الدستور يكفل منع العنف والتعسف في الأسرة

195

 واقع المرأة في العراق      (1-3)

الدستور يكفل منع العنف والتعسف في الأسرة

 راضي النداوي

عندما خلق الله سبحانه وتعالى (آدم) خلق معه (حواء) لتكون نصفه الآخر المكمل له وقد تناوبت الأديان السماوية على أحترام المرأة حتى جاء الأسلام الذي جعل الله من خلال نبيه الكريم محمد (ص) الجنة تحت أقدام الأمهات وحباها بكل الاحترام وجعل لها دوراً بارزاً في نشر الدعوة الأسلامية وبناء الدولة الأسلامية هذا على صعيد الأديان أما على صعيد الحضارات العراقية القديمة فقد حظيت المرأة العراقية آنذاك على 92  نصاً عن المرأة في مسلة حمورابي التي كانت تحتوي على 282 نصاً وقد اعطت شريعة حمورابي للمرأة حقوقاً كثيرة من أهمها :-

حق البيع والتجارة والتملك والوراثة والتوريث كما شهد العصر البابلي وصول الملكة سميرا ميس إلى السلطة مدة (5) سنوات . وفي العصر الحديث قام النظام في العراق بتعيين أول وزيرة في تاريخه بل في تاريخ العرب الحديث وهي الدكتورة نزيهة الدليمي .

وفي دولة ما بعد سقوط النظام السابق عام 2003 وصدور الدستور الجديد الذي أعطى للمرأة حقوقاً كثيرة وأصبح لها عشرات النائبات في البرلمان العراقي ولكن للأسف الشديد مازال صوت المرأة في مجال صنع القرار السياسي في هذا البلد مغيباً أو مصادراً وهذا ما سنعرضه في بحثنا المتواضع هذا.

الغاية

ألقاء الضوء على الألتزامات الدستورية والقانونية العراقية والدولية التي سنتها أو وقعت عليها حكومة جمهورية العراق في تأمين حقوق المرأة ومدى ألتزام هذه الحكومة في تطبيق ألتزاماتها تلك في ظل ما سيتم ذكره من المعاناة والاضطهاد والذي ما زال يمارس على المرأة من قبل المجتمع العراقي الذكوري وصولاً إلى أستنباط المقترحات العملية لمعالجة وأزالة هذه المظالم والمعاناة .

المرأة في الدساتير والقوانين العراقية قبل دستور عام 2005

1- في دستور عام 1925 تم التأكيد في المادة (6) منه بأنه (لا فرق بين العراقيين في          الحقوق أمام القانون وأن أختلفوا في القومية والدين واللغة) أي لا يشمل الجنس   بالمساواة وفي المادة (7) تم النص على (صيانة الحرية الشخصية لجميع العراقيين)        وهي مادة عامة مما يجعل تطبيقها محكوماً بألاجتهاد في التفسير . وهنا يؤكد لنا الدكتور حازم النعيمي في بحثه حول الدستور العراقي الجديد ما نصه (أن القانون الأساسي لعام      1925 لم يمنع التمييز ضد النساء في المادة  6 )(1)   وهذا ما أتاح عدم أشراك النساء في      الحياة السياسية .

2- أما في دستور الجمهورية العراقية الأولى عام 1958 ساوت المادة (9) منه لأول مرة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ولا يجوز التمييز بينهم بسبب الجنس أو ألاصل أو  اللغة أو الدين أو العقيدة (2) .

3- أما دستور عام 1970 المؤقت وتعديلاته والذي أستمر العمل به طيلة فترة حكم صدام حسين فأنها أقرت الكثير من مبادئ حقوق الأنسان  ومنها حقوق المساواة بين المواطنين في    الباب الثالث منه دون تفريق بين الجنس أو العرق أو الدين أو اللغة أو المنشأ الاجتماعي إلا    أن ما يعيب هذا الدستور هو عدم أعتماده الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية       والقضائية وهذا ما أفقده عنصراً أساسياً من عناصر توفير الحقوق والحريات العامة (3) .

4- أما على صعيد القوانين فقد أسس قانون الأحوال الشخصية في عام 1959 لمجموعة       موحدة من القوانين التي تحكم الحياة الزوجية والأسرية ، وأمتاز هذا القانون على القوانين  الأخرى المطبقة في المنطقة بمنحه حقوقاً أكثر للمرأة في مجالات مثل (الميراث ،  والحد من تعدد الزوجات)  وعلى العكس من ذلك كان تعديل القانون المذكور من قبل نظام البعث   عام 1963 عودة إلى الوراء حيث أصبح تعدد الزوجات قانونياً وتم خفض حصة المرأة من الميراث . وقد كان حزب البعث يخضع جميع القوانين وبما فيها الدستور المؤقت لعام 1970   إلى تفسيرات وأبطالات بموجب قرارات مجلس قيادة الثورة والتي خالفت في بعضها الأحكام الرئيسية في دستور عام 1970 بما في ذلك فقرة الحماية المتساوية ومن الأمثلة على هذا      التمييز تفشي ظاهرة تعدد الزوجات وتوفير أحكام مخفضة لقتل المرأة من قبل الرجل تحت أسم (شرف العائلة) كما تم حرمان المرأة من حقوق الملكية في بعض الحالات وكذلك   الزواج من اجنبي وغيرها (4) .

5- وقبل أن ننهي ما بدأناه بخصوص الدساتير والقوانين قبل عام 2003 حتى 2005  لابد لنا من التأكيد على أن أفضل قانون تعامل مع شؤون المرأة وحقوقها هو قانون الأحوال الشخصية المرقم \ 188 \ لسنة 1959 وذلك لأنه بالرغم من أنه لا يلبي كافة طموحات       العراقيين بشكل عام لكنه كان يجمع بين آراء كافة الفقهاء من المذاهب الأسلامية بما هو       متفق عليه لأن تعدد مصادر القضاء وأختلاف الاحكام يجعل حياة العائلة غير مستقرة        وحقوق الفرد غير مضمونة وكفل للمرأة حقوقها الشرعية وأستقلالها (5)  .

6- بعد سقوط نظام البعث في نيسان من عام 2003 عقب الغزو الذي قادته أميركا لقوات       تحالف دولي وأسست بضوئه سلطة الائتلاف المؤقتة مجلس حكم أنتقالي وقام الحاكم المدني    للأحتلال الأميريكي بول بريمر بوضع قانون أدارة الدولة العراقية للمرحلة الأنتقالية في      3\2\2004 ليكون قانوناً أساسياً لحين صياغة دستور دائم وسنذكر ما يتعلق منه في مجال بحثنا وهي الفقرة الخاصة بالحماية المتساوية في المادة (12) منه والتي تنص على        (العراقيين كافة متساوون في حقوقهم بصرف النظر عن الجنس ام الرأي أم المعتقد أم      القومية أم الدين أم المذهب أم الأصل) ، وهم سواء أمام القانون ويمنع التمييز ضد المواطن   العراقي على أساس جنسه أو قوميته أو ديانته أو أصله ولهم الحق بالأمن الشخصي وبالحياة   والحرية ولا يجوز حرمان أي أحد من حياته أو حريته ، إلا وفقاً لأجراءات قانونية . أن       الجميع سواسية أمام القضاء (6) .

حقوق المرأة في دستور عام 2005 حظيت المرأة ولأول مرة بأن أفرد لها الدستور عكس الدساتير السابقة أكثر من مادة تؤكد على الحقوق الواجبة على الدولة ضمانها لها وسنذكر أبتداءً هذه المواد وبعدها سنذكر ماهي المأخذ على الدستور الذي صدر في 28\12\2005 وكما يأتي :-

1- ماهي الحقوق التي نص عليها الدستور :-

أ- ذكر الدستور في ديباجته الدور الذي قامت به المرأة العراقية عندما ساهمت مع زميلها الرجل في الأستفتاء على الدستور كما أكد على عزم العراقيين رجالاً ونساءً على أحترام   قواعد القانون وتحقيق العدل والمساواة ونبذ سياسة العدوان والأهتمام بالمرأة وحقوقها .

ب- المادة (14) العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب (الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو الرأي أو الوضع الأقتصادي أو       الأجتماعي) .

ج- المادة (20) للمواطنين رجالاً ونساءاً حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق        السياسية بما فيها حق التصويت والأنتخــــــاب والترشيح .

د- المادة (29) أولاً \ أ- الأسرة أساس المجتمع وتحافظ الدولة على كيانها وقيمها الدينية          والأخلاقية والوطنية .

ب- تكفل الدولة حماية الأمومة والطفولة والشيخوخة .

رابعاً \ تمنع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والفرد والمجتمع .

م- المادة (30) أولاً \ تكفل الدولة للفرد وللأسرة وبخاصة (الطفل والمرأة) الضمان الأجتماعي والصحي والمقومات الأساسية للعيش في حياة حرة كريمة تؤمن لهم الدخ  المناسب والسكن الملائم.  و- المادة (37) ثالثاً \ يحرم العمل القسري (السخرة) والعبودية وتجارة العبيد (الرقيق)        ويحرم الأتجار بالنساء والأطفال والأتجار بالجنس .

ز- المادة (41) العراقيون أحرار في الألتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو     معتقداتهم أو أختياراتهم ، وينظم ذلك بقانون(7) .

المآخذ من الدستور

1-  تذكر الدكتورة نهلة بنيان النداوي في بحثها الموسوم (لغة الدستور العراقي) جملة       ملاحظات على لغة الدستور وما أصاب المرأة من غبن في مفردات اللغة التي كتب بها الدستور ومنها :-

أ- يؤخذ على ديباجة الدستور بأنه ذكر الأناث (المرأة) بشكل مستقل ثلاث مرات مقابل أكثر    من خمسين مرة للذكور … أي أن اللغة الذكورية هي السائدة وهذا يسقط مبدأ المساواة .

ب- في الوقت الذي يسجل للدستور بأنه ساوى بين المواطنين رجالاً ونساءً في المادتين  14 –  20 وهذا لا يعطي أي مجال للتأويل بينما غاب في باب الحقوق الأقتصادية              والأجتماعية والثقافية الأشارة إلى المرأة بشكل مباشر وغلبت على مواد هذا الباب اللغة  الذكورية ، وهذا الحال ينطبق على المواد 29- 30 –  37 –  41 وينسحب هذا الحال على     المواد 42 –  43 حيث تقترح أن يوضع بعد كلمة (فرد) كلمة (من الجنسين) وأينما ورد    ذكر كلمة (أنسان) يذكر بعدها من (ذكر وأنثى) وهكذا (8) .

2- الدكتورة بشرى العبيدي في بحثها الموسوم (مركز حقوق الأنسان وحرياته العامة في         التشريعات الدولية والوطنية) فأنها تشير إلى عدم وجود أشارة تعطي للمحاكم الدستورية      حق تدقيق أحترام القواعد التشريعية للمبادئ المفروضة في الأتفاقات الدولية خاصة وأن       العراق كان قد وقع على الكثير من القوانين والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الأنسان       والبعض منها يتعلق بحقوق المرأة (9) .

3- يحذر الدكتور حازم النعيمي في بحثه الموسوم (الدستور العراقي الجديد وقضايا الحقوق والحريات) من :-

أ- التعارض بين الجنسين والتعاليم الدينية التي تقلل من حقوق المرأة ، وتؤكد قراءة تجارب  تاريخية أخرى أن وضعاً كهذا سيميل إلى تبني نظام سياسي ذي أيدلوجية جامدة تقضي إلى   شمولية تلغي الرأي الآخر وأتجاهاته ،  (وهناك كما يبدو أرهاصات عملية تؤكد ما ذهب اليه    الدكتور النعيمي) .

ب- هناك عدد كبير من مواد الدستور والبعض منها تخص الحقوق والحريات تشترط صدور  قانون خاص ، وواقع الحال يشير إلى أن هناك أغلبية كبيرة سواء في البرلمان أم الحكومة     أم المحكمة الأتحادية تنتمي إلى التيار الفكري السياسي الديني مما يعطي الأمكانية لصدور     قوانين مقيدة للحقوق والحريات ووفق ما ينسجم مع رؤيتها الدينية أو المذهبية .

ج- من المواد التي أثارت الأنتقادات والمخاوف هي المادة (41) المتعلقة بالأحوال الشخصية    خاصة مع وجود تجربة في هذا الموضوع عندما أصدر رئيس من التيار الديني الذي تسلم     الحكم أثناء فترة مجلس الحكم قراراً يلغي بموجبه قانون الأحوال الشخصية لسنة 1959    ولولا الأحتجاجات والمظاهرات النسوية الرافضة والأنتقادات من الأوساط العلمانية والمثقفة    الذي أسفر بالنتيجة إلى ألغاء هذا القرار . عودة ظهور هذه المادة وربطه بصدور قانون قد      يؤدي إلى ألغاء قانون الأحوال الشخصية لعام 1959 الجيد الساري المفعول ، وما يؤدي       بالنتيجة إلى عدم مساواة بين أتباع كل مذهب وعلى الأخص بالنسبة للنساء . كما أنه يفتح     الباب للرجال لتغيير الدين أو المذهب للتخلص من الألتزامات تجاه الزوجة والأبناء القصر .

د- تخصيص نسبة 25 بالمئة من المجلس النيابي إلى النساء يعتبر أخلالاً بمبدأ المساواة ويفتح         الباب واسعاً أمام الجميع (أقليات دينية أو قومية) للمطالبة بتخصيص نسبة لهم وسيؤدي      هذا إلى حالة من التشظي (10) .

العهود والمواثيق الدولية التي صادق عليها العراق وتعني بشؤون المرأة وحقوقها

1- يكفل الأعلان لحقوق الأنسان (يعتبر الوثيقة المؤسسة لقانون حقوق الأنسان الدولي) حيث أن للجميع الحق في كافة الحقوق والحريات المبنية في الأعلان دون تمييز ، ولا حتى على أساس الجنس المادة (2) منه ومع أن الأعلان العالمي لحقوق الأنسان هو أصلاً غير ملزم إلا أنه أصبح مع الزمن تفسيراً مرجعياً لحقوق الأنسان الأساسية .

مشاركة