الدولة القطرية- حسن عاتي الطائي

245

الدولة القطرية- حسن عاتي الطائي

في مقالين سابقين نشرتهما في جريدة (الزمان) عن تحديات الواقع العربي تناولت فيهما تحديان خطيران من بين تحديات كثيرة تواجهها أمتنا العربية وهما التحدي الصهيوني والتحدي الديمقراطي..في هذا المقال سنحاول إلقاء الضوء على تحد اخر لا يقل خطورة عن غيره من التحديات التي لا بد من مواجهتها والتخلص منها لكي تستطيع هذه الأمة العظيمة أن تحقق وحدتها القومية وتتجاوز حالة الضعف التي تمر بها وهو تحدي وجود (الدولة القطرية) في الوطن العربي الكبير الواحد..

إن من بين اخطر وابرز التحديات التي تعترض طريق امتنا العربية الساعية للقضاء على التجزئة والتفتت والتخلص من الإستعمار والهيمنة الأجنبية وتحقيق الوحدة العربية هو التحدي المتمثل بوجود( الدولة القطرية) فوق الأرض العربية وما يعنيه ذلك من خطر حقيقي على سعي العرب للوصول لتلك الوحدة عبر اقامة دولة عربية واحدة فوق الأرض الممتدة مابين الخليج العربي والمحيط الاطلسي والتي بحسب ما قاله المفكر العربي الكبير عصمت سيف الدولة في كتابه المعروف (العروبة والاسلام )(كانت الأرض العربيةمنذ فتح مكة والجزيرة مقسمة الى ولايات واقاليم على كل منها امير ثم بعد ذلك وال او سلطان يعينه ولو اسميا الخليفة ولم يحدث ابدا منذ الفتح الأسلامي حتى الإستعمار الأوربي ان قامت بين تلك الولايات حدود او سدود او قيود ولم يحدث ان خليفة او حاكما او اميرا او واليا قسم الأرض او اراد تقسيمها بل كان طموح كل منهم حتى الفاشلين ان يكونوا حكاما على كل تلك الأرض الواحدة ) ..لقد كان هدف الإستعمار قديما وحديثا هو تفتيت وتجزئة الأمة العربية الى اقطار ودويلات وكيانات صغيرة بعضها ضد البعض الاخر تدور في فلكه وتنفذ سياساته ليتمكن من الهيمنة عليها والتحكم بمصيرها ونهب خيراتها واستغلال ثرواتها والإستفادة القصوى من موقعها الإستراتيجي الحيوي اضافَة لمنعها من استعادة وحدتها وقوتها ودورها الحضاري الذي تميزت به عبر التاريخ. ..لقد جاءت اتفاقية سايكس بيكو السوداء التي عقدها الإستعماران القديمان : بريطانيا وفرنسا في العام 1916 لتجعل من ذلك الهدف الإستعماري البشع حقيقة واقعة على الأرض العربية فقد قسمت تلك الإتفاقية الشريرة الوطن العربي الواحد الى عدة دول هامشية تابعة لاحول لها ولاقوة وبذلك غدر المستعمرون البريطانيون بالعرب وتخلوا عن وعدهم لهم باقامة دولة عربية واحدة في المشرق العربي بما في ذلك الجزيرة العربية مقابل اشتراكهم في الحرب ضد الدولة العثمانية ..وفي الوقت الذي ساهم فيه العرب بدحر العثمانيين وتحقيق الإنتصار عليهم في الحرب العالمية الأولى فإن المستعمرين الأجلاف قد تنكروا لما تعهدوا به وتامروا على حلفائهم العرب بعقدهم لتلك الإتفاقية الظالمة مع الإستعمار الفرنسي الذي كان قد سيطر بالقوة على بلاد المغرب العربي…ومن خلال تلك الإتفاقية ونتيجة لها فلقد برزت الدولة القطرية العربية الى الوجود واصبحت بمرور الزمن لها شخصيتها المستقلة عن غيرها من الأقطار العربية لها انظمتها وتشريعاتها الخاصة التي تختلف بها عن شقيقاتها في العروبة مما اوجد اختلافات وخلافات وفجوات بظل وجود أنظمة حكم ذليلة تابعة خائنة خائفة وخلافات كثيرة سياسية واقتصادية ومصلحية بين الأقطار العربية واشعل حروبا كثيرة صغيرة وكبيرة فيما بينها مما جعل اغلبها تدخل في تحالفات وتعقد اتفاقيات او تدخل في محاور مع دول أخرى أكبر وأقوى منها خاصة مع الدول الكبرى كما هو قائم الان.. إن الدولة القطرية العربية ببنيتها السياسية وطبيعتها الإقليمية ونرجسيتها العالية والتي وفرت لها قوى الإحتلال والإستعمار كل أسباب الإستمرار والبقاء والحمايةفي وطننا العربي قد اثبتت فشلها في حماية سيادتها وامنها الوطني وعجزت عن تحقيق تنمية مستقلة مثلما فشلت في الإنتقال الى النظام الديمقراطي فيما نجحت في اقامة انظمة دكتاتورية مستبدة فتحت السجون والمعتقلات لمعارضيها معتمدة في بقائها على القوى الإستعمارية التي تقف وراء تخلفها واستبدادها.. واذا كان قد تحقق بعضا من المكتسبات والأهداف خلال القرن الماضي ابرزها تحقيق الإستقلال والتحرر ولو شكليا من القيود الأجنبية فان الدولة القطرية لم تبذل جهدا حقيقيا من اجل تجاوز حالتها القلقة غير الشرعية قوميا من اجل تجاوز قطريتها باتجاه نظام عربي وحدوي شامل قادر على حماية الوجود القومي للأمة يحقق وحدتها القومية ويعيد لها قدرتها على النهوض وبناء مستقبل جديد يضمن حريتها وكرامتها وإستقلالها ويؤكد حضورها على المستوى العالمي ..إن وجود كل قطر عربي على حدة داخل الحدود الضيقة التي أوجدها المستعمرون المحتلون وحافظت عليها الأنظمة الرجعيةالمتحالفة معهم هو عقبة كبرى في طريق كفاح شعبنا العربي من أجل التخلص من التجزئة وتحقيق وحدته القومية المنشودة،ومع هذا فإن الوصول الى حالة نظام عربي قومي واحد لابد له من المرور من خلال تلك الدولة القطرية بإعتبارها امرا واقعا يجب تخطيه وهذا بالطبع لن يحدث إلا من خلال ايجاد ظروف ووقائع ومستلزمات واجراءات يتوجب على الحركة القومية العربية الشعبية وعلى الأقطار العربية كدول تهيئتها منفردة او مجتمعة لتجاوز التشتت والتجزئةوصولا لدولة عربية ديمقراطية واحدة ومجتمع عربي ديمقراطي واحد وهو تحد مصيري قومي حضاري لا بد من الإرتقاء لمستواه والإرتفاع عليه لتلافيه وتخطيه خاصة إن الشعور القومي لدى الجماهير العربية مابين الخليج والمحيط شعور عارم وموحد بقوة ضد نظرية (الدولة القطرية)بإعتبارها عقبة قوية أمام تحقيق الوحدة العربية التي يناضل الشعب العربي في كل مكان في سبيل تقريب يومها وإنجازها وجعلها حقيقة حية فوق الأرض العربية.

مشاركة