الدكتور جاسم العزاوي لـ (الزمان): رغم الظروف الصعبة أنقذنا الآلاف من وباء الكوليرا

1101

الدكتور جاسم العزاوي لـ (الزمان): رغم الظروف الصعبة أنقذنا الآلاف من وباء الكوليرا

بغداد –  محمد رشيد الدفاعي

تعجز كل الكلمات على وصف ضيفنا فهو دائما يقدم كل ما لديه في مساعدة الآخرين، أخصائي في أمراض القلب والباطنية، ولد عام 1954 من عائلة بسيطة ويعود نسبه الى عشيرة العواد (العزاوية) والتي تتمركز في قضاء الشطرة- محافظة ذي قار ، عاش وسط معاناة مرضية لعدد من أفراد الأسرة من بينهم والده (الله يرحمه ) والذي خلق في نفسه حلم طفولي ساذج بان يكون طبيبا وخطا هذا الحلم خطواته للواقع بتشجيع أساتذته المعلمين بعد ان لاحظوا وجود تميز وذكاء في الأداء ليتحول الحلم الى تطلع في فترة دراسته المتوسطة واتضحت الرؤيا يصاحبها تخطيط في الانتماء  إلى كلية الطب وهذا يتطلب الجدية والسهر والالتزام بجميع النواحي، هذا اذا ما علمنا عدم وجود إمكانية مالية للدروس الخصوصية.

جهود مضاعفة

لذا كانت الجهود مضاعفة وفردية أدواتها الدراسة ومساحتها الليل وسهرة بعد استغلال دقائق النهار بأكملها ولعل الحصول على المعدل الذي يؤهله لدخول كلية الطب كانت تمثل له اول فرحة حقيقية في الحياة ونقطة الاحساس بالذات والبدء في مسيرة تحقيقها وعاش في دوامة الدراسة والعمل ولم ينسى القراءات العلمية مع أخواتها القراءات الثقافية والشعرية والتاريخية والأدبية التي زرعت فيه منذ الصبا لتواجدها في محيطها الخصب ومع اعمدتها وهذا ماخلق لديه روحية ربط العلوم الطبية مع مثيلاتها من العلوم الإنسانية والمجتمعية والثقافية ، بعد تخرجه من كلية طب البصرة ، عمل في محافظات المثنى واربيل وبابل وبغداد وكربلاء والنجف وبعد حصوله على شهادة التخصص بالأمراض الباطنية والقلبية، ترك الوظيفة الحكومية بعد اثنا عشر عام من التخرج تفرغ للبحث والدراسة إضافة للعمل الطبي الخاص بالاضافة انه حقوقي وإعلامي، الدكتور جاسم العزاوي، ضيفنا عبر هذا الحوار:

{ ماهي مساهماتكم في تقديم المساعدة بالنسبة للمريض؟

– عملنا هو علاج المرضى وهو ليس مساعدة او تصدق او منه منا وإنما واجب ورسالة تجتمع في تقديم الخدمة الصحية لمن يطلبها ضمن الأصول الرسمية على أن تكون هذه الخدمة ضمن أصول العلم والفن الطبي وتأطيرهما بأخلاق مهنية ارتبطت بطبيعة المهنة ومبادئ خطها الرواد وبرهنتها التجربة ومن هذه الرؤية قدمنا خدماتنا الذي بدأت من اول يوم باشرنا فيه بعد التخرج وكان مسرحها مستشفى الأطفال في محافظة السماوة وكنت الطبيب المقيم الوحيد في المستشفى والعمل فيه اربع وعشرون ساعة في اليوم لنخدم الأطفال لكون المستشفى هو الوحيد فيها ، كانت أيام صعبة وفيها معاناة كبيرة الا ان مساهمتنا بانقاذ الأطفال ومعالجتهم قد قلب الموازين ليجعل منها مهمة جميلة ويتكلل السهر والتعب بالضحكات والدعاء ولعل تطوعنا في ذلك العام معالجة وباء الكوليرا كان له أثر كبير في حياتنا حيث استطعنا إنقاذ مئات او آلالاف في مستشفى العزل الذي خصص لمعالجة الكوليرا بالرغم من صعوبة الظروف وقلة الكادر ، حيث كنت الطبيب الوحيد ضمن المعركة مع هذا المرض القاتل ولحق ذلك العمل في مدن منها مدينة كويسنجق في اربيل ثم الحلة ثم استقر بنا المقام في مستشفى ابن النفيس وذلك لطلبنا بالتخصص بأمراض القلب وهنا ايضا جمعنا المعاناة في العمل مع متعة المعالجة وإنقاذ المرضى ونيل علم القلب من مصادرها المتخصصة وخاصة الدكتور جعفر الكويتي (الله يرحمه) ويحسن اليه والذي ندين له بكل كلمة تعلمناها وكل سلوك سرنا فيه وفي هذا المستشفى ايضا عملنا لوحدنا كطبيب أقدم وحيد بعد ان تم سحب الزملاء الباقين الى خدمة الاحتياط في بداية الحرب العراقية الإيرانية وهذا حمل لنا التعب والإجهاد وعلمنا معنى الإيثار والاخلاص، لكن تعلمنا فيه أسرار أمراض القلب وفحوصاتها المتطورة مثل الأيكو والقلب ، بقينا على هذا المنوال بعد التعيين كطبيب ممارس في مستشفى ابن النفيس وبعدها الحصول على الاختصاص والعمل في محافظتي  كربلاء والنجف المقدستين وحتى بعد تركي للدوام الحكومي والتفرغ للدراسات والعمل الخاص

                    { كيف تقيم الواقع الصحي في العراق؟ -الوضع الصحي في العراق متخلف جدا عن حاجة المواطنين من ناحية وتخلفه اكثر شدة فيما اذا قورن بدول الجوار والعالم ، هناك نقص في المستشفيات الطبية التقليدية والكوادر الطبية والصحية وعدم توفر مستلزمات التشخيص اللازمة والمريض لايحصل على حاجته من أدوية ومتطلبات وهذا ماخلق غضب شديد لدى المواطن مما جعله يصب هذا الغضب على الأطباء ويحملهم مسوؤلية التقصير والخلل في النظام الصحي حيث نلاحظ كثرة الاعتداء على الأطباء من قبل أفراد جهلة منفلتين ، اما بقصد لتنفيذ خطة إفراغ البلد من كوادره العلمية او بدون قصد بسبب الجهل والانفعال او الاستهانة بالحكومة والوضع الأمني، يقابل ذلك قلة الاهتمام والرعاية والحماية بالكوادر من أطراف حكومية عدة ،لابد لنا ان نعلم وزارة الصحة للمعالجة والوقاية وهي لا تعني ان باستطاعتها تحقيق متطلبات الصحة وحدها وإنما تحتاج المؤسسات والوزارات المعنية بالتغذية وايضا المياه والكهرباء والبلديات والعمل وغيرها ، واليوم ليس هناك تنسيق كافي بين هذه الجهات وهذه إحدى مؤشرات التخلف ، مع العلم ان تخطيط النظام الصحي مرتبط بوزارة الصحة والتي تغير كل اربع سنوات وتتغير معها التوجهات والخطط والتي غالبا ما تكون قاصرة عن تحديد الأولويات والإستراتيجيات إلى جانب الفساد وهدر الموارد، من هنا ندعو لنظام صحي لائق يبدأ من الإمكانيات المتوفرة وجهود الوزارة ليرتقي بها بالمستوى اللائق وهذا يتطلب مجلس أعلى للصحة يخطط ويراقب ويمنع الفساد ولا يتاثر بالتغيرات الوزارية وينسق بين الوزارات والمؤسسات المعنية بالصحة

{ طبيب وحقوقي وإعلامي، كيف جمعت بين هذه الاختصاصات ولماذا هذا التنوع؟

الطب هو مهنتي وهوايتي ومتعتي وهو الطريق لموقع اجتماعي تمنيته فتحقق وفتح آفاقا لمهنة حققت الخدمة الإنسانية التي رغبت بها وساعدني بالامكانيات المادية التي احتاجها، هذه المهنة عناصرها اولا العلم الممزوج بالخبرة والمهارة وثانيا الاخلاق الطبية المسنودة بالأخلاق العامة والإنسانية والثقافة وهذا ما يجعل الطبيب قارئا مستمرا لعلم الطب والعلوم الأخرى المتداخلة معه ولفنون الثقافة ومبادئ الإنسانية ويوجد اختلاف في نسبة القراءة بين طبيب واخر حسب نوع الاهتمام وتوفر الوقت ، انا قارئ مجد لا يكل من القراءة وبمسارات مختلفة من التاريخ والأدب والشعر والروايات وغيرها والعلوم الاجتماعية والفلسفية حصلت من ذلك القناعة التامة بان لكل جانب حياتي هناك قواعد تحكمه وتحدد السلوك للعاملين من شروط الممارسة وحدود التصرف والمسؤولية والأداء والخطأ والضرر وهذا ما يسمى بالقانون لغرض فهم العلاقة اولا ودراسة التنظيم القانوني لمهنة الطب ، هناك خصوصيات وأسرار لكل مهنة يصعب على أعضاء المهن الأخرى فهمها فالقانوني لا يستطيع معرفة تفاصيل المهنة الطبية وقواعدها فيبقى في حيرة من تطبيق مواد القانون على الشؤون الصحية وخاصة في موضوع الخطأ الطبي وكذلك الأطباء يجهلون القانون ومواده وكيفية تطبيقه واثبات الاتهامات والإجراءات الأخرى مما يصنع حالة من التناقض والاشكالات.

محاولة تقريب

وهذا ما دعاني كطبيب مختص ان ادرس القانون في محاولة لتقريب وجهات النظر ومعالجة الإشكالات المترسبة بين المهنتين ، وبذلك الارتقاء تقديم الخدمة الصحية للمواطنين وحماية الكوادر الصحية من خلال المشاركة الفعالة في تطبيق وتفعيل القوانين التي تحكم النظام الصحي وكيفية تطويره لما يحقق المتطلبات الحالية ونفس الشئ بالنسبة للقوانين تمثل الصحة العامة والبيئية من ناحية والعلاجية من ناحية أخرى والقوانين المتخصصة بشؤون الفروع الصحية وحماية الأطباء وكيفية تفعيلها ، اما بالنسبة للإعلام فعلاقته بالصحة  علاقة وثيقة من ناحية التثقيف الصحي وتوظيف وسائل الإعلام والفنون المختلفة لذلك هذا اذا علمنا أن الجهل الصحي متفشي بشكل كبير ولابد من علمية ممنهجة تحتاج من لديه اطلاع على أسرار المهنتين وفي نفس الوقت هناك إشكاليات في العلاقة بين الطب والإعلام إحدى علاماتها الأساسية هو الأخبار الغير صحيحة وتضخيم الصحيح فيها وترويج سياسة القذف والسب للأطباء وترويج سياسة العداء من قبل عدد من الإعلاميين وبعض وسائل الإعلام وهذا ما قد يسئ للمهنة والثقة بممتهنينها وبالتالي الاعتماد على الاطباء ودفعهم للهجرة ما وراء ذلك اكيد عدد من الجهات المنظمة حيث كان لنا اتخاذ قرار دراسة الإعلام في محاولة المشاركة بحركة إصلاحية وإعادة العلاقة الطبية بين مقدمي الخدمة الصحية ورجال الإعلام والمواطنين ، إضافة قمنا بجهود مشتركة لتشكيل فرع للاعلام الصحي لغرض التثقيف والتقويم ،هذا ما حاولت من خلال دراسة القانون والاعلام والحصول على شهادة البكالوريوس في كل منهما الى جانب دراسة الطب والارتقاء بالعلاقة بينهم من أجل تسهيل مهمة التنسيق وتقديم الخدمات .

{ ما هو دور نقابة الاطباء في حالة حصول اعتداء على الطبيب من قبل اهالي المريض ؟

– النقابة لا تقبل باي شكل من الاشكال التعرض او الاعتداء على الاطباء كما هو موقفها باي اعتداء على المرضى والاساءة لهم أو المساس بهم وليس هذا فقط بل لا تقبل المساس الغير مسموح او المرخص به قانونا باي مواطن فهي تمثل نخبة من نخب المجتمع العراقي المتميز وسبب وجودها هو القانون ودليلها ومرشدها هو القانون الذي منحها حق حماية المهنة المتخصصة بالخدمة الصحية وحماية الاطباء وهي تحمي ولن تقف مع معتدي حتى ولو كان من اعضائها ، الاحصائيات تشير الى ارتفاع كبير في نسبة الاعتداء على الاطباء وخاصة في المستشفيات الحكومية ودوافع الاعتداء مركب الاسباب والبواعث ، اليوم النقابة ترصد الاعتداءات ولديها عيون في كل مكان وتتحرك فورا الى موقع الحدث وتتصل على جهالتا ادارية والحكومية للسيطرة على الموقف واتخاذ الإجراءات القانونية المعتمدة على قانون حماية الاطباء المرقم 26 لعام 2013 والذي يعتبر الاعتداء على الطبيب في القطاع العام والخاص هو اعتداء على موظف اثناء اداءه الواجب مما يعني وجود حق عام غير خاضع للتنازل ويعاقب المعتدي جنائياً اضافة الى منع القضاء من اتخاذ التعقيبات القضائية على الطب في الشكاوى التي تخص عمله الفني في حالة اشتباه بوجود خطأ طبي اضافة الى اعتبار أي شكل من اشكال المطالبات العشائرية تعتبر جريمة عقوبتها بالسجن ثلاث سنوات وغرامة عشرة ملايين دينار وفي الوقت نفسه سمح للمواطن الذي يتعرض للخطأ تقديم الشكوى الاصولية وعرضه على لجنة طبية متخصصة ومحايدة واستحصال التعويض المناسب في حالة ثبوت الخطأ الطبي .

                    { كلمة توجهها لمن ؟

{ اوجهها الى المواطن العراقي الكريم واقول فيها ان حقك في الحصول على الخدمة الطبية هو حق انساني اصيل مثبت في الدستور العراقي في المواد 29 و34 والذي اوجب كفالة الدولة للعمل الطبي والوقائي لكل المواطنين وخصص فئات الاطفال والمراهقين والامهات وكبار السن بهذا الخصوص واوجب على الدولة تهيئة المتطلبات على اسس ومعايير محددة وما اتى به الدستور يتماشى مع مبادئ حقوق الانسان وعهود المنظمة واتفاقياتها وما يعاني منه المواطنين وما هو الا القصور والتقصير في تهيئة تلك المتطلبات اضافة الى هدر الاموال والفساد وسوء التخطيط الى جانب الخلل الثقافي في المجتمع واختلال تركيبته واصوله والتي تسللت الى بعض الاطباء ومقدمي الخدمة الصحية الاخرين لذا ادعو في كلمتي هذه اخواني المواطنين لفهم حقوقهم الصحية وتحديداً مشاكلها واسبابها  والتي اشرنا الى بعضها اعلاه وعدم نسيان العلاقة الودية بينكم وبين الاطباء والاعتداء عليهم باعتبارهم سبب نقص الخدمات وهذا غير صحيح وهناك جهات تنشر الاشاعات وتذكي الصراعات لكي تبعد الوصول للسبب الحقيقي وتشتت المواطنين على الـــــــتوحد والضغط من اجل حلها فالخلاف والاعــــــتداء يزيد الفجوة بين الاطباء والمواطـــنين ويؤدي الى هجـــــرة الاطباء مما يعقد الوضع ويزيد معاناة جميع المواطنين عدى اصحاب الامكانيات المالية والمواقع الاساسية الذين يتعالجون خارج العراق تاركين الطبيب والمواطنين في صراع لا يزيدنا الا تخلفاً .

مشاركة