الديمقراطية العراقية

 

عبدالهادي كاظم الحميري

بعد‭ ‬إعتصامات‭ ‬استمرت‭ ‬لعدة‭ ‬شهور‭ ‬أعطى‭ ‬المعتصمون‭ ‬فيها‭ ‬مئات‭ ‬الشهداء‭ ‬وعشرات‭ ‬المخطوفين‭ ‬والمغدورين‭ ‬وآلاف‭ ‬الجرحى‭ ‬قرابين‭ ‬للطرف‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬وطن‭ ‬حر‭ ‬وشعب‭ ‬ينعم‭ ‬بأساسيات‭ ‬العيش‭ ‬والبقاء‭. ‬إعتقد‭ ‬الكثيرون‭ ‬أن‭ ‬المحاصصة‭ ‬والمغانمة‭ ‬قد‭ ‬انتهت‭ ‬والطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬انزوت‭ ‬لتفتح‭ ‬المجال‭ ‬للتغيير‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المواطنة‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم‭. ‬وكانت‭ ‬المفاجئة‭ ‬صادمة‭ ‬عندما‭ ‬عادت‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬بقضها‭ ‬وقضيضها‭ ‬لتفرض‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬السياسي‭ ‬العراقي‭ ‬مجددا‭ ‬عند‭ ‬تكليف‭ ‬أول‭ ‬مرشح‭ ‬لرئاسة‭ ‬الوزراء‭.‬

إن‭ ‬التجربة‭ ‬السياسية‭ ‬عبر‭ ‬السنة‭ ‬وبضعة‭ ‬أشهر‭ ‬الماضية‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬ماسة‭ ‬الى‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬الدوائر‭ ‬الانتخابية‭ ‬وتصديق‭ ‬قانون‭ ‬الانتخابات‭ ‬ليعكس‭ ‬البرلمان‭ ‬رأي‭ ‬الشعب‭ ‬بكل‭ ‬شفافية‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الغاء‭ ‬دور‭ ‬البرلمان‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬وكذلك‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬ماسة‭ ‬لتفعيل‭ ‬قانون‭ ‬الأحزاب‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمصادر‭ ‬التمويل‭ ‬والأجنحة‭ ‬المسلحة‭ ‬وتطويره‭ ‬وكذلك‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬نزاهة‭ ‬المفوضية‭ ‬ان‭ ‬تطلب‭ ‬الامر‭.‬

إن‭ ‬ترك‭ ‬القضايا‭ ‬المصيرية‭ ‬كانتخاب‭ ‬الرئاسات‭ ‬الثلاثة‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭ ‬الدولية‭ ‬الهامة‭ ‬حسب‭ ‬أمزجة‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬ومصالحها‭ ‬وانتماءاتها‭ ‬أضاع‭ ‬مصلحة‭ ‬العراق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأمنية‭ ‬ومكن‭ ‬الجهات‭ ‬غير‭ ‬المنتخبة‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬البرلمان‭ ‬عن‭ ‬بعد‭.‬

في‭ ‬ضوء‭ ‬ثورة‭ ‬تشرين‭ ‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬تأييد‭ ‬معلن‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تمقت‭ ‬المحاصصة‭ ‬بقدرة‭ ‬قادر‭ ‬وتحارب‭ ‬الفساد‭ ‬وتتبنى‭ ‬مطالب‭ ‬المحرومين‭ ‬باشر‭ ‬المكلف‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬توفيق‭ ‬علاوي‭ ‬بتشكيل‭ ‬وزارته‭ ‬ليصطدم‭ ‬بواقع‭ ‬أن‭ ‬شيئا‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭ ‬فالمحاصصة‭ ‬والمغانمة‭ ‬بخير‭ ‬وخرج‭ ‬من‭ ‬التكليف‭ ‬بعد‭ ‬محاولات‭ ‬عدة‭ ‬لتوفير‭ ‬النصاب‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬المسيطر‭ ‬عليه‭ ‬عن‭ ‬بعد‭.‬

ليأتي‭ ‬بعده‭ ‬المكلف‭ ‬عدنان‭ ‬الزرفي‭ ‬ابن‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬والذي‭ ‬بدى‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬أنه‭ ‬واقعيا‭ ‬وقويا‭ ‬وفاهما‭ ‬للمهمة‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يتصدى‭ ‬لها‭  ‬وكان‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الحال‭ ‬شيئا‭ ‬جديدا‭ ‬لم‭ ‬يألفه‭ ‬العراقيون‭ ‬كاريزما‭ ‬وكياسة‭ ‬ورباطة‭ ‬جأش‭ ‬ودبلوماسية‭  ‬ويبدوا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المكلف‭ ‬أخذ‭ ‬بجريرة‭ ‬مواصفاته‭  ‬ولم‭ ‬يجده‭ ‬نفعا‭ ‬برنامجه‭ ‬المتناغم‭ ‬مع‭ ‬طلبات‭ ‬الشعب‭ ‬أو‭ ‬إكمال‭ ‬كابينته‭ ‬الوزارية‭ ‬قبل‭ ‬الموعد‭   ‬ومشاوراته‭ ‬الماراثونية‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬الكتل‭ ‬والجهات‭ ‬التنفيذية‭ ‬والدبلوماسية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬والحق‭ ‬يقال،‭ ‬يبدوا‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬قدم‭ ‬خدمة‭ ‬جليلة‭ ‬للطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬بأن‭ ‬جمع‭ ‬شملها‭ ‬وأعاد‭ ‬بوصلتها‭ ‬الى‭ ‬المرشح‭ ‬المعروف‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬السيد‭ ‬مصطفى‭ ‬الكاظمي‭ ‬رئيس‭ ‬جهاز‭ ‬المخابرات‭ ‬العراقي‭ ‬وخوفنا‭ ‬أنهم‭ ‬سيكتشفون‭ ‬أنه‭ ‬يحمل‭ ‬بعض‭ ‬مواصفات‭ ‬السيد‭ ‬الزرفي‭ ‬الواضح‭ ‬منها‭ ‬لحد‭ ‬الآن‭ ‬الوسامة‭ ‬والكاريزما‭ ‬والحبل‭ ‬على‭ ‬الجرار‭.‬

يحكى‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الشيوخ‭ ‬في‭ ‬الأربعينات‭ ‬أقتنى‭ ‬سيارة‭ ‬جيب‭ ‬صغيرة‭ ‬نوع‭  ‬وايلي‭ ‬أمريكية‭  ‬لتقله‭ ‬من‭ ‬قلعته‭ ‬شبه‭ ‬الطينية‭ ‬للمدينة‭. ‬وذات‭ ‬يوم‭ ‬انقطع‭ ‬القايش‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬وعطلت‭ ‬السيارة‭ ‬نزل‭ ‬السائق‭ ‬ليرى‭ ‬ما‭ ‬الامر‭ ‬وأوقف‭ ‬باص‭ ‬خشبي‭ ‬مر‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬وطلب‭ ‬المساعدة‭. ‬قال‭ ‬سائق‭ ‬الباص‭ ‬له‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬قايش‭ ‬لهذه‭ ‬السيارة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬حل‭ ‬للموضوع‭ ‬إستعمل‭ ‬عكالك‭. ‬بالفعل‭ ‬وضع‭ ‬السائق‭ ‬العقال‭ ‬بدل‭ ‬القايش‭ ‬واشتغلت‭ ‬السيارة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يخبر‭ ‬الشيخ‭ ‬بشيء‭.‬

مرت‭ ‬أيام‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬وذات‭ ‬يوم‭ ‬استفسر‭ ‬الشيخ‭ ‬من‭ ‬سائقه‭: ‬عليوي‭ ‬شلون‭ ‬السيارة؟‭ ‬عليوي‭  ‬عمي‭ ‬كلش‭ ‬زينة‭ ‬لكن‭ ‬تستهلك‭ ‬عكل‭ ‬هواي‭.‬نتمنى‭ ‬للمكلف‭ ‬الجديد‭ ‬كل‭ ‬توفيق‭ ‬ونلفت‭ ‬انتباهه‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬تستهلك‭ ‬مكلفين‭ ‬هواية‭.‬