الرئيس خارج أسوار القصر الجمهوري

661

الرئيس خارج أسوار القصر الجمهوري

المواطن فؤاد معصوم في أول حوار صحفي بعد التداول السلمي للسلطة:    (3 – 3)

الدستور كتب تحت تأثير الهواجس والخوف من الماضي والمستقبل

احمد عبد المجيد

عندما تولى الرئيس فؤاد معصوم منصبه عام 2014  لم يكن طريقه مفروشا بالورود، بل وجد نفسه امام تحديات كبرى واستحقاقات غير مسبوقة، بينها احتلال داعش للمدن وجرائمه ضد المواطنين، ولاسيما الايزيديين. وواجه فجأة امتحانا صعبا اضطره الى الاستعانة باصدقاء العراق وحلفائه لطلب المساعدة، كما لجأ الى المجتمع الدولي لوضعه في صورة ما يجري. اما داخليا فانه تحلى بالصبر الجميل ازاء ما عرف بـ (الاصلاح والحرب على الفساد) وسار في اكثر الطرق دستورية للابقاء على هيكلية سلطاته من محاولات نزعها برغم محدوديتها واصبح كالقابض على الجمر لاسيما خلال ازمة الاستفتاء على استقلال اقليم كردستان. ومثلما دخل معصوم قصر الرئاسة متسلحا بالشرعية الدستورية وآليات الاختيار الديمقراطي، فانه غادره مستجيباً لمتطلبات احترام الخيارات الحزبية والسياقات البرلمانية المتاحة، وكان اول رئيس جمهورية يغادر قصر الرئاسة فور اختيار خلفه، ولم يتأخر يوما واحدا او يطلب مهلة اضافية لتسوية اوضاعه او نقل موجودات مكتبه، وبادر على الفور الى العودة الى منزل سابق عاش فيه مع العائلة (الزوجة والبنات والاحفاد) بعد نيسان 2003  عاد محاطا بمكتبة عامرة وحشد من الذكريات يتجه الى تسطيرها في مذكرات قد تصدر العام المقبل. وهو يمضي ايامه حاليا كمواطن في القراءة واستقبال بعض معارفه واصدقائه القدامى، الذين شغلته ايام الرئاسة عنهم. وفيما وصلنا الى مكتبه في المنزل لاجراء هذا الحوار، كان قد فرغ من قراءة بعض صفحات مذكرات زميله السياسي اياد علاوي التي صدرت حديثا. وفيما يلي نص الحوار بجزئه الثالث والاخير:

صادفت عبد الناصر في القاهرة مرتين

مام جلال يرتبط بعلاقات وطيدة مع شخصيات مصرية عديدة بينها محمد حسنين هيكل

مسعود البارزاني يعتذر عن الحضور إلى بغداد عام 1991 خشية من بطش النظام

نظام صدام تراجع عن توقيع الإتفاق مع الإتحاد الوطني بسبب فقرتين تخصان كركوك

طارق عزيز وفاضل البراك يتناوبان على توتير الأجواء أو تصعيد المواقف في مفاوضات 1984 و 1991

صدام حسين إستقبل الوفد الكردي المفاوض عند باب مكتبه على غير العادة

{ لو قدر لك ان تتولى الرئاسة لولاية ثانية.. ما الذي كنت تنوي ان تفعل ؟

– سأقوم بتعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية. واؤكد ليس كما يقال ان مهمات رئيس الجمهورية بروتوكولية. لا، هذا ليس صحيحا فلديه مهمات كثيرة، ولكن الذي يهم الناس انهم عندما يتجهون الى رئيسهم بمظلمة او شكوى يجب ان يساعدهم. لذلك يجب ان تكون لديه بعض الصلاحيات.

{ لكن ذلك يتطلب اجراء تغيير في الدستور؟

– مشكلة الدستور، وانا كنت احد اعضاء لجنة صياغته، اول خطوة بدأت في مجلس الحكم الذي شكل لجنة لوضع الية كتابة الدستور وبالانتخابات اصبحت رئيسا لها واتخذنا بعض الخطوات وزرنا مناطق عديدة من العراق، كالرمادي والفلوجة في مدة الاحتدام او الخطورة، واستعنا بخبراء الامم المتحدة وحاولنا ان يكون الدستور مقبولا لدى العراقيين، وعندما وصلنا الى مرحلة كتابة الدستور طلب السيد علي السيستاني ان يكتب الدستور بأياد عراقية ويرفض ان يأتينا الدستور من الخارج كما حدث في حقبة الوصاية البريطانية. الحق ان مشاعر الخوف كانت مسيطرة على الجميع وكانت اية كلمة او خطوة او لفتة تفسر على محمل اخر. الكرد والشيعة كانوا خائفين من عودة الابادة والقمع والانفال الى آخره. وكذلك بالنسبة للسنة الذين كانوا يشعرون بحرمانهم من الحكم الذي كان بايديهم منذ استقلال العراق، ولذلك كتب الدستور وسط هواجس وتحت تأثير الخوف من الماضي والخوف من المستقبل، وكذا فان الذين كتبوا الدستور، وانا منهم، لا يمكلون الخبرة الادارية الكافية لمعرفة مهمات الحكومة ولابد ان نعترف ان كل طرف كان يركز على النقاط التي لصالحه او لصالح كيانه او مكونه. لذلك فالدستور بحاجة الى مراجعة لا على حساب المكونات بل يجب ان يكون ثمة وضوح في مواده وان يكتب الدستور بلغة قانونية. نعم الدستور هو عبارة عن عقد اجتماعي لكنه يجب ان يكتب بصياغة دستورية وليس بصياغة منمقة ادبية يحتمل التأويل وكل طرف يفسره بطريقته. اي ان الدستور بحاجة الى مراجعة شريطة ان لا تكون على حساب حقوق المكونات او المكاسب الديمقراطية التي حصل الشعب عليها.

{ خلال مراحل حياتك سواء كنت طالبا جامعيا في القاهرة او تدريسيا في جامعة البصرة ام مقاتلا او ناشطا في كردستان.. هل خطر في بالك يوما ان تكون رئيسا لجمهورية العراق ؟

– هذا السؤال وجهه لي مرة جو بايدن واغرب شيء مر بحياتي عندما كنا طلابا كان لي زميل اسمه عبد الله كاكالاو (يعني شاب بالكردية) وقد كتبت امرا له بتعيينه مفتشا للاوقاف براتب قدره سبعون دينارا. كان ذلك في العهد الملكي وعمري نحو 15 سنة. وقد طلبت منه تمزيق الورقة لكنه رفض ومازال يحتفظ بها. كنت اخشى وقوعها بيد الاجهزة الحكومية.

{ كانوا سيعتبرونها انتحال صفة ؟

– مازال يحتفظ بها الى اليوم.. ومن هذه الناحية اني لم افكر يوما بان اكون رئيسا للعراق.

{ وهل حصل ان قابلت عرافا او عرافة او قارئ كف وقرأ لك الطالع وانبأك بان تكون رئيسا للجمهورية ؟

ضحك المواطن معصوم وقاطعني:

– انا لا اعترف بتوقعات هؤلاء ولا اؤمن بنبوآتهم. وطوال حياتي لم يخطر ببالي ان اكون رئيسا. ولو ان الدكتور برهم صالح رشح في العام 2014  وحده للمنصب لما كنت دخلت منافسا له وللدكتور نجم الدين كريم. وقد شرحت لك ذلك بالتفاصيل.

{ خلال دراستك في القاهرة هل صادف ان التقيت الرئيس المصري جمال عبد الناصر ؟

– صادفته مرتين. الاولى ابان عملي في الاذاعة الكردية ضمن البرامج الموجهة التي كانت تبثها اذاعة الشرق الاوسط (القاهرة) على عهده. كنت اتوجه لتسجيل حلقة من برنامج اقدمه واعده بعنوان (مجلة الهواء) ومدته عشرون دقيقة. كان ذلك اثناء ازمة انفصال سوريا عن مصر ضمن مشروع الجمهورية العربية المتحدة، وكنت طالبا اعد اطروحتي للدكتوراه. وخلال وقوفي بانتظار وصول المصعد في مبنى الاذاعة القديم ليس الحالي، فوجئت بمن يربت على كتفي، فالتفت فاذا بعبد الناصر خلفي ومعه مرافقه العقيد في الجيش وعندما تراجعت ليصعد هو، دعاني الى الصعود معهما. وطوال مدة الصعود الى الطوابق العليا لم تصدر كلمة مني او منه، كما لم يعرف اني عراقي كردي. اما المرة الثانية التي رأيته فيها فكانت بعد انقلاب عبد السلام عارف على البعثيين في تشرين الثاني 1963  حيث ارسل العراق وفدا كبيرا برئاسة طاهر يحيى الى القاهرة للمشاركة في احتفالات ثورة 23 يوليو 1952. وكنت فيه مدعوا ضمن مندوبي الصحافة وكان الجلوس على احد الاطراف، ورأيت لحظتها مسعود محمد الوزير عضو الوفد فاتجهت نحوه عابرا القاطع الحديدي لان علاقتي به عائلية وبينما كنت اتكلم معه عن اوضاع عائلتي ووالدي التفت عبد الناصر الذي كان يستقبل الوفد العراقي مستفهماً (انتو توشوشو تولو ايه)، ورد مسعود محمد (والله هو ابن صديقي وجاء للسلام علي).

{ لكن عبد الناصر كان قد التقى مام جلال في القاهرة اكثر من مرة؟

– بعد حركة 8  شباط 1963 زار وفد عراقي حكومي وشعبي مشترك القاهرة. وكان مام جلال احد اعضائه. وقد التقى فؤاد عارف والرئيس عبد الناصر.

{ خلال مقابلة اجريتها مع المفكر الدكتور خير الدين حسيب في بيروت ذكر انه ساعد مام جـــلال في القاهرة ؟

– لم اسمع بذلك. ومام جلال كانت له نية باكمال دراسته العليا في القاهرة كما كان يحتفظ بعلاقات طيبة مع كثير من الشخصيات ولاسيما الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل.

{ نقفز الى العام 1991. كنت مع الوفد الكردي الذي فاوض السلطة المركزية. هل تحدثنا عن اجواء المباحثات. ماذا جرى بالضبط ؟

– دخلنا مرتين في مفاوضات مع السلطة المركزية الاولى عام 1984 وطرفها الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة مام جلال، وكنت رئيسا للوفد المفاوض. دخلنا في مناقشات ووقعنا اتفاقاً بشأن قانون الحكم الذاتي. خمس اوراق تم توقيعها. كان الطرف المقابل برئاسة علي حسن المجيد (علي الكيمياوي). وفي العام 1991 كان هناك خوف من ان تتحول القضية الكردية الى قضية لاجئين. اي هويتنا تنسى وتتحول الى قضية لاجئين ولا توجد معلومات لدى الجانب الكردي بوجود نوايا بريطانية او امريكية لحماية المنطقة الكردية، وبالتالي فان اجتماع الجبهة الكردستانية التي كانت تتولى تصريف اعمال المناطق المستولى عليها، اتفقت على ذهاب مام جلال الى بغداد لمفاوضة الحكومة. اعتذر السيد مسعود البارزاني عن الذهاب من منطلق الخشية من نوايا النظام الذي اباد عشرات البارزانيين من عائلته في اطراف اربيل. وجاء مام جلال الى بغداد وكانت مفاجأة انه التقى صدام حسين وبادره الاخير بالقبلات، ومهد بذلك الجو لوصول كاكا مسعود الى بغداد مرتين. الاولى كان نوشيروان مصطفى يرأس وفد الاتحاد الوطني والثانية انا كنت اتولى المهمة. وقد اختلفنا على جملة من الامور ولم نصل الى اتفاق. اولا كانوا يريدون ان نتخلى عن كل مبادئنا وافكارنا واقرار بان قرارات الرئيس (صدام) لا تحفظ عليها ولا جدال بشأنها اي قرارات ملزمة. وحاولنا اقناعهم لكن دون جدوى. وطلبنا ان يوقعوا على محاضر الجلسات، وقلنا اننا لم نوقع على البيان الختامي فانبرى طارق عزيز الى القول (هذه لعبة مكشوفة تريدون فيها التنصل عن تعهداتكم). اختلفنا ايضا على كركوك. وفي مفاوضات 1984 كنت قد طلبت ان نحرر اوراق عمل ولا نكتفي بمفاوضات شفوية ونذهب ونأتي. وقمنا، انا والمرحوم نوشيروان مصطفى، بصياغة الاوراق. وفي يوم جمعة لم يكن مقررا لجلسة اجتماع في بغداد فوجئنا بدعوتهم الينا للاجتماع بهدف احراجنا لاننا لم نكن نتوقع. وجاءوا ظهرا واخذونا بالسيارات من فندق بغداد الى القصر الجمهوري. وهناك طلبوا منا مناقشة وضع كركوك. لقد توهموا اننا لم نكن على استعداد كاف وان مواصلة الاجتماع ساعات طويلة سيشعرنا بالملل والجوع، وبالتالي نضطر الى قبول شروطهم او التأثير على الموقع. وكانت اول فقرة في ورقة كركوك تتضمن جواز اطلاق الاسماء الكردية على المحال في المدينة وثانيها السماح للمواطنين الكرد في كركوك باعادة اعمار بيوتهم. استغرق الاجتماع نحو 4  ساعات وعدنا الى الفندق وما ان شرعنا بتناول الطعام في الفندق حتى جاء مدير مكتب علي حسن المجيد، طالبا مسودة الاتفاق، وقال نريدها لتصحيح بعض الاخطاء المطبعية وفهمنا اللعبة واعتذرنا قائلين لقد ارسلناها الى مام جلال. والحقيقة ان المسودة كانت بحوزتنا ولم ترسل، فاضطررنا الى القيام بما يشبه الخفارة الليلية، انا وفريدون عبد القادر لحماية المسودة من السطو في غرفنا. وعلمنا ان صدام اعترض على فقرة اجازة اطلاق الاسماء الكردية، من منطلق الايحاء بوجود منع حكومي لهذا العمل المشروع، واراد في زعم وجود اخطاء مطبعية التخلص من الاعتراف الصريح بالمنع. وعلي الاعتراف انه في عام 1991 كانت هناك خلافات مع الوفد الحكومي من جهة والوفد الكردي من جهة اخرى وخلافات داخل اعضاء الوفد الكردي ذاته. البعض كان يريد حل المشكلة باي صورة والبعض الاخر يرفض هذا المنطق. واصدرت حكومة صدام قرارها بإخلاء منطقة الحكم الذاتي وسحب موظفيها والبنوك من المدن.

{ قيل ان طارق عزيز كان اكثر المفاوضين تشددا بين اعضاء الجانب الحكومي ؟

– انا لاحظت وجود تناوب بين طارق عزيز ورئيس جهاز المخابرات يومها فاضل البراك عام 1984.  وفي المرتين كان لطارق عزيز دور بارز وكانت مفاوضات 1991  برئاسة عزة الدوري.  فعندما كانت الاجواء تبدو هادئة كان طارق عزيز يصعد الموقف وعندما يبدو الجو متوترا كان يهدئ ويتحدث بلغة دبلوماسية، كان يبدو عصبيا عند الوصول الى نتائج وتبدو الاوضاع هادئة، ويتحول الى مفاوض هادئ بارد عندما تبرز عقدة في المفاوضات تستدعي التوتر. وهكذا.

{ يبقى سؤال اخير.. هل تمنيت يوما ان يسألك صحفي سؤالا كان يدور في ذهنك او كنت تنوي الاجابة عنه امام الرأي العام.

– والله. الان ليس ببالي مثل هذا الامر. ربما حدث في يوم من الايام. وانا في واقع الحال حذر ومتحسب من المقابلات الصحفية. فالبعض قد يخل بالاجابة او لا يكون دقيقا في النقل. وهكذا كنت مقلاً فيها الا اذا كنت مطمئنا للصحفي او لي معرفة سابقة به.

{ وفور انتهاء الحوار توجه المواطن الرئيس معصوم الى درج مكتبه وسحب دفترا صغيرا هو عبارة عن مفكرة سنة 1974.

وبدأ بتصفح اوراقها المكتوبة باللغة الكردية ثم يقرأ على مسامعي يوميات مما كتبه في صفحاتها بالقاهرة.

واكد انه دأب على تسجيل ما يصادفه في حياته، بهذا الشكل وهو الامر الذي يساعده في كتابة مذكراته التي ينوي الشروع بصياغة فصولها. وفيما كنت ادقق في سطور ما كتبه لمحت مجموعة من الكتب على سطح مكتبه بينها كتاب (استجواب صدام).

ورأيت ان اسأله عن لقائه بالرئيس الاسبق صدام حسين خلال مفاوضات عامي 1984 و1991. واجاب وقوفا، انه التقاه في القصر الجمهوري وكان قد بدا غير ما عهدناه وعرفناه فرحب بنا في مدخل مكتبه وكان الشائع انه لا يفعل ذلك لأحد وانه اعتاد ان يدخل على مضيفيه لكي ينهضوا هم لاستقباله.

مشاركة