الدخول إلى كربلاء .. باحثاً – علي الشلاه

معارضة ثقافية

الدخول إلى كربلاء .. باحثاً – علي الشلاه

وحيدا اتقلب في فراشي حائرا ومتوزعا بين موضوعين لدراستي للماجستير مطلع التسعينات بعمان نافذة العراقيين المتاحة الوحيدة في العالم العربي بعد سوريا التي كان اختيارها يجب ان يمر بعمان اولا ما لم  تكن المغادرة هروبا عن طريق الشمال ( اقليم كردستان حاليا ) .

هل اختار الموضوع الاول الاثير الى نفسي .. الحسين في الادب العربي الحديث .. ام اختار الموضوع الثاني الذي اخترت ان يكون احتيالا على العنوان الأول ويمكن ان يكون للحسين حصة الاسد فيه بوصفه رمزا اسلاميا لأن الموضوع كان ( الرمز الاسلامي في الشعر العربي المعاصر ) ، ليجنبني الاحراج الذي كان يلف الجميع عندما يسمعون اسم الموضوع الذي انوي دراسته ؟

حين نمت متأخرا كان الخوف قد تملكني ، خوف من ردة الفعل التي قد تصيب عائلتي في الحلة ، اذا وصل الامر الى العسس والمخبرين ؟

لا سيما وان الدكتاتورية ببغداد ، كانت قد اختارت الحسين عدوا شخصيا لصدام لاسيما بعد قصف النظام لضريحه المقدس بكربلاء بعد الانتفاضة العراقية الشجاعة عام 1991م.

استيقظت مرتبكا حوالي العاشرة صباحا ومضيت مشيا الى وسط عمان ودخلت المكتبة الاولى التي صادفتني بطريقي ، كانت مكتبة دار الشروق المعروفة ، تجنبت الاقتراب من الادارة حيث يجلس الناشر  الفلسطيني فتحي البس مالك الدار، ومضيت اقلب طرفي في عنوانات الكتب المرصوصة على الرفوف والطاولات فوجدت عشرات الكتب عن الاسطورة اليونانية والاغريقية (المدروسة اكاديميا ) واثرها في الشعر العربي المعاصر ولفت نظري كتاب يتيم عن النص الصوفي الاسلامي واثره في الادب العربي  الحديث .

 بعد دقائق دخل دون موعد سابق  الصديق الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي يبحث بعينيه في العنوانات الجديدة للكتب ، لاسيما الصادرة عن تجربته الشعرية او تجربة المجايلين له من الشعراء العرب، فسلم علي مبتسما وسألني هل استقر رأيك على موضوع ما يا علي ؟

قلت له ابا علي انا مع عنواني الاول .. فصاح بي.. اذن لا تتردد ولا تخف من نباح النابحين فقلت له واذ لم تجزه كلية الدراسات العليا في الجامعة ؟

قال حينها يكون لكل حادث حديث وعندها سيعذرك الحسين وابتسم .

  عدت الى حيرتي ، هؤلاء الشعراء و  الباحثون في الاساطير القديمة يعدون جزء من الحداثة العربية لكن البحث في الرموز الاسلامية والعربية القديمة يعد تخلفا وسلفية ؟

 خرجنا من مكتبة الشروق وقد قررت وانتهى الامر .. وقد سعدت بذلك على الرغم من كل ما حصل بعدها من اثار تحملها اهلي لا سيما اخواي وصهري وتحملتها عن طيب خاطر. وفخر بعد ذلك.

وكان الخبر السار ان كلية الدراسات العليا في جامعة اليرموك قد قبلت الموضوع دون تردد او طول مناقشة، وأثناء الدراسة تفتح الموضوع امام ناظري كوردة باذخة الالوان ، فجلت به بين كل المدارس الشعرية والفكرية التي اختار مبدعوها استخدام الرمز الكربلائي ورأيته ثم اثبته موضوعا اسلاميا وانسانيا واسعا وثرا وليس مجرد رمز لطرف من اطراف المعادلة الاسلامية المتصارعة كما كان ينصرف تفكير الادباء الذين يسمعون عنوانه ، وهذا ما تجنبته تماما ، وخصوصا في الفصل الاول ( كربلاء من التاريخ الى الاسطورة ) .

قبل ايام اتصل بي احد الباحثين يريد دراسة الموضوع نفسه بعنوان اخر وفي الشعر العراقي حصرا ، فقلت له لقد اصبح الموضوع مألوفا اكاديميا وهناك عدة دراسات تلت كتابي عنه وامل ان لا تتردد ، فالحسين اكثر رمز اسلامي استلهمه الشعر  المعاصر فادخل الى كربلاء دون تردد فهي بوابة بحث كبيرة لباحثين عدة ومن زوايا متعددة .

كربلاء ليست مجرد حدث تاريخي مأساوي صبغ بالدم العقود الاولى من تاريخ الاسلام ، بل هي خيار حياة رسمه الحسين الانسان لكل الانسانية.

مشاركة