الربيع العربي في موجة جديدة – فاضل البدراني

633

الربيع العربي في موجة جديدة – فاضل البدراني

 

 

الأسباب التي تجعل البلدان العربية تخوض النسخة الثانية من ربيع شعبي وسط تحديات كبيرة في مجملها اقتصادية وسياسية واجتماعية وحتى أمنية تجعلنا نبحث في الحيثيات التي يمكن من خلالها كشف العلة الحقيقية ومتابعة المسار الى أين يتجه بالأوضاع على الأقل في البلدان المضطربة وطرح النقاط العلاجية بحثا عن الاستقرار.

وإذا كانت المرحلة الأولى من الربيع العربي 2010 شوهت صورتها كونها أنتجت خرابا ودمارا في بنية الدولة ماعدا تجربة تونس بعدها أنموذجا للربيع الشعبي الباحث عن النهج الديمقراطي عقب إشعال الشاب محمد البوعزيزي النيران في جسده تذمرا من فقر ويأس من الحياة التي يعيشها مفضلا الموت دون الصبر على المعاناة، إنما تعكس بأنها على قدر من الوعي في تحمل المسؤولية وحماية البلد من الانزلاق.

وبالعودة الى الأسباب التي تقف وراء تكيف البيئة الاجتماعية السياسية مع طبيعة ظهور الربيع العربي، ذلك يعتبر واحدا من الأسباب الجوهرية الباحثة عن البدائل المؤدية للاستقرار في حياة الشعب ،تلك هي من الأمور التي تحتاج التشخيص وتتلخص في عاملين، يتجسد العامل الأول بأنه خارجي، بتدخل الدول الكبرى وجعل بلدان الربيع العربي ساحة صراع تملأ مجالها بلدان أقليمية مؤثرة تمارس صراعات داخلية بديلة،تقوم بتسيير أمور الحياة في رسم سياسة نظام الحكم إن كان مع الشعب أو مع الخارج وبنظام اقتصادي يشكل سوقا استهلاكية للخارج فضلا عن انه يستهلك كل قدرات وخيرات البلد ليجعله فقيرا حتما والعمل على إحداث اختلالات اجتماعية تخدم ثقافاتها وأيديولوجياتها .

وأما العامل الثاني فهو داخلي، يتمثل بأزمة الوعي الثقافي والسياسي المتجذر والتابعية للأطراف الخارجية بشكل أحزاب وحركات ومكونات اجتماعية،ومنه أيضا نقطة الخلاف بين الشعب ونظام الحكم وانعدام الثقة والفقر والجوع وغياب فرص العمل وانعدام برامج التنمية تماما، الأمر الذي يجعلهم يبحثون عن أوطان وهويات جديدة.

وفي قراءة للربط بين العاملين الداخلي والخارجي، تبرز نقطة التلاقي بينهما في إنتاج هويات ثانوية متعددة يمكن أن تشكل أساس الخلافات المتعددة المعقدة جراء تفكيك بنيان الدولة وخلق الدولة العميقة على حساب هيبة الدولة الحقيقية، وهذه من تعتبر من الأهداف الإستراتيجية التي تعتمدها الدول الخارجية، مع ظهور خلافات أزمة الهوية الوطنية، وفقدان برنامج تنموي يستوعب حاجات المجتمع لتنمية الاستقرار في طبيعة العلاقة بين السلطة والشعب.

وتاريخيا فإن العرب دوما يشكلون نقطة مجال لأطراف خارجية تتدخل بشؤون بلدانهم بينما لا يبرز منهم سوى ردود فعل غير منتجة وفاقدة للحماية وسبل الدفاع لأنها ببساطة لا تملك مشروعا استراتيجيا ناضجا.

وفي أي بلد فأن فلسفة نظام الحكم أو الحزب هي في الواقع تعكس الموقف من التنمية الشاملة، وبالمقابل فان الفلسفة التنموية التنظيرية هذه تذهب باتجاه مخالف للواقع عمليا، فتغييب برامج الاستقرار المجتمعي من رفاهية وفرص العمل والتوظيف والخدمات الأساسية وتعزيز مفهوم الهوية الوطنية وإبعادها عن موضوع القلق أو الخوف عليها، والتمسك بها.

وبخلاف بعض بلدان المنطقة العربية سواء التي تمتلك أنظمة حكم ناضجة من حيث كونها منتجة ومصدرة وتملك عوامل الاستقرار الدستوري في دساتير حكم مستوعبة لآمال المجتمع وتطلعاته ،وتتميز بالتنمية الاقتصادية والاستقرار المجتمعي من رفاهية وسبل عيش ايجابية وتنتهج سياسة الحياد في التعامل مع مكونات المجتمع ومع الدول الخارجية.

ومن هذا المنطلق والتشخيص فانه ينبغي من الدول التي تواجه صفحات الحراك الشعبي الذي نسميه بالربيع فأنه لا بد من وضع برامج جديدة لصناعة واقع حياتي بقدر ما تتميز به من وجود الدساتير الناضجة التي تتلاءم مع طبيعة الواقع وتشخص الإرهاصات، فإنها تحمل مشروعا سياسيا حضاريا يحترم خصوصية جميع المكونات الداخلية ،وتجعل العـــلاقة مع الشعب تشكل نقطة الانطلاقة الفـــــعلية في التــــعامل مع القوى الدولية الكبرى والأقليمية بهدف الحفاظ على الاستقلال والسيادة والوصول لقناعة أن الشعب هو أساس السلطات ومصدرها.

 

 

مشاركة