الدكتور علي الوردي مالئ الدنيا وشاغل الناس – عـلاء لازم العيـسى
بالرغم من بروز شخصيات لامعة يُشار إليها بالبنان في سماء الساحة الثقافيّة العراقيّة ، أثبتت جدارتها العلميّة فيما كتبت وألّفت وترجمت ، فأسهمت في نشر بذور علم الاجتماع الحديث في العراق ، ووضعت اللبنات الأولى لدراسة الظواهر الاجتماعيّة في الريف والصحراء والمجتمع الحضري ، كالدكتور عبدالجليل الطاهر المولود في البصرة سنة 1917 والمتوفى سنة 1971 والدكتور حاتم الكعبي المولود في مدينة الكاظميّة سنة 1917 ولكن يبقى ــــــ والحق يقال ــــــ المرحوم الدكتور علي الوردي المولود في مدينة الكاظميّة سنة 1913 أكثرهم شهرة بين الخاص والعام وعلى جميع المستويات ، وتبقى مؤلفاته الأكثر رواجاً ومبيعاً وضجيجاً . لقد كانت معظم فرضيات وطروحات الدكتور علي الوردي ـــــــ وباعترافه ـــــــ ليست من بنات أفكاره ، بل اقتبسها من بعض علماء الاجتماع المعروفين ، وحاول أن يحوّرها ويطوّرها لكي تنسجم مع واقع العراق ، وإذا أردنا أن نحصي أهم هذه الآراء والفرضيات ، فهي :
أولاً : قوله بالتنويم الاجتماعي ، وهو أن الإنسان يخضع في حياته الاجتماعيّة لتنويم يشبه من بعض الوجوه التنويم المغناطيسي ، وهو ما أطلق عليه تسمية التنويم الاجتماعي ، فــالإنسان لا يفكــّر بعقله المجرّد ، بل هو يفكــّر بعقل مجتمعه ، فهو ينظر في الأمور ، ويميّز بين الحسن والقبيح منها حسب ما يوحي به المجتمع له ، وإذا جاءه أحد يحاول إرشاده إلى تفكير آخر ، ظنّ انّه جاء ليدلّه على طريق الخطأ أو الضلال ، ثم قال مستدركاً : ولست أعني بهذا أن الفرد يأخذ كلّ مميّزات الشخصيّة من المجتمع الذي يعيش فيه ، فهناك في أعماق كلّ شخصيّة جزء دفين لا يمكن أن يخضع لقواعد المجتمع أو يستجيب لإيحائه ، إنّ هذا الجزء هو السبب الذي جعل كلّ فرد من الأفراد يختلف عن غيره في تكوين شخصيّته ، رغم منشأه في نفس المجتمع الذي ينشأ فيه غيره .
ثانياً : حيلة إزدواج الشخصيّة العراقيّة ، ويريد بها التناقض بين الأفكار والسلوك ، وعنده أن العرب مصابون بداء ازدواج الشخصيّة أكثر من غيرهم من الأمم ، وأن العراقي أكثر ازدواجاً من غيره من أبناء العرب ، وازدواج الشخصيّة هذا يختلف من بعض الوجوه عن النفاق ، فالمنافق مزدوج في قوله أو فعله ، ولكنه يعرف أنه مزدوج إذ هو يتقصد هذا الإزدواج ، أمّا مزدوج الشخصيّة فهو لا يدري بازدواجه ، وهو لا يريد أن يدري ،ولتأييد ما قاله عن إزدواج شخصيّة الفرد العراقي ، يأتي بمثال فيقول : حدث مرّة أن أقيمت حفلة كبرى في بغداد للدعوة إلى مقاطعة البضاعة الأجنبيّة ؛ وقد خطب فيها الخطباء خطباً رنّانة ، وانشد الشعراء قصائد عامرة وقد لوحظ آنذاك أن أغلب الخطباء والشعراء كانوا يلبسون أقمشة أجنبيّة ، والعياذ بالله . ولم يخلص حتى الأمراء والحكــّام عند الدكتور الوردي من هذه الازدواجيّة ، فهذا الرشيد العبّاسي كان من هذا الطراز ، يقول صاحب الأغاني : كان الرشيد من أغزر الناس دموعاً في وقت الموعظة ، وأشدهم عسفاً في وقت الغضب والغلظة .
خطأ علمي
وعندما إتّهم الدكتور الوردي بأنّه أخطأ علميّاً في استخدام مصطلح ازدواج الشخصيّة بوصفه مرضاً نفسيّاً وليس ظاهرة اجتماعية ، دافع عن نفسه بكلّ ثقة وهدوء مستشهداً بآراء بعض الباحثين الأجانب كالباحثين الاجتماعيين بيج و مكايفر ، والأمريكي كيمبل يونغ ذاكراً إشاراتهم المتعلّقة بالشخصيّة المزدوجة ، مذكــّراً أن علماء الاجتماع لم يعنوا بموضوع ازدواج الشخصيّة عناية كبيرة ، فهم أشاروا إليه إشارات عابرة دون أن يتعمقوا في دراسته ، ولعلّ السبب في ذلك هو أنّ ظاهرة الإزدواج لم تنتشر في مجتمعاتهم بمقدار ما انتشرت في مجتمعنا .
ثالثاً : فرضية الصراع بين قيم البداوة وقيم الحضارة ، وقد اقتبسها من ابن خلدون الذي يعدّ أوّل مفكــّر إجتماعي في العالم ، درس البداوة دراسة مستفيضة ، كما حاول اكتشاف النواميس التي تتحكم فيها عند تفاعلها مع الحضارة ، إذ ركــّز الدكتور الوردي على هذه الفرضيّة مشيراً إلى وجودها في واقع الحال العراقي في التربيّة البيئية والاجتماعية ، من خلال تركيز بعض القيم البدويّة الفضّة كالسلب والنهب والفرهود ، وإن قوة ظهور هذه السلبيات معتمدة سلباً وإيجاباً على قوة الحكومة وضعفها فإذا ضعفت الحكومة في قطر ضعفت الحضارة معها وبالرغم من أن الدكتور الوردي ذمّ إبن خلدون في أكثر من موضع في كتبه ، فمرة يصفه بالانتهازيّة فيقول : يبدو إنّ الذي دفع إبن خلدون إلى اعتبار العرب أكثر بداوة وتخريباً ووحشيّة من غيرهم ، سببان : أوّلهما : محاولة ابن خلدون للتقرّب من تيمورلنك ونيل الحظوة عنده ، ولا ننسى أنّ ابن خلدون كان في سيرته الشخصيّة انتهازياً فظيعاً ، يود التقرّب من الملوك ، وقد يقلب في سبيلهم الحق باطلاً … ، ومرة يصفه بأنّه غرضياً في إنتقاءاته وغير ملتزم بالطابع العلمي الموضوعي ، فيقول : إن ابن خلدون لا يبالي أن يهمل الكثير من الاحاديث إذا رآها غير ملائمة لمنطق نظريته الإجتماعيّة ، أقول : على الرغم من ذلك إلا اتخذ منه قدوة وأسوة في فرضيّة الصراع بين البداوة والحضارة ، ومن ثمّة في تطبيقها على المجتمع العراقي .
رابعاً : فرضيّة التناشز الاجتماعي ، وهذا يحصل في كلّ المجتمعات التي تعرّض للتغيير الاجتماعي ومن ضمنها المجتمع العراقي ، و التناشز الاجتماعي بأبسط تعريف ، هو : حدوث تفكــّك في الروابط الاجتماعيّة من جرّاء حصول تغيّر في بعض من الكيان الاجتماعي ، أكثر من حصوله في الأجزاء الأخرى ، فمن الأجزاء ما تقبل التغيّر بسهولة كوسائل النقل أو طراز المساكن أو طرق العلاج ، وهناك أجزاء ــــــ على النقيض من ذلك ــــــ لا تقبل التغيّر إلّا بصعوبة كبيرة ، كالعقائد الدينيّة ، والطقوس الموروثة ، وعادات الفخار وغيرها .
ركود نسبي
فالمجتمع العراقي في القرن الثامن عشر كان في حالة ركود نسبي وظل كذلك حتى أواسط القرن التاسع عشر عندما بدأت بواكير الحضارة الحديثة تصل إليه شيئاً فشيئاً ، كالباخرة ، والتلغراف ، والحاكي ، والترامواي ، والسيّارة ، وغيرها ، فبدأ المجتمع يتغيّر ولكن تغيّره كان بطيئاً ، ولذا كان التناشز الإجتماعي فيه ضعيفاً .
وكانت الحرب العالميّة الأولى حدثاً إجتماعيّاً مهمّاً في العراق إذ نقلته من حالة إلى أخرى ، فحصل من جرّاء ذلك تغيّر سريع نسبيّاً ، وبدأ التناشز الاجتماعي يلعب دوره فيه بشكل واضح .
خامساً : ومن الحسنات العلميّة التي يجب أن تحسب للدكتور علي الوردي ، هي أنّه كان من السبّاقين ، و من أوائل من لفت الإنتباه إلى القدرات غير المحسوسة الكامنة في العقل الباطن للانسان في كتابه خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصيّة الناجحة الصادر عام 1952 والذي استند فيه إلى معطيات الفلسفة وعلم النفس والفيزياء في تفسير الظواهر المتعلّقة بالقوى النفسيّة الخارقة الموجودة في الإنسان .
أخيراً فهناك سؤال لابد منه ، وهو : لماذا لا تزال كتب وأطروحات الدكتور الوردي وهو في قبره هي الأكثر ضجيجاً وإثارة للجدل ؟ والجواب من وجهة نظري كقارئ وباحث ينحصر في ثلاث نقاط مهمّة :
الأولى : أنّه هبط بعلم الاجتماع من مدّرجات الجامعة وقاعاتها إلى المقاهي والأزقّة والدكاكين ، حيث أنه خاطب الناس بلغتهم بعيداً عن المصطلحات العلميّة ، فكان اسلوبه ما يطلق عليه في البلاغة السهل الممتنع . الثانيّة : انه تناول في كتاباته موضوعات دينية واجتماعيّة حسّاسة لها مساس بكل الناس ، ويهتمّ بها كلّ أغلب الناس .
الثالثة : امتلاكه جرأة قل نظيرها في تشخيص الأمراض الاجتماعيّة والنفسيّة متخطيّاً في ذلك بعض الخطوط الحمراء .



















