الدكتور محمد كاظم المعيني يتتبع تحليلياً رحلة الإرتقاء الصيني وتجليات مستقبله

الدكتور محمد كاظم المعيني يتتبع تحليلياً رحلة الإرتقاء الصيني وتجليات مستقبله

كيف إستخدمت بكين سلالم النجاح ؟

عادل سعد

تظل مقولة (النجاح سلالم لاتستطيع ان ترتقيها ويداك في جيوبك) واحدة من الاسبقيات  التي يتخذها الصينيون تأشيرةً لمواجهة استحقاقات دولية وتكوين مواقع نفوذ  لهم ، وعندما  يؤكد وزير خارجية الصين ان بلاده (علّمت نفسها بنفسها) فانه في الحقيقة يختصر قصة طريق صيني اصبح معروفاً في منهجيات المواظبة والتحكم والمراجعة الدورية كلما اقتضت مسيرتهم ذلك  وفق امتيازٍ نادرٍ بقدرة التعافي السريع حين تصيبهم وعكة ما وتلك من علامات بيئة الارتقاء التي تناولها الباحث الدكتور محمد كاظم المعيني في كتابه الذي حمل عنوان (ايكولوجيا الارتقاء  ،الصين وتجليات المستقبل)  .

لقد اعتمد المؤلف سياقاً  يتسم بموضوعية  عميقة تتوخى عدم الانجرار الى المفاهيم الجاهزة ولهذا جاءت طروحات مقنعة في منظومة من السياقات المعرفية المهمة مبتدأً ذلك من ان تجربة الصين ( بدأت متناقضة مع التجربة الغربية ومؤسساتها العالمية لتسلك طريقاً يتلائم مع اوضاعها الاجتماعية والحضارية والاقتصادية والسياسية قائماً على مركزية السلط وسيطرة الحزب الواحد والمزاوجة بين اقتصاد السوق والاقتصاد المخطط)   ، ومع هذا التشخيص يستدرك المعيني بالقول ان تجربة الصعود الصيني لاتعني بأي حال من الاحوال دون مقابل  ، اي دون تحديات داخلية  تتعلق بمسالة توحيد الاراضي الصينيةالسيادية  ، والسلطة  ، والفساد ، والعنصرية   ، والهجرة الداخلية  ، والتلوث ، والجماعات الانفصالية  ، والغزو الثقافي، اما التحديات الخارجية على مستوى اسيا الوسطى، وجنوب شرق اسيا وجنوب اسيا اضافة الى تحديات امن الطاقة والاحتباس الحراري، والحرب على الارهاب وانتشار اسلحة الدمار الشامل  واحتمالات الاشتباك وكيفية تحاشيه

لقد توخى المؤلف  الانتقال التدريجي بالمتلقي من البديهيات الى الاستنتاجات مروراً بكمٍ هائلٍ من المعلومات في سردٍ  تحليليٍ متوازنٍ حقاً  رمنطلقاً من الادراك الصيني  لطبيعتي النظام الدولي والنظام العالمي والفرق بينهما  وما هي خصوصية النظامين العالميين القديم والجديد  ، ومفهوم القوى الكبرى  وتطور السياسة الصينية عبر مراحل زمنية تمثلت بالعهد الامبراطوري وصولاً الى مراحل الجمهوريات الاولى والثانية والثالثة  والرابعة  ، وتوقف عند وضع الصين خلال مرحلة الحرب الباردة وما بعدها،  ولزيادة توضيح التمدد الصيني عالمياً استعرض المؤلف  محطات جغرافية سياسية وجغرافية اقتصادية تمثلت باوضاع الشرق الاوسط والغرب عموما والتوجهات المعروفة الاخرى (منظمة التجارة العالمية، مجموعة دول البريكس  ، اقريقيا  ، امريكا الجنوبية مع ملاحظة ان كل هذه المحطات للصين اصابع استثمارية فيها  . لقد  سهّل المؤلف على القارئ امكانية التعرف على خريطة التمدد الصيني عالمياً والفزع الامريكي  من ذلك ، الوضع الذي احدث ارباكاً متعدد الصفحات في السياسة الاميركية دولياً بالرغم من تشعب النفوذ الامريكي المتمثل باكثر من 500 قاعدة عسكرية واساطيل تجوب اعماق البحار  وترسانة  نووية واخطبوط من الشركات العابرة للقارات ومجسات عولمة بنسخة اغرائية عالية التاثير  ، وتحكم  بممرات تجارية مهمة  ،وماكنة اعلامية صاحبة سطوة واسعة.

لقد نامت واشنطن على زعم ان كل شي على المائدة الامريكية لكنها افاقت لتجد ان المزاحمة الصينية هي الرهان الاشد وطاة عليها  ، وان تفكك الاتحاد السوفيتي لم يقدم الى الامريكيين العالم على طبق من ذهب مثلما توهم البعض وذهب الى حد الحسم ان القرن الواحد والعشرين سيكون قرناً امريكياً   ، والنتيجة باتت واشنطن غارقة في عدد من التداعيات التي لم تستطع ان تفلت من وطأتها  في الوقت الذي يتواصل الحضور الصيني  لتكون بكين المنافس الاقوى للولايات المتحدة الامريكية على اربعة طاولة نفوذ  ، عسكرية  ، اقتصادية، سياسية، معنوية مع ملاحظة جوهرية ان الصين لم تتلوث سمعتها في احتلالات ومشاريع عسكرية وحروب على غرار تلوث الولايات المتحدة الامريكية  ، وهكذا ايضا  ان صراع الحضارات بنسخة المفكر الامريكي صاموييل هنتنغتون بحاجة الى بعض التصحيح في ظل اسبقيات بدات تحتل الطاولة الدولية وترسم علامات جديدة لعالم لن يشهد الاستقرار لكنه يعرف ثمن الحماقات.

{ { { {

لقد نجح الباحث في رؤيته كونه اعتمد مقارنات ومقاربات تحليلية للمشهد الدولي العام تأسيساً على وقائع ميدانية تفيد ان التفوق الصيني ليس في اجندته التوقف عند حدود معينة  مع وجود هامش متغيرات دولية متسارعة وفي هذا السياق

يعتقد الجيل الحالي من القادة الصينين بان النمو الاقتصادي المضطرد هو المفتاح الرئيس لتحقيق الاستقرار السياسي الداخلي ومن ثم قد يؤدي الى التناغم مع البيئة الدولية لكن من جانب اخر يجب ان لا تنسى بأن القوة تولد الغطرسة وتسهم في انهاء طموحات التوسع الجيوبوليتيكي نحو مجالات حيوية جديدة إذ أكد ( مارتن جاك ) في كتابه الشهير عندما تحكم الصين العالم بأن القوة الصاعدة يمكنها توظيف قوتها الاقتصادية في الوقت المحدد من اجل تحقيق غايات سياسية ثقافية وعسكرية  في حين ان القراءة الميدانية الدولية تقر بوجود تراجع لوجستي في القوة الامريكية بعد تصدع عدد من اذرعها الدولية واخذت تعاني  نقاط ضعف عديدة على المستويين المحلي والخارجي وذلك بسبب عدم توظيف الاستراتيجي المتوازن لعناصر القوة الامريكية فمحلياً أشار بعض المراقبين الى ان المجتمع الأمريكي يحمل في جنايته مجموعة من عوامل التراجع  مع صعود تأكيد الهويات  وتفاقم الدين المالي العام والهشاشة البنيوية في المعالجات التي سهّلت الى حد ما  احتمالات تكرار الخروقات بخلاصة تحليلية  ،(سيناريو التعاون او التنافس بين الصين و الولايات المتحدة الامريكية خلال السنوات القادمة خاضع لجدل كبير وواسع  ، ولعلنا لا نجانب الحقيقة اذا علمنا انه لا جار في اسيا يريد ان يختار الولايات المتحدة الامريكية والصين كخيارين منفصلين لأن هذه المنطقة تتميز بكونها منطقة حرجة يصعب التنسيق المنفر فيها وعليه فان سيناريو التعاون الأمريكي الصيني قد يشكل صرة نمطية اكثر مقبولية واستقرار وفائدة لدول منطقة شرق اسيا) هذا بجانب( ادراك القيادة الصينية على عدم إعطاء الولايات المتحدة الامريكية فرصة جعل الصين عدو لها مع ضرورة استبدال فكرة التنافس بفكرة الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الامريكية لاسيما في ظل المتغيرات العالمية التي باتت تهدد الامن والسلم الدوليين ومنها مسألة الحرب على الإرهاب والتي أدت دوراً حاسماً في تحويل المتنافسين الى شركاء رغماً عنهم،) اضافة الى ضغوط البيئة والمتغيرات المناخية  ، وهكذا لابديل جاهز الان لتغيير قواعد اللعبة الدولية جذريا لأن الثمن سيكون قاسيا ومدمراً وليس هناك من يتفرغ لتصريفه . علماً انها

الحماقة بعينها ان تنفرد القوة المفتوحة في تكوين مجالات واعدة لها

لقد اجاب الدكتور محمد كاظم المعيني عن العديد من الاسئلة المعلقة الان  واذا كان لنا ان نضيف فان من الانصاف الاشادة  بأنتباهته المتمثلة في  اهداء  منجزه المعرفي هذا الى صانع  القرار  في العراق  ، والى مثقفي العالم والمهتمين بالشأن الاستراتيجي من اجل التبصر في الارتقاء الصيني تجربةً غنيةً  لا تكتفي بمعرفة معالم الطريق وانما ايضا  يرصد المزيد من الاحتياطي المضموم كفائض قوة مادية واعتبارية  يمكن استخدامه لأجتياز المطبات  ماقاله الدكتور محمد  المعيني وصفة تحليلية بمقادير متحركة حسب الحاجة

{ { { {

يرى الباحث الدكتورمحمد كاظم المعيني ان  مفهوم القوة الوطنية الشاملة قد توسع فأصبح يتضمن عدة أنواع من القوى هي

1- القوة الصلبة التي تضم (الإسكان ، الأرض ، الموارد الطبيعية ، القوة العسكرية ، القوة الاقتصادية )

2- القوة الناعمة والتي تضم ( التماسك والتعاون ، سحر الحضارات والثقافات والقيم ، سياسات او قرارات صحيحة ، استقرار سياسي )

3- قوة الترابط وتضم ( قدرات الاقتصادية والتجارية التي تدفع بأتجاه الاعتمادية المتبادلة بين الدول

4- القوة الإبداعية وتضم قدرات إبداعية مثل ( التكنولوجيا ، عامل المعرفة ، الثقافة و الادارة والاليات والأنظمة )

5- قوة الإرادة الوطنية وتضم (القدرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية ، وتحديد ومتابعة الاستراتيجيات الوطنية )  ويعتقد الباحث الصين استثماراً لهذه الانواع من القوة على وفق النقاط الاتية

1- ان هذا التكيف مع الاحداث يعد اهم إنجازات القيادة الصينية مؤخراً ، فقد ظلت لسنوات طويلة تستجيب للأحداث المحيطة بها كرد فعل ، من دون ان تكون الصين قادرة على المبادأة بالفعل

2- التغير الذي طرأ على نظام الدولة برمته ، من تذبذب النظام الشيوعي وتجزئة السلطة السياسية الذي اتضح بشكل مطرد من خلال ارتفاع النسبة العددية للمقاطعات والولايات 3- العودة الى ديمقراطية السوق بعد انتهاء مرحلة الاستبداد السلطوي وازدياد اتساع الأسواق والتنافس بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية

4- إعادة بناء اقتصاديات السوق العالمية بدعم من القوة الغربية  ولاسيما الولايات المتحدة الامريكية الى مستوى من التكاملية البنيوية الوظيفية التي لم تكن معروفه سابقا إذ إن الصين مرت بمرحلة انتقالية من العزلة الى الاكتفاء الذاتي ثم الاعتمادية

5- نمو الشركات التي تقدم الخدمات والدعـــــم اللوجستي وكذلك الشركات الصناعية ابتداءً من المؤسسات الوطـــــــنية التي أسست لها فروعاً خارج حدود الصين

6- انتـــــــقال الصين من عضوية النظام الشيوعي الدولي الى المشاركة الـــــــكاملة في النظام العالمي ، مما أدى الى تفكـــــــيك رمز الاشتراكية وتحويل الايدولوجيـــــــة الماركــــــــسية الى ايدولوجية جديدة معتــــــــمدة على القــــــــومية التي تتبع سياسة التكيف الهيكلي مع الأوضاع المتغيرة ، بمعنى التحول من الأممية الى القومية

7- ان التطور والنمو الذي حدث للصين كان بسبب اعتماد القيادة الصينية بدرجة كبيرة على التجربة والخطأ للحصول على افضل النتائج بمعنى تطوير التقنيات القديمة لاسيما مع صعوبة الحصول على التكنولوجيا  الحديثة  مع خصوصية تمددية تتحاشى الاصـــــــــطدام المباشر مع النفوذ الامريكي الوضع الذي اربك السياسة الخارجية الامريكية في التعاطي معه علما ان الصين لم تستخدم جندياً واحداً في انتشار نفوذها فلا قــــــواعد لها  سوى شركات ومهنيين بمختلف الاختصاصات بواظبـــــــون على خدمة البلدان التي يتواجــــــدون فيها مغلّـــــــفة بالمزيد من ابتــــــسامات الاطمئنان  ، وتلك مفارقة ورٌطت  صانع السياسة الامركية بحالات من التخبط والتوتر كردود  فعل من دون اية مفاتيح لوجستية فاعلة.

{ مصادر القوة والحكمة  وفرص الأصطدام مع  النفوذ الامريكي او التعايش معه.

{ ماهي الاسبقيات للافادة من الوصفة  الناعمة التي يستخدمها الصينيون.

مشاركة