الرئيس عارف يقرّر العودة إلى بغداد رغم المخاطر

471

أنباء عن إنقلاب في العراق أثناء القمة العربية

الرئيس عارف يقرّر العودة إلى بغداد رغم المخاطر

محسن حسين

أتاح لي عملي الصحفي في وكالة الأنباء العراقية ومن ثم مجلة ألف باء أن أحضر معظم مؤتمرات القمة العربية ابتداء من المؤتمر الأول في كانون الثاني عام 1964 وأستطيع الآن أن أقول إن ما حدث في مؤتمر القمة العربية الثالث عام 1965 هو من أغرب الأحداث وأعجبها بالنسبة لي وللوفد العراقي وللقمم العربية أيضا!!

ففي ذلك المؤتمر الذي انعقد في مدينة الدار البيضاء في المغرب في مثل هذا الشهر عام 1965 وحضره من العراق الرئيس عبد السلام عارف وصلتنا أخبار تفيد أن انقلابا قد حدث في العراق وأن مصر وراء الانقلاب وأن الذي دبر الانقلاب هو رئيس الوزراء عارف عبد الرزاق الذي يحتل عدة مناصب مهمة أخرى هي وزير الدفاع وقائد القوة الجوية وهو الذي كان ينوب عن رئيس الجمهورية في فترة غيابه ولذلك فإن مما يثير الدهشة أن الانقلاب فشل في ساعاته الأولى وان رئيس الوزراء قد فر إلى القاهرة.

 الرئيس يتلقى خبر الانقلاب

تلقى الرئيس عارف الخبر من أحد الصحفيين المصريين مساء يوم 15 أيلول قبل يوم من اختتام القمة. وقيل أن الرئيس جمال عبد الناصر هو الذي اخبره بمحاولة الانقلاب الفاشلة، وعلى أية حال فانه أمضى ليلة عصيبة في فندق المنصور المخصص لإقامة الملوك والرؤساء العرب.

 وفي صباح اليوم التالي زاره عدد من الرؤساء بينهم عبد الناصر الذي طمأنه بان الحالة قد استقرت في بغداد بعد فشل الحركة الانقلابية ورغم ذلك فان بعض التقارير الإخبارية كان يشير إلى غموض في الموقف، ويلمح إلى أن لمصر علاقة بما حدث لأن القائمين بالحركة محسوبون عليها، وزاد في هذه الشكوك أن المصريين وحدهم كانوا مصدر الأخبار التي تصل إلى عبد السلام عارف.

وكان أمين هويدي سفير الجمهورية العربية المتحدة في بغداد والذي تولى فيما بعد رئاسة جهاز المخابرات ووزارة الحربية على اتصال مستمر بالرئيس عبد الناصر حول الموضوع ولم تكن هناك أية معلومات مباشرة من بغداد ولكن بعد 24 ساعة من الأنباء المتضاربة وصل الدار البيضاء مبعوث من بغداد هو الدكتور عبد اللطيف البدري وزير الصحة ليشرح للرئيس عبد السلام ما حدث ويطمئنه على الوضع في بغداد.

 الرئيس يقرر العودة قبل اختتام القمة

وقرر الرئيس عبد السلام عارف عدم حضور الجلسة الختامية للقمة والعودة إلى بغداد مهما كانت النتائج وتم تبليغ جميع أعضاء الوفد بقرار العودة. ووجدت نفسي حائرا فأنا جئت إلى المؤتمر قبل أسبوع من وصول الوفد الرسمي لتغطية أخبار مؤتمر وزراء الخارجية الذي مهد للقمة ولدي بطاقة عودة إلى بغداد عن طريق باريس. وبدافع الفضول الصحفي والرغبة في الاطمئنان على الأهل قررت العودة مع الرئيس على الطائرة العراقية الخاصة إلى بغداد.

 في الطريق الى بغداد

وهكذا أقلعت بنا الطائرة الخاصة مساء ذلك اليوم وعلى متنها عبد السلام عارف وعبد الرحمن البزاز نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وجميع أعضاء الوفد والصحفيون. مررنا في الليل بالجزائر ثم توقفت الطائرة في طرابلس (ليبيا)،

وهناك حدثت مشادة كلامية بين عارف والبزاز، فقد طلب منه أن ينزل مع أعضاء الوفد إلى المطار حيث كان في الانتظار أحد الوزراء الليبيين (في عهد الملك إدريس السنوسي) لكن البزاز رفض قائلا إنه في حكم المستقيل لأن الحكومة تعد مستقيلة بعد الحركة الانقلابية بعد اعتقال رئيسها أو فراره .

أما عبد السلام فانه لا يريد النزول لأنه كان مستاء من الاستقبال الذي تم له في طريقه من بغداد إلى المغرب إذ وجد في استقباله موظفا صغيرا من القصر الملكي أو من الخارجية وليس الملك أو ولي العهد. وبعد المناقشة نزل الجميع.

وصلنا القاهرة صباح اليوم التالي. كان في الاستقبال الرسمي المشير عبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهورية وعدد كبير من المسؤولين المصريين.

وعندما نزل عبد السلام عارف من الطائرة سأل المشير عامر عن السلام الجمهوري، وعلمت فيما بعد سر هذا السؤال إذ كان مستاء من الاستقبال الذي جرى له عند مروره بالقاهرة في طريقه إلى المغرب فقد عزف (السلام الجمهوري)  الذي كان في عهد عبد الكريم قاسم ، وأن السؤال عن السلام الجمهوري يقصد به هل تم تصحيح الخطأ.

ويبدو أنه قد صحح بالفعل.

طائرتان لقصف طائرة الرئيس

في القاهرة وبعد الاستقبال الرسمي جلس المشير عبد الحكيم عامر مع عبد السلام عارف في إحدى قاعات المطار يتحدثان على انفراد فترة من الوقت، وفي هذه الأثناء جاء أحد موظفي السفارة العراقية وأظن أنه كان الملحق العسكري وطلب مقابلة رئيس الجمهورية بصورة عاجلة.

وقد فهمنا أنه يحمل أخبارا سيئة مفادها أن طيارين عراقيين فد أخذا طائرتين حربيتين وتوجها بهما إلى مصر ليضربا طائرة رئيس الجمهورية وهو في الجو للتخلص منه.

وقد ذهلنا للمفاجأة بعد أن كنا قد تصورنا أن الأمور مستقرة.

ويعد دقائق طلبني عبد السلام عارف، وكان يجلس إلى جانبه المشير عامر، قال لي (ابعث خبرا إلى بغداد بأننا سنبقى هذا اليوم في القاهرة وسنعود إلى بغداد يوم غد واطلب منهم إذاعة الخبر عدة مرات من الإذاعة.)

وأرسلت الخبر على الفور إلى (واع) عن طريق مراسلنا في القاهرة وكان موجودا بين المستقبلين وكانت أسرع طريقة هي إرسال الخبر عن طريق وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية وتم ذلك بالفعل وأذيع الخبر في أول نشرة أخبارية.

 وزادت الظنون والشكوك!!

وهكذا توجه الموكب الرسمي من المطار إلى قصر القبة وسط القاهرة، لكننا لاحظنا ونحن في منتصف الطريق أن السيارة التي تقل عبد السلام عارف والمشير عامر فد انحرفت عن الطريق المؤدي إلى قصر القبة وذهبت في طريق آخر ومعها ذهبت أفكارنا إلى أمور أخرى. لقد كانت كل الاحتمالات ممكنة ومنها أننا سنعتقل أو سيجري تسفيرنا إلى بلد آخر وكان شكنا يتزايد ساعة بعد أخرى أن لمصر علاقة بالأحداث التي جرت في بغداد وأن مصيرنا الآن مرتبط بتلك الأحداث!!

ووصلنا قصر القبة غير أن حقائبنا لم تصل لأنها بقيت في الطائرة الجاثمة في المطار، وزادت الشكوك والظنون!!

وفي القصر وزعوا علينا الغرف للإقامة فيها. وصعدنا كل إلى غرفته للاستراحة.

لكن لم يمض أكثر من ربع ساعة حتى جاء موظفو الرئاسة المصرية يقرعون الأبواب طالبين منا النزول لتناول الغذاء مع الرئيس والمشير.

ونزلنا بالفعل لكننا لم نجدهما هناك، وزادت الظنون والشكوك!!

وطلب منا موظفو الرئاسة المصرية أن نصعد إلى السيارات لأن الغذاء سيكون في مكان آخر دون أية إيضاحات!!

كان هناك غموض واضح أزعجنا جميعا وكان أكثرنا انزعاجا نائب رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز الذي أبدى امتعاضه من هذه الأساليب وعدم أحاطته علما بما يجري!!

في الطريق الى المجهول

وصعدنا السيارات وتوجهنا في موكب رسمي شق طريقه في شوارع القاهرة واكتشفنا اختفاء أحد الصحفيين واتضح فيما بعد أنه كان نائما في الغرفة وعثر عليه موظفو الرئاسة في اليوم التالي عندما كانوا ينظفون الغرف!!.

ثم لاحظنا إننا قد خرجنا من القاهرة إلى طريق صحراوي مارين بمنطقة الأهرامات ثم دخلنا في صحراء لا يمكن أن يكون فيها مطعم أو دار ضيافة. وإزاء ذلك أخذنا نتهامس حول مصيرنا، وتردد أننا ربما كنا في طريقنا إلى الاعتقال أو المنفى بل أن أحدهم حدد المنفى بأنه النمسا وآخر قال أنه السودان!!

وبعد مسافة ليست قصيرة دخلنا إلى منطقة عسكرية وتوجهت السيارات إلى مطار عسكري صغير. هناك كانت تربض على مدرجه طائرة مدنية تحمل اسم (الخطوط الجوية العربية).

صعدنا الطائرة ولم نجد أثرا للرئيس عبد السلام عارف أو المشير عبد الحكيم عامر.

وبعد نصف ساعة من الانتظار والقلق داخل الطائرة وصل عارف والمشير حيث تعانقا عند سلم الطائرة ثم صعد عبد السلام عارف وكان في غاية الانزعاج حتى أنه صرخ في وجه الملحق الصحفي في القاهرة محي الدين إسماعيل الذي أراد أن يحصل منه على تصريح صحفي.!!

 الطيار ازال شكوكنا

وتحركت الطائرة دون أن يعلم أحد من أعضاء الوفد الرسمي أو الصحفي شيئا عن الجهة التي تقصدها وزادت الشكوك والظنون إلى درجة كبيرة ولم يجرؤ أحد على الاستفسار من رئيس الجمهورية!!

وبعد حوالي نصف ساعة من الطيران لاحظنا أن طيارا جاء من مقدمة الطائرة للسلام على رئيس الجمهورية وسمعنا أنه شقيق الرئيس جمال عبد الناصر.

وقد أشاع ذلك الطمأنينة في قلوبنا لأنه من غير المعقول أن تبعث حكومة الجمهورية العربية المتحدة شقيق جمال عبد الناصر في طائرة قد تكون عرضة لخطر القصف.

وأخذت الطائرة تهبط شيئا فشيئا دون أن نعرف المكان الذي تنوي الهبوط فيه، وخلافا لما يحدث في عمليات الهبوط فقد هبطت الطائرة مباشرة على المدرج دون أن تحوم كما جرت العادة فوق المطار الذي تنوى الهبوط فيه.

وكانت دهشتنا عظيمة عندما اتضحت لنا معالم مطار بغداد (مطار المثنى) ثم كبرت دهشتنا عندما رأينا بعض المسؤولين مصطفين للمشـــــــاركة في الاستقبال.

وهكذا انتهت تلك الرحلة العجيبة.

مشاركة