الرسالة التاسعة والثمانون – مقالات – ناجي التكريتي

رسالة إلى رجل حكيم

الرسالة التاسعة والثمانون – مقالات – ناجي التكريتي

ايها الرجل الحكيم:

ارجو الا تستثقل عودتي لاستعين بك، عسى ان تجد الحل، لهذه القضية الشائكة المعقدة، والتي اراها سهلة امام العين، على انها صعبة التنفيذ في الممارسة والتجربة على كل ذي عقل رشيد.

وهكذا تراني حائراً حين أرى المسألة سهلة المعالجة، غير ان واقع الحالة يثبت انها مشكلة صعبة التنفيذ.

المشكلة تتعقد وتتشعب، بقدر ما نراها بسيطة سهلة امام العين، على انها عند التطبيق غير مأمونة الجوانب، وقد تكون لها عواقب وخيمة، على الذي يثيرها امام اولياء الامور.

في الازمنة الغابرة، كان الملوك يربون ولي العهد تربية خاصة، ويحضرون له العلماء والفقهاء والبلغاء، كي يكونوا له معلمين ومرشدين، ليعدوه اعداداً حسناً لمستقبل الايام.

عصورنا الحاضرة تطبق الانتخابات، حين يقبل كل شخص الى الساحة، ليرشح نفسه، من اجل ان يكون سلطاناً على البلاد.

السلطان الجديد قد لا يكون معداً اعداداً حسناً لتولي منصب السلطنة، ولا هو يفقه من امور السياسية شيئاً.

وهكذا فان الحكماء بعامة يبتعدون عن دائرته ويتحاشون قربه، لانهم يرون انهم أعلى شأناً من هذا الذي اعتلى كرسي السلطنة في غفلة من الزمن.

ان هذا السلطان، في الغالب لا يستعين بالحكماء من اجل ان يرشدوه الى سواء السبيل، فيقود دفة الحكم قيادة جديدة، ويعمل من اجل اسعاد الشعب، بل هو يقرب المنافقين والمتزلفين وربما يحيط نفسه بانصاف المثقفين ليجعل منهم سمّاراً ينشدون له الاشعار ويروون له القصص والاساطير.

الادهى من ذلك والامر، ان هذا السلطان قد يقرب اقرباءه أو ابناء عشيرته، بغض النظر عن ثقافتهم وسعة معارفهم بامور السياسة وادارة الدول.

ربما يتخذ من ولده سكرتيراً واميناً ومستشاراً، وقد يطمح ان يوليه من بعده تولي كرسي السلطنة، والشعب يسمع ويرى، ولا حول له ولا قوة، بعد ان وقع الفأس بالرأس في غفلة من الزمن.

انظر معي الى خارطة العالم، تشاهد وقائع هذا الحديث الذي احدثك به، جلياً على الارض بكل بساطة، ولا سيما في الدول المتخلفة، التي لم تشب بعد عن الطوق.

اني مع ذلك لا اعفي الحكماء، الذين ينزوون في دوائرهم المغلقة، ويوصدون ابواب مكتباتهم عليهم، من دون ان يسعوا على ابداء مشورتهم في الاقل، او ان يكونوا شجعاناً، فيضربوا على يد الحاكم الظالم بالقول- ان لم يستطيعوا الفعل- ليرشدوه الى الدرب الصواب، عسى ان يرعوي او يرتد عن غيه ويخفف من غلوائه.

واكرر عليك القول، انها مشكلة الحكم الازلية بين الحاكم والحكيم، وانها اكثر من ذلك واخطر شأناً، مشكلة النظرية والتطبيق.

الحكيم يرسم الدرب لا حباً امام الحاكم ليسير عليه من اجل اسعاد شعبه، غير ان الحاكم، في الغالب، يعمل على تحقيق مصلحته الشخصية، وكل ما يهمه من السلطنة، اظهار العظمة وجني الثمار.