الدكتور علي جواد الطاهر ورأيه في طه حسين

1582

الدكتور علي جواد الطاهر ورأيه في طه حسين

فصول ذاتية من سيرة غير ذاتية

شكيب كاظم

هذا كتاب نشر بعد وفاة أستاذي الدكتور علي جواد الطاهر (1919 أو 1922-1996)، الذي عرف عنه اهتمامه الشديد بنشر إرثه الإبداعي والبحثي، وقد تولى ذلك بنفسه وفي حياته، ولعل من بعض دوافع ذلك ما وقر في الذهن من افتقار البلد إلى مؤسسات تعنى بإرث من رحل، فهي لا تكاد تهتم بالأحياء فكيف بمن رحل؟!

هذا الكتاب احتوى على مقالات أو فصول ذاتية من سيرة غير ذاتية، ولقد عرف عن أستاذي الطاهر، عدم رغبته في نشر شيئ من سيرته الذاتية، هو الذي درس في فرنسة السوربون وأذهله هذا الكم الوافر والوفير من الدراسات الذاتية، ولعل في عزوفه هذا دوافع ذاتية أفصح عن بعضها في مقدمة الكتاب، منها أن قراء السير الذاتية إنما يتوقون إلى رؤية ما للكاتب من خوارق ومغامرات، والطاهر ليس له شيء من هذه الخوارق! لكن إذ تطلب منه جهات ثقافية منها مجلة (الأقلام) وجريدة (الثورة) كتابة شيئ من سيرة الدراسة أو العملية النقدية، فلم يجد بدا من الاستجابة، وهكذا كان.

الكتاب هذا الذي عنوانه ( فصول ذاتية من سيرة غير ذاتية) التي تولت الدار العربية للموسوعات ببيروت نشر طبعته الأولى عام (1435هـ-2004) ويقع في أزيد من ثلاث مئة صفحة، هو هذه الفصول التي سبق نشرها في (الأقلام) أو (الثورة) وقد جاءت مقتصرة على الشأن الثقافي والدرس، منذ البداية لدى (الملا)-ونظل نصفهم بـ( الكتاتيب) والكتاتيب مصرية، وما في العراق كتاتيب- وانتهاء بالدراسة العليا في السوربون الفرنسي، مروراً بدار المعلمين العالية ببغداد، ومن ثم الرحيل نحو كلية آداب جامعة فؤاد الأول بالقاهرة، لإمضاء سنتين ليحصل على الليسانس وتعادل البكلوريوس في العراق التي تؤهله للانتظام في الدرس السوربوني، فضلا عن فصول في تجارب الكتابة النقدية ومؤهلات الناقد وثقافته.

  أساتذته

الكتاب الذي ناف على ثلاث مئة صفحة من الحجم الكبير، سياحة فكرية ومعرفية لذيذة في عوالم الثقافة والأدب، واقفا عند أساتذته سواء في الدرس المتوسط والثانوي، ويقف في المقدمة منهم أستاذه (محمد احمد المهنا) ومن قبله معلمه الأستاذ عبد الحميد حمودي، أبو  الباحث والناقد باسم، والشيخ أرزوقي ( الشيخ عبد الرزاق السعيد)، أم عن أساتذته في دار المعلمين العالية، ويقف طويلا عند الدكتور محمد مهدي البصير ومنهجه في التدريس، والأستاذ طه الراوي والدكتور مصطفى جواد، وإذ يوجب عليه الدرس في فرنسة أن يلم بكلية الآداب بالقاهرة وفي ذهنه الأساتذة الكبار: طه حسين واحمد أمين وأمين الخولي، لكن يفجأ بإعفاء طه حسين من العمادة؛ عمادة كلية الآداب، ويأتي التعويض عن ذلك حضوره بعض محاضراته، لكن يفجعه المستوى الضعيف للطلبة بله الأساتذة، فهم في شغل شاغل عن المحاضرة والدرس، سوى الشيخ أمين الخولي الذي يدرسهم علوم القرآن، ويكاد يشط به الهوى فيقول الذي لا يجوز قوله، لكن يمر هذا القول الخطير من غير أثر لأن الطلبة غير ابهين بهذا الذي يفوه به، فضلاً عن شيخوخة أحمد أمين التي تقعده عن تقديم الدرس المطلوب، احمد أمين الكاتب الذي كان ذائع الصيت- كما يقول الطاهر- يدخل الصف يائساً، محني الظهر، ضعيف البصر، مثقلا بالهموم، فيلقي بنفسه على المنصة حتى يكاد ينام عليها، ويفتح كتاباً ويبدأ يقرأ ويعلق ولا تجد من يصغي إليه. فماذا كان يقرأ بصوته الواهن؟(…) وينتهي الدرس كما بدأ ويخرج الأستاذ (الجليل) يائساً كما دخل يائساً، ترى أما كان للأستاذ الجليل من (المال) ما يغنيه عن هذه المهمة الشاقة جداً عليه وعلينا؟(…) والمعروف أن الرجل من الغنى بحيث يستطيع أن يريح نفسه! تنظر.ص.258

وهو أحمد أمين الذي ينافس الشيخ أمين الخولي على قلب عائشة عبد الرحمن، وكل يريدها زوجة ثانية، فيفوز الخولي بها، حتى إذا حان الحين لمناقشة بحث الدكتوراه الذي تقدم به الطالب محمد أحمد خلف الله وعنوانه (الفن القصصي في القرآن) وأمين الخولي مشرفا على البحث، فيهتبل أحمد أمين المناسبة لتصفية الحساب مع الخولي، مدعياً أن البحث خروج على المنهج الديني فكيف نستعمل (الفن) في شأن من شؤون القرآن، وكيف يعالج القصص القرآني معالجة القصص الدنيوي؟ وعلى الطالب أن يعيد النظر فيها!

وهذا الدكتور شوقي ضيف لا يفرق بين الشعر الوجداني، والشعر الغنائي، عاداً الشعر الذي يغنى؛ يغنيه المغنون شعراً غنائياً، وما ذلك بصحيح، وإذ يناقشه تلميذه الطاهر في هذه الفذلكة يجيبه جازماً: أجل هي منه. كل شعر غناه المغنون هو شعر غنائي؟!

مستوى دار المعلمين العالية العلمي

علي جواد الطاهر، يفجؤه البون الشاسع بين المستوى العلمي لدار المعلمين العالية ببغداد في أربعينات القرن العشرين، وبين المستوى العلمي لكلية آداب جامعة فؤاد الأول، ومستوى الطلاب في العراق مقارنة لهم بزملائهم في مصر على الرغم من الشهرة الواسعة التي نالها أساتذة الكلية ومنهم: عبد الوهاب عزام وأحمد الشايب ومصطفى السقا وعبد الهادي أبو ريدة وسهير القلماوي فضلا عما ذكرت آنفاً.

ولكي لا يبخس الناس أشياءها فهو يشيد بعلمية الشيخ أمين الخولي والمعيد محمد احمد خلف الله، ودماثة خلق عميد الكلية عبد الوهاب عزام وتقديره للعراقيين، وهو الذي سبق أن رحل إلى ديارهم أستاذاً في دار المعلمين العالية.

ويغتنم الأستاذ الطاهر شهور مكوثه في القاهرة، ليزور أدباء مصر وكتابها، فكانت زيارة لأحمد حسن الزيات والرجل (متعب)، وزيارة لتوفيق الحكيم، وثالثة لمحمود تيمور وقد توثقت صلته به واستمر في إهداء كتبه إليه، وأخرى مخيبة للآمال؛ زيارة لعباس محمود العقاد.

رأيه بالعقاد

الأستاذ الطاهر، يعلن – بداية- ضيقه بالعقاد وأسلوب كتابته، لذا فهو زاره في مجلسه الذي يعقده ضحى كل جمعة، غير معجب به ومحب له، بل ليزوره فقط، كأنه إسقاط لفرض، وهو ما استطاع قراءته بل حاول” ولكنك لا تمضي معه أكثر من سطور، ونظرات هنا وهناك على أول هذه الفقرة من المقالة أو تلك.. لحظات وتضيق ذرعا وإذا بك تسير يدا بيد مع آخرين كطه حسين أو الزيات أو المازني أو زكي مبارك.. كلهم إلا الكاتب الكبير” تراجع. ص107

وفي جمعة ما يجده يستقبل زواره وهو في (البجامة) وعلى رأسه طاقية من قماش البجامة ذاتها، وضيافة العقاد لا تعني أكثر من فتح الباب لزائريه، واقتعاد أقرب (تخت) إليك في هذه القاعة، ثم ما عليك سوى الاصغاء، فالرجل وحده الذي يتكلم، وان أردت المشاركة فليس اكثر من إبداء إعجاب أو تأييد، أو طرح سؤال! تنظر ص111

ويقترب الظهر وينفض السامر وتعود أدراجك وتسأل نفسك عما بقي في نفسك من زيارة (الكاتب الكبير) سوى قولته ووراءها ما وراءها من حقد وحسد: ذلت أمة أديبها طه حسين ومطربها محمد عبد الوهاب. تنظر ص113

هو يرى أن العقاد لا يوحي بالمهابة والجلال والقدسية، وقد يرد ذلك إلى تعاظمه وبعده عن التواضع وعن الروحية ومعاناته النسيان، فهو كثير النسيان، نسّاء!! تنظر ص112

في حين يخص الأستاذ الطاهر، يخص الدكتور طه حسين بفصل شيق واصفاً إياه بأستاذي.. هو الذي خصه بمقال ضاف آخر عنوانه (نبأ) عن نبأ رحيل طه حسين وأعاد نشره في كتابه (أساتذتي. ومقالات أخرى) تقرأ هذا الفصل فتطرب وتعجب.

ملاحظات

1—جاء في الصفحة 17 وتسميته ( علي) ما نصه: “ولو لم يسمه عليا لسماه بما هو معروف في المحلة والبلدة حسن وحسين (….). ولم يمر بالحلة اسم من هذه الأسماء التي تنتهي بتاء (طويلة): مدحت، بهجت.. إلا ما كان من اسم وليد جار لنا، سماه أبوه (حكمت) ويمكن أن يرجع سر التسمية إلى أن أقرب (حكمت) إلى الحلة هو (حكمت الجادرجي) الذي تملك أسرته أراضي واسعة من البساتين على طريق الحلة- بابل والأسرة أصلاً من بغداد”.

أقول: لعل أستاذي يقصد (رفعت) أبو الأستاذ كامل الجادرجي وليس (حكمت)

2–ص19 جاء قوله: “وغيري يحدثك عن دكة عاكف، وعاكف هذا قائد تركي أرسله السلطان عبد الحميد (الثاني) لتأديب الحلة وكانت بلدة تمرد نكلت بالجيش العثماني أكثر من مرة،… وقد صوروا للسلطان على أنهم غير مسلمين”.

أقول: علق الباحث رفعة عبد الرزاق محمد الذي أعارني الكتاب على حاشية الصفحة ذاتها ما نصه “لم يكن السلطان عبد الحميد في الحكم فقد عزل سنة 1909 ونصب مكانه أخوه محمد رشاد”

3-ورد اسم المؤلف احمد عزة دروزة مرة على الصفحة 47 لدى الحديث عن كتابه (التاريخ العربي) فهو كتاب سلس على ضخامته. ويرد ذكره ثانية على الصفحتين 61و62 ما نصه: ” والكتاب الثالث (….) كتاب ( تاريخ الأمة العربية) مؤلفه فلسطيني يقيم في العراق، كان مدرساً في دار المعلمين الإبتدائية، الدرس ليس جديداً علينا، فلقد تلقيناه من قبل في الصف السادس على كتاب المؤلف السوري أحمد عزة دروزة وكتاب المقدادي شبيه به في المنطق.

أقول: أستاذي الطاهر يقصد بالمقدادي؛ درويش المقدادي، وصحة اسم دروزة (محمد عزة دروزة) وليس أحمد كتبت عنه مقالا في جريدة (العراق) صيف سنة 1989 علقت عليه الأديبة سهام الناصر. ودروزة من الرعيل القومي العربي الأول الذي عمل من أجل القضية العربية، ولد في نابلس سنة 1889 وتوفي سنة 1984.

4- ص 253 لدى حديثه عن مقابلاته عدداً من أدباء مصر جاء قوله:”” وسلامة موسى ومقر مقابلاته: جمعية الشبان المسيحيين، قابلته وزاد إعجابي به وهو الذي يعجبني منذ زمن بعيــــــد”.

أقول: لقد قرأت مقالة لأستاذي الطاهر، خلاف هذا المعنى نشرتها ثقافية جريدة (الجمهورية) في 25 من تشرين الأول 1985 عنوانها(سلامة موسى)  أعاد نشرها في كتابه ( أساتذتي. ومقالات أخرى) الصادرة طبعته الأولى عن دار الشؤون الثقافية ببغداد سنة 1987، وسأقتبس منه ما يؤيد قولي: “وبلغ القاهرة.. والحال متوترة.. والنقراشي وفاروق في أعلى مراحل الشدة. بلغ وتهيأ له أن يقرأ كتاب (تربية سلامة موسى) في بلد سلامة موسى واكتشف الطلبة المصريون الكتاب، ولو قلت لك إنهم- في جملتهم- يجهلون رجلاً كاتباً، اسمه سلامة موسى لما صدقتني، ولو قلت لك إنني أتحدث عن طلبة قسم اللغة العربية بكلية الآداب لأوغلت في تكذيبي. ولو قلت لك إن الذي عرفه منهم عرفه على أنه سلامة حجازي لتوقفت عن القراءة (…) وتبقى الزيارة التي لا بد منها ومهما يكلف الأمر.. وها أنا ذا في حارة شعبية (..) وتمتد اليد إلى الجرس، فيفتح الباب وتطل امرأة (..) قالت السيدة المحترمة: يمكنك الالتقاء به في جمعية الشبان المسيحيين (..) العجب من هذا الكاتب الذي علمنا شيئاً ويلتقي في المكان الذي لا يكون فيه! وتذكرت ما كان من أسماء أولاده. خوفو وخفرع (وربما ميكرع).. وما روي في غير مصلحته من أشياء تضعه في موضع المتناقض (..) وجلست أحدثه ومعي حماستي التي صحبتني من عراق 1947(..) ولكنه ليس معي..(..) ولم يطل اللقاء.. لأن أهراماً شاهقة قد تهاوت من مخيلتي، ولم يكن سلامة موسى الذي إزائي سلامة موسى الذي ملأ ذهني (..) وانتهى في النفس شيئ اسمه سلامة موسى، فقد مات فيها سنة 1948(وليس 1958 حين مات عن إحدى وسبعين سنة)”. تراجع. ص295ص 296.

5- يورد الطاهر في الكتاب ذكر أخيه الأكبر مراراً وتكراراً، في موضع الشكر وعرفان فضله عليه وتيسير أمر درسه، فكنت أعلق على حاشية الكتاب أو أناجي ذاتي. لماذا لا تذكر اسمه يا أستاذي؟ هو بعض حقه عليك وعلينا، حتى قرأت مقالته (أخي في تجاربي) التي نشرها أول مرة في جريدة (الجمهورية) في 7/8/1992 وأعيد نشرها في كتابه (كلمات) الذي أصدرته دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 1997، لأعرف ويعرف القراء أن اسم أخيه الأكبر هو (عبد الكريم) فهذا أقل ما يجب عليه وعلينا إزاءه أن نذكر؛ أن نذكر عبد الكريم جواد الطاهر. وأياديه البيض على شقيقه علي جواد الطاهر.

مشاركة