الذكرى السنوية الأولى لرحيل عزيز محمد

712

الذكرى السنوية الأولى لرحيل عزيز محمد

بغداد – حمدي العطار

ليس من السهولة أن يلتقي صحفي بسكرتير الحزب الشيوعي الاسبق الذي امضى في هذه المسؤولية نحو 30 عاما من 1964-1993 ، ومن قبل ان يكون المسؤول الاول في هذا الحزب العريق ،كان يمارس العمل السياسي في صفوف الحزب منذ سنة 1945 ،اي ان  50 سنة من حياته كانت عبارة عن تاريخ الحزب الشيوعي لمرحلة سياسية غاية في التعقيد والتطورات والتغييرات الهائلة ، وحينما كنا نمارس هواية السياسة ونحن مراهقون كان اللقاء مع شخصية الامين العام للحزب الشيوعي ضربا من الخيال، كنت اعلم انه بعد ان تنحى من قيادة الحزب يسكن في اربيل ،وحتى لو كان فضولي يجعلني اتساءل عمن يرشدني الى مكان أقامته، وهل يوافق ان التقي به في يوم ما وهو المعروف عنه العزلة وعدم رغبته في الظهور بوسائل الاعلام والصحافة! كان لي لقاء مع احد الاصدقاء الكرد في نقابة الفنانين العزيز (دلير) وهو يتابع ما أنشره في جريدة الزمان بسلسلة مقالات (انا والحزب الشيوعي) فكنا نناقش معا بعض الطروحات التي تخص التحالف الشيوعي البعثي وتداعياته وأذا به يفاجئوني بأنه قد التقى بـ (عزيز محمد) ! عندها اصبح الفضول المجهول والمستحيل حلم يراودني ،عندما ابدى (دلير) قدرته بترتيب لقاء لي مع عزيز محمد عن طريق صديقه الذي يقيم في بريطانيا وهو نسيب عزيز محمد وكان لديه زيارة الى اربيل في الايام القليلة القادمة، تمضي الايام ولم يتصل بي “دلير” ليبلغني بوصول نسيب عزيز محمد من لندن، وتتضاءل فرصة اللقاء الامل لأن رحلتي تقارب على الانتهاء، ولغرض شراء بعض الحاجيات من حلويات وكرزات قمت بزيارة القلعة وسوق اربيل ، كنت اسير بين المحلات فأذا بصاحب محل ينادي (حمدي العطار) التفت اليه فلم اعرفه، مسك يدي وادخلني الى محله متسائلاً :- ألم تعرفني؟ نظرت في وجهه مستفسرا قدم نفسه انا (شيرزاد البقال) صــــــديقك في الفيس! من قال أن الفيس غير مفيد! تذكرت اعجاباته وتعليقاته على منشوراتي ومتابعته للمقالات التي أنشرها في جريدة (الزمان) وانزلها في صفحتي بالفيس وتتناول ذكرياتي مع الحزب الشيوعي”انا والحزب الشيوعي” رحب بي بحفاوة ،وفاجأني بصورته مع عزيز محمد مبديا استعداده بترتيب لقاء معه اذا كنت ارغب بذلك ؟ حينما يتكرر الامر مرتين لا تعد مصادفة، ففي رحلة واحدة الى اربيل قدم لي عرضان للقاء عزيز محمد أذن الحظ والقدر وفرا لي هذه الفرصة الذهبية، وعندما ابديت سعادتي بهذا اللقاء ، اتصل شيرزاد ب(عزيز محمد) وتكلم معه باللغة الكردية، واعطاني هاتفه النقال قائلا: عزيز محمد يريد ان يكلمك، كان صوته خافتاً ولكن الكلمات القليلة التي قالها من تحية وترحيب وتحديد موعد اللقاء ظلت ترن في اذني بنغمات صوته الهادئ الذي فيه بحة تركتها سنوات عمره الثانية والتسعين لكنها عبارات لا تخلو من الوضوح، احسست في ذلك الوقت بشعور من ربح جائزة ثمينة، كنت حريصا للرجوع سريعا الى الفندق لتحضير الاسئلة والافكار والهواجس والحيرة التي كانت دائما تراودني حينما كنا منخرطين بالعمل السياسي ،وبعد ان تركنا الحزب الشيوعي، وحينما اصبحنا كتاباً نتناول مسيرة الحزب بالكتابة والتحليل والنقد ، ها هو عزيز محمد المسؤول الاول عما جرى لنا وللحزب امامي وهو مستعد للقائي غدا صباحا! كان من اللياقة ان ابلغ صديقي (دلير) بما جرى من تطورات في صباح اليوم وعن موعد اللقاء، وبمجرد الاتصال به واخباره بما جرى ، رد :- عظيم حتى ان نسيب عزيز محمد سيصل الليلة من لندن وسوف اصطحبك معي الى بيت عزيز محمد، قضيت الليل كله في وضع الاسئلة التي يمكن ان تستدرج عزيز محمد ليكون معي صريحا وواضحا ويتخلى عن تحفظه، بدلت الاسئلة عدة مرات واعدت كتابتها  ومزقتها ،في النهاية حددت المحاور التي سوف  تدور حولها  المقابلة (تاريخ الحزب- الموقف من عبد الكريم قاسم- تسلم عزيز محمد سكرتارية الحزب- الانشقاق – التحالف مع البعث- انهيار الجبهة- الموقف من الحرب العراقية الايرانية-انهيار الاتحاد السوفيتي- النموذج الصيني- تنحي عزيز محمد في المؤتمر الخامس 1993- رأيه بمشاركة الحزب الشيوعي بمجلس الحكم- وضع الحزب الشيوعي الكوردستاني – موقفه من الأزمة الأمنية والسياسية والاقتصادية) كان لي لقاءان مع عزيز محمد الاول تكلم فيه بعفوية وكانت الشفافية حاضرة في اللقاء من خلال ما يختزنه من معلومات مهمة وخطيرة استغرق ثلاث ساعات  ، تبسط بالحديث الشعبي، استعان بالأمثال ،حتى حينما انتهى اللقاء وأراد ان يتكلم بموضوع خاص طلب مني ان اغلق الة التسجيل ! وبعد ان انتهى اللقاء وأردنا ان نلتقط الصور ، سألني :- هل كل هذا الكلام سوف تنشره؟ قلت له :- نعم! قال اذن لا تنشر الا بعد موافقتي!

لقاء نقاش

لذلك خضع اللقاء الاول للنقاش والى الامتناع حتى توصلنا الى اتفاق آخر ان ارسل له اسئلة  تكون اجابته عليها ليست شفهيا ومن ثم نلتقي مرة ثانية، فعلا ارسلت له 15 سؤالاً  واجاب عليها وكان املي ان يختار بعض الاسئلة واجوبتها من المقابلة الاولى لكنه رفض نشر المقابلة الاولى واحترمت رأيه وقدمت له نص المقابلة الاولى هدية تقديرا لمسيرته النضالية في الحزب بالرغم مما تحمله هذه المقابلة من معلومات واراء هو نفسه عزيز محمد يقول (عمري ما تكلمت عنها وكشفتها لأقرب الناس ،وانا زعلان منك لأنك استدرجتني بالأسئلة والنقاش) ،انطباعاتي عن عزيز محمد عندما ينسى نفسه ويتبسط بالحديث يكون شفافا  وصريحا عكس طبيعته (الحذرة) !ويكون مرحا مازحا على غير جديته  فهو عندما نطلب منه ان ينهض لغرض التصوير يردد جملة (يا خدا ) بالكردي أي (يا الله) بالعربي، كان يشكو من الوحدة ويقول (الله وحده يحب ان يكون وحيدا) اما عن المرأة والزواج فهو يقول بحنان (الزوج والزوجة حينما يكون بينهما الحب ، كل تصرف وموقف يكون له معنى جميل ، النظرة، الابتسامة، تقديم فنجان القهوة، كل شيء يصبح رائعا، ولا يحس الانسان مع الحب بالملل) وحينما قلت له (لماذا لم تتزوج وتقضي على ظل الوحدة الثقيل) ؟ اجابني” قالوا لي ذلك من قبل ! قلت لهم لقد كبرت الان! قالو اكو حبوب ! قلت الحب الي يجي من الحبوب ما ينراد !” حينما يكون تلقائيا تحس احيانا بإنه ليس عزيز محمد الرجل الاول في الحزب بل احيانا تقول انها اجوبة ليست (شيوعية) عندما سألته عن تأثر بعض قيادات الحزب الشيوعي بالتجربة الصينية وبشخصية (ماو) لم يجبني كما كنت اتوقع منه كشيوعي “بأن الصين والعراق من الدول التي تعتمد على الزراعة وليست دول صناعية فيها حركة عمالية” بل كانت اجابته بعيدة عن الفكر السياسي الشيوعي قائلا ” نحن والصين متشابهان  لأننا شرقيان”!

انهيار الاتحاد

اما عندما سألته عن اسباب انهيار الاتحاد السوفيتي، فكانت اجابته فيها طابع (السياحة) وليس الفكر السياسي العميق قائلا( اهمل الاتحاد السوفيتي الحاجات الاستهلاكية البسيطة للمواطنين ) ويقصد (الويسكي، والجينز الكابوي وغيرها) كنت اتوقع منه اجابة شيوعية عقائدية تقول (كان السوفيت مشغولين بتدبير التدفئة والخدمات الصحية والكهرباء والتعليم والسكن والملابس والاحذية لكل مواطن سوفيتي 250 مليون يحتاجون هذه الاشياء! لكنه لم يقول كما كنت اعتقد،فقلت مع نفسي هل يعقل ان يكون عزيز محمد ليس شيوعيا ؟!  تبقى شخصية (عزيز محمد ) شخصية اشكالية وغامضة ،ونحن في الذكرى الاولى لرحليه 31/5 نستذكره بهذا المقال ونقول له (نم قرير العين يا ابا سعود).

مشاركة