها قوية معافاة، لتتغلبي على كل ما تعرضت له من صعوبات ومشكلات.


















