الدولة المؤقتة – كامل كريم الدليمي

494

الدولة المؤقتة – كامل كريم الدليمي

تتعرض كل بلدان العالم الى تحولات كبيرة ،  وأنهيارات  كارثية تكاد للذي يتابع الاحداث ان يجزم ان تلك الدول لن تنهض من جديد ، وسرعان ماتتحرر عقول شعوب تلك الدول من الماضي المرير ،وأثاره السلبية ، لينطلقوا في اعادة ترميم حاضرهم واعادة ترتيب اولياتهم  المبعثرة لاعادة المسيرة بنسق واضح  وخطوات ثابتة واصرار على تجاوز الصعاب  ، أملين بمستقبل افضل ، ولنا من التجارب الامثال الكثيرة بعد الحرب  العالمية الاولى والثانية ، (اليابان والمانيا وكوريا) ، ومن يتابع حركة التطور السريعة لتلك البلدان يتأكد ان لامستحيل امام ارادة وتصميم الشعوب .

التجربة الديمقراطية العراقية مابعد عام  2003شهدت صراعين الصراع الأول ؛ يكمن في تأمر الغرب وذيولهم بتدمير العراق وعدم السماح لهُ بالنهوض من جديد ، وهذا يُعد مؤثر خارجي .

الصراع الثاني ؛ احزاب المعارضة التي عانت من اساليب بطش النظام السابق بسبب معارضتها لسياساته وماتحمله تلك الاحزاب  من  عُقد بسبب الحيف الذي وقع عليها ، تلك العوامل شكلت صراع داخلي بين تلك الاحزاب

 بين النفوذ الى السلطة والحصول على المكاسب وهذا حلم مهم للكثير منهم  ، او  العمل الجماعي من اجل تجاوز احقاد الماضي والمضي بإيقاف تداعيات المؤثرات  الخارجية والاتفاق على تأسيس مشروع دولة يُعيد العراق الى دوره الحقيقي والحيوي في المنطقة لكن وفق رؤية جديدة تعتمد على مباديء احترام علاقات العراق الخارجية وتنظيمها على اساس “الند ” بلد ببلد ، وليس على اساس (التابع والمتبوع ).

وعاشت الكتل السياسية تلك التجربة المريرة والصراع الكارثي الى ان تمكن “قابيل من قتل أخيه هابيل ” لتنتصر ارادة الشر والطمع على ارادة الخير والنماء ، وتمكن المؤثر الخارجي من ان يفرض ارادته تقابله ارادات تشعر بالظمأ امام كراسي السلطة ، وفي اول مرحلة من مراحل زراعة القلق وزعزعة النظام الجديد ،  تغلب المؤثر الخارجي في زرع سمومه من خلال كتابة متعجلة لدستور العراق ، الدستور الذي كنا نبغي ان يوحدنا كان سبباً  في ترسيخ فرقتنا ، وكِتب الدستور بطريقة كارثية اعتمد بها المشاركون في كتابته على تثبيت مخاوف المكونات وانعدام الثقة  (الشيعة ، السنة ، الاكراد ، الاقليات ) وبذلك عززَّ  الدستور  الانقسام المجتمعي ، كما تعززت ارادة المؤثر الخارجي من خلال لبننة السلطة ، فتوزعت  وفق ثلاث رئاسات كل رئاسة  لمكون واصبحت عُرف معتاد في العملية السياسية ، واصبح الشيعة يفكرون انهم حصلوا على السلطة بعد حرمانهم منها لعقود ،  لذلك التفكير الشيعي ركز على كيفية الحفاظ على الحكم الشيعي وفق مقولة “ماننطيها” ، والسنة اعتبروا   انفسهم فاقدين للسلطة ويحاولون اعادة امجادهم وحينما تأكدوا من عدم تمكنهم من ذلك ذهبوا لتأسيس جمعية محاماة (نحن ندافع عن حقوق اهلنا في المناطق السنية ) لكنهم ايضاً فشلوا بسبب ضعف مشاركتهم الحكومية وفق نظام المحاصصة

اما الاكراد فكانوا هم الاذكى  فبَنّوا دولتهم وسط الدولة العراقية .

في ظل ضياع فكر دولة المؤسسات وركائزها ، وفي ظل كل التداعيات والخوف والقلق والتسابق المحموم على السيطرة على السلطة والحفاظ على المكتسبات ضاع الوطن والمواطن ، وتحول العراق الى بلد مترهل فاقد للمأسسة ، بعيد كل البعد عن بناء دعائم الدولة المدنية ، المشروع الديمقراطي تحول الى مشروع سلطوي استحواذي ، فقدنا الاندماج المجتمعي لان الانقسام السياسي ولَّدَ انقساماً مجتمعياً ، التفكير الوطني غادرهُ معظم الساسة وبدا اغلبهم يتحدث من منطلق الدفاع عن المذهب او القومية فضاعت في فكر الجيل الجديد  خارطة الوطن ، وكأننا في سلطة مؤقتة ننتظر  انتقالة اخرى لدولة وطريقة حكم دائمية  ، نجهل شكل الدولة الجديدة  وحدودها ورجالها ، في مقالات كثيرة ركزت على المراجعة الجريئة للعملية السياسية ، ولم تجد دعواتي صدى في سوق تبادل الاتهامات بالعمالة والتبعية وكلُ يدَّعي وصلاً بالعراق والجميع يبحث عن حماية حقوق حزبة ومذهبه الا القليل من تصدوا ليدافعوا عن العراق ، ولكن اليد الواحدة لانسمع لها صوت حين تصفق ، هي دعوة لجميع الساسة لقد نجحتم في بناء الدولة المؤقتة ،  ضعوا ايديكم بأيدي بعض وأنتقلوا بارادتكم الى دولة المؤسسات ، دولة المواطنة ، بعيداً عن اي تأثيرات خارجية لأن قراءتنا للمشهد الحالي وتداعياته لاتسر صديقاً ولا تغيظ عدوا .

مشاركة