رسائل إلى رجل حكيم
الرسالة التاسعة والتسعون – مقالات – ناجي التكريتي
إيه يا بغداد
وهكذا يا بغداد تتقلب بك الدنيا من حال الى حال. نشأت قوية ناهضة، فكنت حاضرة بني العباس وعاصمة الخلافة ومدينة المدن وأم الدنيا، ومركز الحضارة الإنسانية على مدى عدة قرون من السنين.ما أن غزاك المغول حتى حولوك الى مدينة تابعة بعد أن كنت متبوعة من لدن العالم القديم دون منازع.حين حكمك الأتراك ما يقرب من أربعة قرون، تحولت الى ولاية لها أهميتها الخاصة عند العثمانيين، كونك حملت راية الإسلام والثقافة، في عدة عهود من الزمان.حين أقبل الإنكليز في بداية القرن العشرين، غادرين معتدين، ثار أبناؤك ضدهم وعلموهم درسأً لن ينسوه، وأجداث جنودهم ما تزال مقبورة في عرض أرض الرافدين.أقام العراقيون حكمهم الوطني، وصاروا يديرون أمـــــور البلاد بأنفسهم. أنه تحول كبير، من عهود العبودية التي استمرت سبعة قرون.وهكذا تواصل العراقيون، يبنون وطنهم الجديد، على مدى ثمانين عاماً، حين ابتدأوا بتشييد المدارس الابتدائية، الى ان انتهوا بتأسيس الجــــــــامعات. حتى انتهى الحال الــــــى بـــــــناء دولة متــــــكاملة الأركان.لم يطــــــــب هذا التقدم العلمي، لدولة الروم الجـــــديدة، في أن تراك صرحاً مميزاً للثقافة، ومركزاً كبيراً للآداب والعلوم.لم تهدأ دولة الــــــروم ولا أرتاحت حتى جيشت الجيوش، وأقبــــــلت اليك من وراء بحر الظلمات، لتــــــقطع آلاف الأميال، مـــــن أجل كسر شـــــوكتك وردك الى عصور التخلف والانحطـــــاط.
لقد قضى هؤلاء الروم- يا بغداد- على بناء الدولة بالكامل. بعد أن هجموا بنايات الوزارات والمؤسسات بالقنابل المحرقة والصواريخ الفتاكة، حلوا أجهزة الدولة وألغوا الوزارات، وساعدوا على حرق ونهب الممتلكات.
وأنا أسطر هذه الكلمات على القرطاس في عام 2013، فهذا يعني أنك ما زلت تئنين وتعانين مما أصابك من جراء ضربة عنيفة، كسرت عمودك الفقري، وما زلت مهيضة الجناح.أن تحطيمك يا بغداد بهذه الطريقة الوحشية على أيدي الروم الأعداء، قد أثر على مدن العراق كافة.عشر سنوات مرت، ومدن العراق ما تزال تعاني من سوء الخدمات، بعد أن خرب المجرمون محطات الكهرباء وإسالة الماء، وهدموا ما استطاعوا من مصانع وبنايات.لقد بثوا روح التفرقة بين أبناء الشعب الواحد وزرعوا بذور الكره بين الطوائف، وحرضوا الناس على التشاحن والاقتتال.أن سقوطك يا بغداد على أيدي الصليبيين الجدد، ويعز عليّ أن ارسم كلمة (سقوط) على الورق، أقول أن ما أصابك من انهيار على أيدي الروم، قد عمّ صداه على بلاد العرب والمسلمين.منذ عام 2003 حتى الآن، لم يرتح بلد واحد من بلـــــدان المنطقة ولا استقر على حال.دولة الروم الجديدة كانت تتدخل مـــــن وراء ستار، أما بعد ان فعلت أفعالها الشائنة معك عدة مـــــرات، صــــارت تعسكر جنودها في كل البلدان العــــــربية والإسلامية، بدءاً من ساحل الخليج العربي وأرض باكستان، مروراً باليمن وجـــيبوتي، وتوجهاً الــــى ليبيا ومالي وبلاد الشنقيط.


















