الدبلوماسية بين الصحافة والسياسة-  سعدون بن حسين الحمداني

الدبلوماسية بين الصحافة والسياسة-  سعدون بن حسين الحمداني

عضو جمعية الصحفيين العمانية

الإعلام والدبلوماسية توأمان متلازمان يستحيل فصلهما ، ويعرف الإعلام بصورة عامة بأنه لسان السياسة الناطق وأداتها المؤثرة في جميع شرائح المجتمع بل وتتعدى حدود الداخلية لتصبح إقليمية ودولية استنادًا لقوة الحدث ونوعه وبالتالي فإن الإعلام والدبلوماسية لهما تأثير مباشر على الرأي العام الداخلي والخارجي. والإعلام العربي ) صحافة وأدواتها) هو إعلام موجه من قبل السلطة السياسية لخدمة بقائها ، بينما الإعلام الغربي الرأسمالي موجه سياسياً لخدمة مصالحهم الاقتصادية أولاً واستراتيجيتهم ثانياً. وتتوشح الدبلوماسية دائماً بثوب الصحافة لإخفاء المعالم السياسية التي بداخلها وهذا ما سوف نتطرق إليه حيث تعتمد الدبلوماسية على سلاحين مهمين ، هما الإعلام الدبلوماسي والسياسي ، والاثنان عملة واحدة ذات وجهين وسوف نتطرق بصورة مختصرة عن هذين السلاحين المهمين في عصرنا الحاضر.  الإعلام الدبلوماسي أصبح المفتاح الذهبي للسياسة الخارجية للدولة وليس التقوقع في بناية السفارة وعدم الاتصال بالآخرين لأسباب أمنية يعرفها الجميع، فنحن الآن في عصر علم النانو والاقتصاد واستراتيجيات السوق المفتوح ونظرياتها الإلكترونية وليس سلوكيات القرن التاسع عشر.

تطوير علاقات

إن الإعلام الدبلوماسي هو المبادأة والمبادرة والتفاعل في مكان اقامة الدبلوماسي والبعثة الدبلوماسية بالبلد المضيف ؛ حيث يبرق لبلده بكل المفاتيح التي حصل عليها بعد أن تم تدقيقها ومعالجتها وغربلتها وتقييمها  التي من خلالها يمكن تطوير العلاقات على مختلف الصعد. يكون الإعلام الدبلوماسي محدودَ المعالم والحدود ، بعيدًا عن الجمهور وفقاعات الإعلام الدولي وهنا يمكن القول بأنه هو التلقي والإرسال معتمدا على الحقائق الثابتة المرئية والملموسة ، لذلك على الدبلوماسي الناجح جمع المعلومات الرصينة وإعداد التقارير المستندة إلى الأرقام والتواريخ والأسس الرسمية فلا يمكن أن يصدر تصريح من دبلوماسي حول مشروع اقتصادي وهمي أو أن يكون هناك خلل كبير في واقعية الأرقام وأهمية المشروع، لذلك يعتمد الإعلام الدبلوماسي كثيرا على البعثة الدبلوماسية وحنكة السفير وطاقم السفارة. الإعلام الدبلوماسي يتطلب كادرًا محنكًا متمرسًا لكونه يعكس حقل السياسة الخارجية والدولية بين طرفين والتأثير الذي يمثله من خلال الاتصال والتخاطب مع الاحتفاظ بالخصوصية الوطنية والتعبير عن أهدافها ومصالحها وحضورها وتطويرها ، والإعلام الدبلوماسي واجبه هو خلق جسور تواصل بين الجميع . وأنا أتذكر من حياتي المهنية الدبلوماسية حيث كان سفيرنا ( ع.ع) يجتمع بنا كادر السفارة بعد نهاية كل أسبوع ويطلب منا تحديد عدد الكروت الشخصية التي حصلناعيلها ، أي بمعنى كم شخصية قابلت ومن هم وما فائدتهم لتطوير العلاقات بين البلدين والذي لم يحصل على أي كارت بمعنى أنه كسول لا يقوم بواجبه بصورة صحيحة . وعلى الكادر الدبلوماسي أن يضع في حساباته أننا  لسنا الآن في زمن الحمام الزاجل في نقل الخبر أو الجلوس في غرفته بالسفارة ينتظر وصول الأخبار له بالتطورات التكنولوجية والتقنيات الإعلامية الحديثة المتلاحقة وظهور أشكال غير تقليدية لوسائل التواصل الاجتماعي من خلال الصحف الإلكترونية والإنترنيت للحصول على المعلومة ، وعليه الانتباه إلى كل ماهو مضلل من هذه المعلومات. الإعلام الدبلوماسي يحدد هدف التصريح مستندا على وقائع ملموسة مثل تصريح بإعادة العلاقات مع الدولة س، أو تصريح بزيارة هرم الدولة والتي تتضمن جدول الزيارة أو تصريح بإطلاق محتجز لديها أو توقيع مذكرة تفاهم بخصوص إلغاء ضريبة الدخول ، بالتالي نرى بأنه ذو هدف معين حقيقي مملوس مستند إلى وقائع رسمية صادرة من أعلى الجهات.

ويعد الإعلام الدبلوماسي من أهم مقومات نجاح وتفوق الدولة اقتصاديا وهو هدف استراتيجي يرسم من قبل هرم الدولة. ويعرف بأنه أداة جلب للاستثمارات الخارجية لرفع المنافع الوطنية الاقتصادية في كل المجالات والأنشطة عدا العسكرية وأمن سيادة الدولة.

معيار حقيقي

وبالتالي أصبح الإعلام الدبلوماسي المعيار الحقيقي لثقل وهوية الدولة في قضايا التنمية والاقتصاد والسياحة في البلد، حيث تقوم الدول حول العالم باستغلال جهازها الدبلوماسي لخدمة مصالحها الاقتصادية وبذلك يأتي الاعلام الدبلوماسي كأولوية قصوى لدى الكثير من الأجهزة الدبلوماسية حول العالم كون السياسة الخارجية هي انعكاسا للسياسة الداخلية وواحدة من أهم الأدوات لتحقيق أهدافها بعيدًا عن السياسية وفلكها المتقلب.

وللإعلام السياسي أهداف وغايات محددة ومرسومة ، والسياسي يتحدث إلى الجمهور عكس الدبلوماسي الذي ليس لديه علاقة بالجمهور والسياسي يخدم وسائل الإعلام لغرض ممارسة السلطة وكذلك التأثير على الأفراد، وعلى سبيل المثال يعتبر الإعلام السياسي الحجر الأساسي في أمريكا في الفوز بالانتخابات الرئاسية حيث تتدفق المعلومات ويتم رصدها من قبل الطرفين المتنافسين ، والذي يعتبر نقطة انطلاق للجمهور حيث يقوم الإعلام السياسي بإشهار المعلومات بعيدا عن التحليل أو التفسير أو التأجيل ، وهنا يعتبر السياسي المحنك مثل لاعب كرة القدم الذي يشغل وظيفة المهاجم أو رأس حربة الفريق حيث يستغل الفرصة السانحة لتسجيل الهدف ولو بالدقيقة الأخيرة.

إن أهداف الإعلام السياسي هي التأثير والحركة في جميع الاتجاهات لغرض تسويق فكرة معينة وإن كانت غير صحيحة كالحرب الأمريكية البريطانية لاحتلال العراق عام 2003 حيث قام الإعلام السياسي بتسويقها للعالم والتأثير عليه. ومن أهداف الإعلام أيضا هو التثقيف وبث افكارهم لغرض توسعة قاعدتهم الفكرية والعقائدية والمذهبية فلولا الترابط بين المرسل والمستقبل لما كانت هذه الأهداف مطروحة على الساحة الإعلامية بالإضافة إلى أن هناك أهدافا خارجية ودولية للإعلام السياسي لغرض خلق صور إيجابية وانطباعات واقعية تعكس إيجابية مؤسسات هذا النظام ، وإن كانت سلبياته أكثر من إيجابياته  ، إضافة إلى تحقيق نوع من التداخل الحضاري ودعم ثقافة الدولة في المحافل الدولية والإقليمية. ومن أبرز أنواع الإعلام السياسي الإعلام التظليلي أو المناسباتي  ؛ لأنه يعمل على إخفاء الحقائق وتلوينها وهي من أهم سماته وهو ما يسمى بالإعلام المناسباتي حيث تمليه الحاجات والظروف أكثر من كونه منهجا ثابتا في سمات الإعلام السياسي أو الإعلام الدولي ، وغالبا ما يبرز في أوقات الأزمات السياسية أو الحروب الداخلية الأهلية أو الدولية ، وفي الجهة الأخرى يبرز لنا الإعلام السياسي الموضوعي الذي يرتكز على إيجاد الحقائق المرتبطة بالحدث وبثها كما هي دون تلوينها أو إعطائها حجما أكبر من ذلك. الإعلام السياسي هو أداة ونظريات وأهداف الدولة أو النظم السياسية التي  تمثلها بالخارج والداخل؛ مبنية على استراتيجيات وأهداف سياسية معينة مرسومة مسبقاً للوصول إلى ما تم الاتفاق عليه أو الذي تم تحديده سابقاً. الإعلام السياسي والدبلوماسية بصورة عامة هو عبارة عن جمع المعلومات وتحليها وإرسالها إلى المصدر لغرض الانتقال إلى الخطوة الأخرى وهذا عموما ما يقابله المبدأ الفيزيائي ( لكل فعل رد فعل..) مثال ذلك إذ قامت الدولة “س” بإطلاق محتجز لديها فعلى الدولة “ص” أن تقوم بنفس الخطوة بإطلاق محتجز الدولة “س” تأكيدًا لحسن النية والبدء في تحسين العلاقات الثنائية بين البلدين. وأخيرا فإن الإعلام السياسي يعتمد على نظرية التأثير الإعلامي على الجمهور وهدفه الأول والأخير غرس الثقافة أو المبدأ الذي يُراد العمل فيه.

{ دبلوماسي سابق

مشاركة