تدفق بشري هائل لأداء المناسك تحت شمس حارقة في مكة المكرمة

مكة المكرمة (أ ف ب) – الزمان
توافد أكثر من مليون مؤمن إلى مدينة مكة المكرمة إيذانا بانطلاق أول أيام مناسك الحج الأربعاء ثم وقفة عرفة يوم الخميس، في ظل درجات حرارة مرتفعة وإجراءات صارمة ضد الحجاج غير النظاميين لتفادي كارثة العام الماضي التي أودت بأكثر من ألف شخص. وشهد موسم الحج هذا العام تعزيز الإجراءات الوقائية من الحرّ، بعدما سُجّلت في موسم العام الماضي 1301 حالة وفاة، مع وصول درجات الحرارة إلى 51,8 مئوية، وفق السلطات السعودية. وتجاوزت الحرارة هذا الأسبوع 40 درجة مئوية، فيما تخطى عدد الحجاج الوافدين إلى المملكة 1،4 مليون شخص، بحسب أرقام رسمية.
يعمل مسؤولون سعوديون ليلا نهارا في مراقبة خرائط وشاشات وكمّ هائل من البيانات، مستعينين بالذكاء الاصطناعي لمساعدتهم على إدارة سيل الحجاج الذين توافدوا إلى مكة المكرمة خلال موسم الحج هذا العام.
وأثبتت هذه التقنية المتطورة فعاليتها في تحليل العدد الهائل من اللقطات التي تسجّلها أكثر من 15 ألف كاميرا موزعة في أنحاء مكة والمشاعر المقدسة. إذ جرى تصميم البرمجيات خصيصا لرصد أي خلل في حركة الحشود أو التنبؤ بنقاط الازدحام.
كما تُستخدم التقنية في تتبّع أكثر من 20 ألف حافلة تنقل الحجاج بين المواقع المقدسة.
ويشكّل هذا النظام جزءا من أدوات تقنية متقدمة اعتمدتها السعودية للمساعدة في تنظيم أحد أكبر التجمعات الدينية في العالم، إذ توافد نحو 1,4 مليون حاج من مختلف أنحاء العالم إلى مكة هذا الأسبوع.
وقال المدير التنفيذي للمركز العام للنقل في الهيئة الملكية لمدينة مكة محمد نزير «في غرفة التحكم المروري، نستخدم كاميرات متخصصة مزوّدة بطبقات من الذكاء الاصطناعي لتحليل الحركة، وتحديد المناطق المزدحمة، والتنبؤ بسلوك المرور مع الوقت».
وأنشَأ المركز غرفة تحكم رئيسية في مكة مليئة بالشاشات والخرائط، ويستخدم الموظفون التكنولوجيا المتقدمة بما في ذلك الذكاء الاصطناعي للمراقبة على مدار الساعة.
وأوضح نزير أن الهدف الأساسي من هذه الجهود هو تجنّب حوادث السير، لا سيما أن معظم الحجاج يتنقلون سيرا على الأقدام، بالإضافة إلى تسهيل حركة التنقل وتخفيف عبء السير لمسافات طويلة تحت شمس الصحراء الحارقة.
وأشار إلى أنه في ذروة الحج، تتحرّك نحو 17 ألف حافلة في وقت واحد باتجاه المشاعر المقدسة.
وشكّلت إدارة الحشود تحديا كبيرا في مواسم الحج السابقة، لا سيما في العام 2015 عندما وقع تدافع أدى إلى وفاة نحو 2300 شخص.
وقال محمد القرني، مدير عام الحج والعمرة في المركز العام للنقل في الهيئة الملكية لمكة والمشاعر المقدسة، إن «غرفة العمليات هي العين الرقيبة لنا على كل الخطط الميدانية وعلى كل أنظمة التشغيل الميدانية الموجودة في الميدان».
وأضاف «يتجاوز عدد الكاميرات المستخدمة 15 ألفا».
وأوضح لفرانس برس أن الذكاء الاصطناعي يمكّن من معرفة «الأعداد والكميات والمشاهدات على كل الطرق وعلى كل المسارات في المشاعر المقدسة»، إضافة إلى «استشعار الحالات الطارئة قبل حدوثها».
وأشار إلى أنه باستخدام الكاميرات والذكاء الاصطناعي، تتمكّن السلطات من معرفة ما إذا كان الموقع بلغ طاقته الاستيعابية، فيتم توجيه الحشود إلى أماكن أخرى.
وخلال شهر رمضان الماضي، ساعد هذا النظام السلطات في تحديد اللحظة التي بلغ فيها المسجد الحرام طاقته القصوى، فتمّ حينها وقف دخول المصلين.
لكن استخدام التكنولوجيا المتطورة لا يقتصر على الجوانب اللوجستية.
ففي العام الماضي، توفي 1301 حاج، معظمهم لم يكن لديهم تصاريح رسمية، وكانوا يفتقرون إلى وسائل الراحة مثل الخيام المكيّفة والحافلات، مع ارتفاع درجات الحرارة إلى 51,8 درجة مئوية. ويتوقع أن تتجاوز درجات الحرارة هذا الأسبوع عتبة 40 درجة مئوية خلال أيام الحج.
وأوضحت السلطات السعودية أن 83 في المئة من الوفيات المسجلة العام الماضي كانت لأشخاص لا يحملون تصاريح حج رسمية.
وكان وزير الحج توفيق الربيعة قال في مقابلة سابقة مع فرانس برس إن السلطات «تستخدم عددا كبيرا من المستشعرات لمراقبة حركة الحجاج خلال رحلتهم»، ما يساهم في إدارة الحشود.
وأضاف «يساعدنا ذلك على التدخل السريع في حال وجود خطر والتقليل من آثاره. نستخدم تقنيات متقدمة من الذكاء الاصطناعي للحصول على بيانات مباشرة وردود فعل سريعة».
كما نشرت السلطات أدوات أمنية إضافية، من بينها أسطول جديد من الطائرات المسيّرة لرصد مداخل مكة وتحديد الحجاج غير النظاميين.
وقال مدير الأمن العام رئيس اللجنة الأمنية في الحج الفريق محمد بن عبد الله البسامي خلال مؤتمر صحافي، «لا شك اليوم التقنية هي أحد أدواتنا للاستخدام بشكل يومي. استخدام الذكاء الاصطناعي واستخدام وسائل مثل الدرونز أو الكاميرات الحرارية». وأضاف أن «التقنية هذا العام برزت وتوضحت. الحقيقة فائدتها بشكل كبير مكنت رجال الضبط من الوصول إلى المخالفين إذ تراقب من خلال مركز عمليات متقدم يتحكم في هذه المنظومة».
ونشرت القوات الخاصة لأمن الطرق هذا الأسبوع مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يُظهر جهود المراقبة، مؤكدة أنها تستخدم «تقنية الكاميرات الذكية والحرارية لمراقبة المحيط الخارجي لمكة والمشاعر المقدسة».
وتوزّع تصاريح الحج على الدول وفق نظام الحصص، ثم تُمنح للأفراد غالبا عبر قرعة. رغم ذلك، فإن ارتفاع تكاليف الحج النظامي يدفع الكثيرين إلى اللجوء إلى طرق غير نظامية، أقل كلفة بكثير، رغم ما تحمله من مخاطر.
وفي اليوم الأول من المناسك، يتوجّه الحجاج وهم يرتدون ملابس الإحرام البيضاء، إلى مكة لأداء طواف القدوم الذي يتضمن الدوران سبع مرات حول الكعبة في باحة المسجد الحرام.
ويُشترط قبل دخول مكة أن يدخل الحاج في حالة روحية تُعرف بـ»الإحرام»، تتطلّب لباسا وسلوكا خاصين، إذ يرتدي الرجال قطعة قماش بيضاء غير مخيطة، في حين ترتدي النساء عباءات فضفاضة بيضاء لا تكشف سوى الوجه واليدين.
ووصل الحجاج في حافلات إلى منى بعد ظهر الثلاثاء، حيث استقبلهم المنظمون بالقهوة والتمر.

وقالت ريم الشغري وهي سعودية تبلغ من العمر 35 عاما تؤدي فريضة الحج للمرة الأولى «أنا سعيدة للغاية، إنه شعور رائع».
وأعلنت السلطات السعودية عن تجنيد أكثر من 250 ألف موظف، وتنسيق بين أكثر من 40 جهة حكومية، لمواجهة موجات الحرّ المحتملة، وفق ما أفاد وزير الحج توفيق الربيعة وكالة فرانس برس الأسبوع الماضي.
ومن بين الإجراءات، زيادة المساحات المظللة بـ50 ألف متر مربع، انتشار آلاف من الطواقم الطبية، وتوفير أكثر من 400 وحدة تبريد.
وتُعد منظومة التبريد داخل الحرم المكّي الأكبر من نوعها في العالم، ويتم تنقية هواء التكييف داخل المسجد الحرام 9 مرات يوميا، وفق التلفزيون السعودي الرسمي.
وأقامت السلطات ممرات مُبرّدة للمشاة، بما فيها مسار اكتمل حديثا بطول أربعة كيلومترات يؤدي إلى جبل عرفات.
كذلك، تستعين السلطات هذا العام بتقنيات الذكاء الاصطناعي لمراقبة تدفّق الحشود وتحليل البيانات والصور، بما يشمل فيديوهات تلتقطها طائرات مسيّرة جديدة بهدف تعزيز الإدارة الميدانية للحشود في مكة.
وكانت معظم الوفيات في موسم الحج الماضي من بين الحجاج غير النظاميين الذين لم يكن لديهم إمكانية الوصول إلى الخيام المكيفة ووسائل النقل المبرّدة.
وقبيل الموسم الحالي، شنّت السلطات حملة واسعة ضد الحج غير النظامي، تضمنّت مداهمات متكررة، ومراقبة عبر طائرات مسيّرة، وإرسال تنبيهات نصية.
ويُمنح تصريح الحج وفق نظام الحصص الوطنية، ويُوزّع عادة عبر قرعة. لكن التكاليف المرتفعة تدفع بعض الراغبين إلى أداء المناسك من دون تصاريح رسمية، ما يعرّضهم لخطر التوقيف والترحيل.
ويواجه المخالفون المحتملون غرامات كبيرة، إضافة إلى حظر دخول المملكة لمدة تصل إلى عشر سنوات.
وشهد الحج في العقود الأخيرة حوادث مأسوية، أبرزها في العام 2015 حين أدى تدافع خلال رمي الجمرات في منى قرب مكة، إلى مقتل نحو 2300 شخص، في أسوأ كارثة يشهدها موسم الحج.
وتُشكّل مناسك الحج والعمرة مصدر دخل كبير للسعودية، التي تضم أقدس المواقع الإسلامية في مكة والمدينة، وتحقق منها مليارات الدولارات سنويا.




















