الرأي الآخر شقاوة سعد محسن – عماد آل جلال

الرأي الآخر شقاوة سعد محسن –  عماد آل جلال

الزمن الماضي عنوان عريض لأحداث ومواقف في شتى المجالات عاشها من عاش ومات من مات فهي جزء من تاريخ القرن الماضي، وبرغم المساحة العريضة للزمن الماضي إختار الاعلامي الصديق سعد محسن من هذه المساحة أسرار وخفايا الشقاوات.

سألته مرة لماذا أخترت موضوعا شائكا كهذا فرد على الفور لأن أحدا لم يتطرق اليه ؟ وبما الا أحد تناول موضوع أشقياء بغداد على وجه التحديد حيث إن الشقاوات لم تكن حكرا عليها، وربما هي حالة موجودة في كل او معظم المحافظات العراقية التي كانت تسمى “لواءً” أنذاك فذلك له معنى واحد وهو عدم أو ندرة وجود مصادر تعالج ظاهرة الشقاوات وأسباب ظهورها وموقف السلطة منها وقبل ذلك موقف الناس ولاسيما إن الشقي كان يعيش بينهم.

وعندما حاولت التدقيق في المصادر أكتشفت إنها شحيحة أو غير موجودة أصلا كما أبلغني “المؤلف” كل ما وجدته مقالات نشرت في الصحف تناولت أسماء بعض شقاوات بغداد ومنهم الشقيان اليهوديان موسى أبو طبرة وخضوري سويكا الذي كان يعمل في مكوى للملابس يقع مقابل جامع الحيدر خانه. يقول عباس بغدادي في كتابه (بغداد في العشرينات)..

ظهر الاشقياء اليهود علنا الى السطح، عندما انفجرت ازمة الغابيلة في العشرينات بين الطائفة الاسرائيلية والغابيلة، وهي رسوم الذبيحة عند اليهود في مسالخهم الخاصة بهم، لانهم لا يأكلون الا لحم “الكاشير” بعد فحصه من قبل الحاخام المختص بفحص الحيوانات المعدة للذبح في المسلخ اليهودي، ولهم رسوم خاصة. ويعد التزامها مصدر ربح كبير وايراد للطائفة.

واحتج قسم من اليهود على رئيس الطائفة الحاخام ساسون خضوري واعتدوا على رجاله، فرد الاعتداء بمثله واشتدت المعارك اليدوية بين الطرفين، وخشي قسم من اليهود الظهور من بيوتهم واغلقوا محالهم التجارية، وبعد تدخل الحكومة والضغط عليه تدخل المندوب السامي البريطاني، وانتهت المشكلة بالتراضي. وبقي ساسون خضوري رئيسا للطائفة الاسرائيلية وعوّض خصومه الآخرين تعويضا ماليا، وهكذا ربح اهل بغداد بانكشاف هؤلاء الاشقيائية.

ولعلي أتفق مع الكاتب اللذيذ الدكتور طه جزاع الذي سبق الجميع في تناول موضوع  كتاب “أسرار وخفايا الزمن الماضي” بجزأيه الأول والثاني، بأن المؤلف من النوع الهادئ ولا تغادر الأبتسامة الجميلة محياه وهو يحب ان يحل المشاكل التي تقع عليه أو تلك التي يذهب اليها برجليه مرغماً، بأسلوبه الرومانسي، من خلال الحوار ثم الحوار الى أن يجد الحلول. ومع أني أزعم معرفتي بـ سعد محسن عن قرب فبدا لي وانا أقرأ كتابه أنه متعاطف مع الأشقياء مما يثير الشك إن في داخله شقاوة صغيرا !.

ويتضح من مقدمة الكتاب أن المؤلف تمكن من الحصول على معلومات غزيــــــــرة عن هؤلاء الذين ظهروا في العقود التي سبقت سبعينات القرن الماضي، وأستقر به الرأي أنهم شخصيات بسطت سطوتها على مناطـــــــــق مازالت أطلالها ماثلــــة للعيان تمثل الطيبة العراقية والأصالة والنخوة في مساعدة الضعيف متحدية السلطة الحاكمة مما عرضهـــا الى التصفية الجسدية في ظروف غامضة، وبما إن الجزء الأول من الكتاب لم يستوعب كل الأسماء فكان الجزء الثاني مكملا للأول.

وبـــــــعد لا أجامل سعدا ذلك الرجل الوسيم والانيق أبدا أقول أنه كتاب ممتع جمع فيه حكايات وقصصا عديدة هي في مضمونها تشكل بعضا من تأريــــــــخ العراق وحكامه ووزرائه فهو خطوة جريئة كان لا بد منها ولاسيما إن المكتبة العراقية تفتقد الى مصادر تتصدى لهؤلاء من خلال شخصية كل واحد منهم وتصحيح فكرة أنهم قتلة وسرسرية كما يسميهم بعض البغادة، إنما كانوا  ينصرون الفقراء في مناطقهم.

مشاركة