الرئيس موخيكا يعيد النظر بمعايير القيادة – عصام البرّام

حين تصبح السلطة فعلاً أخلاقياً لا غنيمة سياسية

الرئيس موخيكا يعيد النظر بمعايير القيادة – عصام البرّام

في زمن تتكاثر فيه صور الحاكم المتعالي، المتشبث بالسلطة، المنفصل عن واقع شعبه، تبرز شخصية الرئيس الأوروغواني خوسيه (بيبي) موخيكا بوصفها استثناءً أخلاقيا وسياسيا نادرا، لا لأنه امتلك كاريزما خطابية صاخبة أو قوة عسكرية، بل لأنه قدّم نموذجا مختلفا لمعنى السلطة نفسها. لقد تحوّل موخيكا، الذي لُقّب بـ (الرئيس الفقير)، إلى رمز عالمي للإنسان المعتدل، غير الدكتاتور، وغير السارق لبلده وشعبه، في عالم باتت فيه السلطة مرادفا للثراء الفاحش والقمع والفساد.

لم يكن موخيكا سياسيا تقليديا جاء من أروقة النخب المغلقة، بل ابن تجربة إنسانية قاسية ومعقدة. عاش سنوات طويلة من النضال، والسجن، والعزلة، وتعرّض لأقسى أشكال القمع في بلده خلال فترات الحكم العسكري. هذه التجربة لم تحوّله إلى حاكم انتقامي أو متعطش للسلطة، بل صقلت لديه وعيا عميقا بقيمة الحرية، وبحدود القوة، وبأن الإنسان يمكن أن يربح الكثير حين يتخفف من وهم الامتلاك والسيطرة.

حين وصل موخيكا إلى رئاسة الأوروغواي، لم يتعامل مع المنصب بوصفه امتيازا، بل مسؤولية أخلاقية. رفض الإقامة في القصر الرئاسي، وفضّل أن يعيش في منزله الريفي المتواضع، ويقود سيارته القديمة، ويتبرع بمعظم راتبه الرئاسي لمشاريع اجتماعية. لم يكن هذا السلوك استعراضا إعلاميا، بل امتدادا طبيعيا لقناعة راسخة لديه بأن الحاكم الذي ينفصل عن حياة الناس اليومية يفقد تلقائيا قدرته على فهمهم وخدمتهم.في عالمنا اليوم، حيث يقاس (نجاح) القادة بعدد القصور التي يملكونها، والحسابات البنكية التي يكدسونها، والتحالفات العسكرية التي يبرمونها، يبدو نموذج موخيكا صادما ومربكا. فهو لم يقد بلاده عبر التخويف أو عسكرة المجتمع، ولم يحتج إلى صناعة عدو دائم ليبرر بقاءه في السلطة. بل على العكس، آمن بأن الاستقرار الحقيقي ينبع من العدالة الاجتماعية، ومن بناء الثقة بين الدولة والمواطن، لا من القمع ولا من تكميم الأفواه.لم يكن موخيكا معصوما من الخطأ، ولم تكن تجربته مثالية أو خالية من التحديات، لكنه قدّم نموذجا نادرا لرئيس لا يرى في الشعب وسيلة للبقاء في الحكم، بل غاية للحكم نفسه. لقد حكم بلاده وهو يدرك أن السلطة مؤقتة، وأن ما يبقى في النهاية هو الأثر الأخلاقي والإنساني، لا عدد السنوات في الكرسي. لذلك غادر الحكم بهدوء، دون أن يورّث السلطة، أو يغيّر الدستور، أو يزرع الألغام السياسية لمن يأتي بعده.

إن لقب (الرئيس الفقير) الذي أُطلق على موخيكا لا يعكس فقرا ماديا بقدر ما يعكس غنى أخلاقيا نادرا. ففي زمن تُنهب فيه ثروات الدول باسم الوطنية، ويُدفع فيه الشباب إلى الهجرة، وتُترك الشعوب في الجوع واليأس، اختار موخيكا أن يكون رئيسا يعيش مثل مواطنيه، لا فوقهم. لم تتراكم الثروات في عهده، ولم تُستنزف البلاد في مغامرات عسكرية أو صراعات عبثية، بل ساد منطق الدولة التي تسعى إلى تحسين حياة الناس، لا استعراض القوة عليهم.

وإذا قارنّا هذا النموذج بما تشهده كثير من الدول اليوم، نرى الفارق الأخلاقي الهائل. رؤساء وحكام يتحدثون باسم الوطنية، بينما يهرّبون الأموال، ويتركون بلدانهم غارقة في الديون، والحروب، والانقسامات، ويحوّلون السلطة إلى وسيلة للإثراء الشخصي أو العائلي. في مقابل ذلك، يقدّم موخيكا صورة الرئيس الوطني الحقيقي، الذي يفهم الوطنية بوصفها التزاما بخدمة الإنسان، لا شعارا يُرفع لتبرير الفشل أو القمع.

ازمات البشر

لقد كان موخيكا ناقدا شرسا للنزعة الاستهلاكية التي تحكم العالم المعاصر، وكان يرى أن كثيراً من أزمات البشر ناتجة عن الجشع، لا عن نقص الموارد. هذا الوعي لم يكن خطابا فلسفيا مجردا، بل ممارسة سياسية انعكست في سياساته الاجتماعية، وفي طريقته البسيطة في العيش. كان يؤمن بأن الدولة لا يمكن أن تطلب من الناس التقشف بينما يعيش حكامها في ترف فاحش، وأن العدالة تبدأ من القمة.

ما يجعل تجربة موخيكا ملهمة ليس فقط سياساته، بل لغته الصادقة، غير المتعالية. كان يتحدث كبشر يخاطب بشرا، لا كزعيم يعتلي منصة. لم يُقسّم شعبه إلى خونة وموالين، ولم يُشيطن معارضيه، بل اعتبر الاختلاف جزءا طبيعيا من الحياة السياسية. وهذا بحد ذاته درس عميق في زمن تحوّلت فيه السياسة إلى ساحة كراهية وتخوين.

إن الحديث عن خوسيه موخيكا اليوم ليس مجرد استعادة لسيرة رئيس سابق، بل هو تذكير بأن السياسة يمكن أن تكون أخلاقية، وأن السلطة لا يجب أن تعني الفساد، وأن الوطنية لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بمدى حماية كرامة الإنسان. فموخيكا لم يترك بلدا غارقا في الحروب، ولا شعبا هاربا عبر البحار، بل ترك تجربة تقول إن الحكم يمكن أن يكون خدمة، لا غنيمة.في عالم عربي وعالمي مثقل بخيبات الأمل، تبدو سيرة موخيكا كمرآة مؤلمة، لكنها ضرورية. مرآة تطرح سؤالا بسيطا وعميقا في آن واحد: هل المشكلة في شعوبنا، أم في نماذج الحكم التي فُرضت علينا؟ لقد أثبت (الرئيس الفقير) أن الفقر الحقيقي ليس قلة المال، بل غياب الضمير، وأن أغنى الرؤساء هم أولئك الذين يخرجون من السلطة وأيديهم نظيفة، وبلدانهم أقل وجعا، وشعوبهم أكثر أملا.

ويمكن إضافة بُعد آخر لتجربة خوسيه موخيكا يجعلها أكثر راهنية اليوم، وهو قدرته على الفصل بين الزهد الشخصي والشعبوية الزائفة. فموخيكا لم يستخدم بساطته لاستدرار العاطفة أو لتلميع صورته، ولم يحوّل فقره الشخصي إلى أداة دعائية، بل ظل حريصا على التأكيد أن جوهر التجربة ليس في نمط العيش بحد ذاته، وإنما في معنى السلطة وحدودها. كان يقول بوضوح إن المشكلة ليست في المال، بل في أن يتحول المال إلى هدف للحكم، وأن يُختزل الإنسان في كونه وسيلة للربح أو البقاء السياسي.

اتخاذ قرار

كما أن تجربة موخيكا تكشف أن الاعتدال لا يعني الضعف، وأن التواضع لا يتناقض مع الحزم في اتخاذ القرار. فقد استطاع أن يقود بلاده ضمن مؤسسات ديمقراطية مستقرة، وأن يمرر إصلاحات اجتماعية واقتصادية دون اللجوء إلى القمع أو التخويف. وهذا ما ينسف الفكرة السائدة لدى كثير من الحكام بأن الاستبداد شرط للاستقرار، وأن القسوة ضرورة للحكم.

إن استحضار موخيكا اليوم ليس نوعا من الحنين الرومانسي، بل دعوة لإعادة التفكير في معايير القيادة السياسية. ففي عالم تزداد فيه الفجوة بين الحاكم والمحكوم، يذكّرنا هذا الرجل بأن أبسط أشكال النزاهة قد تكون أكثر ثورية من أعنف الخطب، وأن أخطر ما يهدد الأوطان ليس الفقر وحده، بل حكام لا يشبهون شعوبهم، ولا يشعرون بآلامهم، ولا يرون في الوطن سوى مورد يُستنزف لا أمانة تُصان.