الدكتور بسام البزاز لـ (الزمان):  لو قرأ ماركيز أعماله المترجمة لتبرأ منها

1054

الدكتور بسام البزاز لـ (الزمان):  لو قرأ ماركيز أعماله المترجمة لتبرأ منها

نوزاد حسن

مترجم قدير ينقل لنا الماء العذب من بئر قلما يجد المترجمون الطريق اليها.هو لا يبتعد عن الماء الزلال الذي تدفقت منه اعمال ماركيز وغيره من كتاب امريكا اللاتينية لانه مترجم ضليع من اللغة الاسبانية وكذلك من اللغة العربية.كما ان مثابرته في ترجمة اعمال جادة تكاد تكون واضحة.ترجم مؤخرا لدار المدى رواية ثلاثة نمور حزينة للروائي الكوبي كابريرا وهي تنتظر صدورها قريبا.وقد اشاد الدكتور بسام البزاز بهذه الرواية وتحدث عنها اكثر من مرة.كما قلم يترجمة رواية الكوخ لابلاسكو ابانيز عام 1992,ورواية حياتي لمادورا عام 2018,وغيرها من الاعمال الادبية.في هذا الحوار اردنا معرفة بعض اشكاليات الترجمة,وما يحتاجه المترجم من عدة ثقافية ولغوية.

{ قد يكون سؤالي عن تعريف لمفهوم الترجمة تقليديا لكني اريد ان اعرف كيف ينظر الدكتور بسام البزاز الى عملية الترجمة.او كيف يعرف لنا هذه العملية التي تنقل افكار كاتب الى لغة اخرى.؟

– الترجمة اصطلاحا هي النقل من لغة إلى لغة. لكنّها في الواقع أكثر من ذلك بكثير لأنّها ليست نقلا للكلام بل هي نقل للأفكار والإشارات و لما وراء الكلام. هي فهم (تام) لمرام المؤلف ونقله بأقرب أسلوب إلى الأصل. هي إذن فهم في اللغة الأصل وأسلوب في اللغة الهدف، فليس ترجمة نص رومانسي وترجمة آخر صوفي  سواء لأنّ لكلّ منهما مفرداته وجمله وأجواءه وعوالمه. حتى ضمن الغرض الواحد يجب أن يكون هناك اختلاف، فليست لغة هذا الأديب وأسلوبه هي ذاتها لدى الآخر. والترجمة هي أيضا نقل لكنّها أيضا تقريب بين عالمين: عالم الكاتب وعالم القارئ من دون تحريف للأول ولا إذابة له في الثاني.

{ من المعروف ان ليس كل من يعرف لغة اجنبية سيصبح مترجما فما هي الشروط الذاتية التي تصنع مترجما حقيقيا.؟

– المترجم الحقيقي هو من يتقن اللغتين ويتذوقهما فيفهم الأولى فهم العارف وينقل إلى الثانية نقل العارف المتذوّق. أشدد هنا على الصفة “الحقيقي” والأفعال “يتقن” و “يفهم” و”يتذوّق”. اللغتان هما كفتا الميزان اللتان لا غنى له عن أيّ منهما. بعد شرط اللغتين يأتي شرط الاطلاع الواسع على الثقافتين: ثقافة النص الأصلي وثقافة المترجم لأنّ في النص الأجنبي مفردات وتعابير وإشارات ورموزاً يتطلّب (فهمها)، لتفسيرها وفكّ شفرتها، أوسعَ قدر من الثقافة لدى المترجم وإلا فسيمرّ بها مرور الكرام وسيَتعب ويُتعب معه قرّاءَه. هي بكلمات قليلة امتلاك ناصية لغتين وثقافتين.

{ ان الترجمة ليست فعلا فرديا بل هي فعل جماعي, فما هي الخطوات للنهوض بواقع الترجمة.؟

– الترجمة مظهر من مظاهر النشاط الثقافي والمؤسساتي في أيّ بلد ورافد من روافد المعرفة، والأطراف المعنية بالترجمة متعددة، منها ما تتمثل مسؤوليتُه في إعداد المترجم، ومنها من هو مسؤول عن رسم سياسات التخطيط والنشر والتسويق لما سيترجم. فالعملية معقدة وجماعية شأنها شأن أيّة آليّة ميكانيكية، إذ تدخل فيها جهات وأدوات وقطع عديدة، من هنا ضرورة التنسيق والتخطيط ورسم الوسائل والأهداف. المنطلق في ذلك كلّه إيماننا بأهمية ما نفعل والتخطيط له وإلا كان ترقيعا وإهداراً للوقت والجهد.

{ في ثمانينات القرن الماضي حقق مترجم اسمه زكي انيس حسن نجاحا كبيرا حين ترجم كتاب اللامنتمي لكولن ولسن.فهل يمكن ان نمر بتجربة تشبه ما حدث في الثمانينات.؟

– النجاح الكبير أو الضجّة مصدرها في العادة الكتاب. الكتاب هو ما يصنع الضجة، ووراء الكتاب يقف الكاتب المؤلف بالطبع. وقد صار مألوفا أن تترجم أعمال الكاتب المؤلف الواحد بالجملة بعد بروزه وذيوع اسمه. لاسم المترجم أيضا وزنه، لكنّ المترجم لا يحيي ميتا، بل ليس من واجبه أن يحيي نصا ميتا أو في طور الاحتضار. مع ذلك فالمترجم الجيد يختار في العادة كتابا جيدا لمؤلف جيد، وإن اضطرب الأمر والترتيب في الكثير من الأحيان.

{ من خلال اطلاعك دكتور اود ان تصحح لي هل حقا ان بعض ترجمات ماركيز ينقصها الدقة بسبب النقل عن لغة اخرى غير الاسبانية,هل حقا ان ماركيز في بعض ترجماته هو غير ماركيز الحقيقي.؟

– أيّة ترجمة وأيّ تفسير أو رواية، بمعنى transmission تحمل في طياتها شيئا من “التحريف” والخروج عن الأصل. ومن هنا جاءت المقولة الشهيرة “الترجمة خيانة”. رواية تنقل إلى السينما. حادث اصطدام يقع وينتقل خبره عبر الألسن لا عبر العيون. نص ينقل من لغة إلى لغة. فما بالك إذا كان بين الأصل والهدف لغة وسيطة ثالثة؟ كثرة الوسطاء تشوّه المنتج الأصلي أو تغيّره وكلما ازداد عدد الأيدي في أيّة عملية ضاعت الوجهة وتاهت السفينة أو ربّما غرقت. وكلّنا يذكر ما قيل من أنّ نجيب محفوظ، بعد أن شاهد فيلما أخذت قصته من إحدى رواياته، قال: هذه ليست روايتي. وربّما كان ماركيز سيردد ما قاله محفوظ لو أنّه قرأ بعض أعماله المترجمة عن غير الإسبانية.

{ لو كنت مسؤولا عن كلية متخصصة في تدريس اللغات فما هي الخطوات التي تتبناها لتطوير واقع تدريس اللغة الاسبانية.

– تطوير واقع أيّ قسم علمي يستدعي جملة من العناصر تأتي الإدارة العلمية على رأسها، لأنّ الإدارة هي الطرف الذي يخطط، والتخطيط كما أردد دائما هو أساس كلّ تطوير. من أسس نجاح القسم العلمي الكادر المتخصص والمناهج العلمية. ما قلته هي الحالة المثالية المطلوبة والمعمول بها في الجامعات الرصينة: إدارة وكادر ومناهج. أمّا الحال في الكثير من أقسامنا فلا تلبي هذه الشروط، أو تلبي جزءاً منها، فضلا عن الكثير من المظاهر الاجتماعية والسلوكية السلبية التي دخلت إلى الجامعة، ومن هنا التخبط والتلكؤ الذي تتصف به، ومن هنا رداءة النوعيّة وتدني المستوى العلمي الواضح، ومن هنا المراتب المتأخرة لجامعاتنا في التصنيف العالمي، وخروجها أحيانا عن كلّ تصنيف.

{ دكتور لا بد ان الترجمة علمتك درسا ما, فما الذي تعلمته من عملك في مجال الترجمة.؟

– الترجمة تعلمكَ ما يعلمك إياه الصيد بالسنارة وحيدا عند ضفة النهر. لكنّ الصبر الذي تعلمك إياه الترجمة ليس صبرا سلبيا، بل هو صبر فاعل ديناميكي منشط للذهن لأنّه يستحضر كل ما في الذهن من لغة وأسلوب وكلّ ما في الذاكرة من تجربة وحياة. والترجمة تعلّمك حياكة العبارة وسبكها أو إعادة حياكتها وسبكها بعد أن نقلتها إلى لغتك. إنّها تمرين لذيذ على إعادة الخلق والإبداع. وهي بعد ذلك كلّه خير اختبار للغتك الأجنبية ولغتك العربية ونجاحك فيها معناه نجاحك في عدة امتحانات: في اللغة والاستيعاب والإنشاء والتعبير والأسلوب.

{ ماذا في جعبتك من مشاريع؟

– أمامي قائمة طويلة من الكتب التي تنتظر الترجمة. قريبا ستصدر عن دار المدى ترجمة رواية “ثلاثة نمور حزينة” للكوبي غيّرمو كابريرا إنفانته، وهي ثورة في عالم السرد الروائي ضمن ظاهرة الـ Boom التي شهدتها الرواية الأمريكية اللاتينية. هي في الواقع ما عادت ظاهرة بل صارت تيارا وحركة لها كتّابها وقراؤها. مع ذلك فأنا أتطلّع إلى نشر كتابين أحدهما هو تطبيقات في الترجمة بين العربية والإسبانية والثاني هو دراسة مقارنة لمختلف مواضيع النحو بين الإسبانية والعربية، وهو كتاب يصبّ في دراسة اللغة وفي الترجمة أيضا، لأنّ فهم القواعد يعين على فهم النصوص وترجمتها. أتمنّى أن أجد فسحة الوقت المناسبة والكافية لتنفيذ هذه المشاريع التي هي خلاصة تجربتي الطويلة مع اللغتين العربية والإسبانية ومع الترجمة.

{ بم ستعود إلى الجزائر؟

– سأعود بحصيلة كبيرة من المشاعر والتفاؤل والرغبة في العمل. لقد أنجزتُ الكثير.. تعرفتُ على أصدقاء جدد وعززتُ أواصر المحبة مع العديد من طلبتي واطلعتُ على آفاق جديدة للعمل في مجال الترجمة والنشر. سأعود إلى الجزائر بنشاط أكبر وهمّة أعلى وبحقيبة فيها من المشاريع والأفكار أكثر مما فيها من الحلويات والـــهدايا.

مشاركة