

لندن – الزمان
فتح محمد كرد علي صفحات عمره في كتاب مذكراته الصادر حديثاً، ليضع القارئ أمام رحلة ممتدة بين القرنين التاسع عشر والعشرين، رحلة مثقلة بالذكريات الفكرية والمواقف التاريخية التي صنعت ملامح النهضة العربية.
وألقى المؤرخ الدمشقي، وأول رئيس لمجمع اللغة العربية بدمشق، بظلال قلمه على مشاهدات دقيقة لأحداث كبرى ورجال بارزين، فحوّل نصوصه من مجرد سرد ذاتي إلى شهادة حيّة على تحولات الشرق في زمن التحولات العاصفة.
وارتقى أسلوب كرد علي في هذه المذكرات إلى مستوى الوثيقة التاريخية، حيث لم يكتف بتسجيل محطات حياته الخاصة، بل أحاط بصراعات النهضة الفكرية والسياسية، ونقل طموحات جيله نحو الحرية والتمدن، في لغة رصينة تكشف عن عمق تكوينه المعرفي وإيمانه بدور الثقافة في نهضة الأمة.
ووضع المؤلف بين أيدي الباحثين مادة لا تقدَّر بثمن، تجمع بين السيرة الذاتية والتحليل التاريخي، فتصير المذكرات مرجعاً أساسياً لفهم مسار الفكر العربي الحديث، ومرآة تعكس قلق المثقف العربي وهو يوازن بين الانتماء والتجديد، وبين التقاليد والحداثة.
واستعاد القراء مع هذه الصفحات حوارات النهضويين ومعارك الأقلام في مطالع القرن العشرين، حيث تتقاطع الأصوات بين الإصلاح الديني والحداثة الفكرية، وبين التيارات القومية وصراع الهويات في المشرق العربي.
وعلّق باحثون معاصرون عبر منصات التواصل على صدور المذكرات، فكتب أحدهم: “محمد كرد علي لم يكن شاهداً على زمنه فحسب، بل كان صانعاً لوعيه”، وغرّد آخر: “هذه المذكرات ليست للتاريخ فقط، بل لتعليم الأجيال معنى أن تكون مثقفاً مسؤولاً عن مجتمعه”.
وعكست هذه الانطباعات الحفاوة بصدور المجلدات، التي تمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية، وفتحاً جديداً لفهم سيرة واحد من أعلام الفكر والإصلاح في العصر الحديث.



















