الدبلوماسية الإقتصادية والتجارة الخارجية

 

 

 

الدبلوماسية الإقتصادية والتجارة الخارجية

حيدر عبد الامير الغريباوي

تعد الدبلوماسية الاقتصادية ترجمة للبعدين الاقتصادي  والتجاري للدبلوماسية التقليدية للدولة، وبصفة فعلية، هي استغلال لكل ما تتيحه الدبلوماسية التقليدية من قنوات اتصال وأطر للتعاون مع البلدان الأجنبية خدمة لاقتصاد البلاد، من حيث البحث عن أسواق جديدة للمنتوج العراقي واستقطاب وجلب رجال الأعمال والمؤسسات الأجنبية للاستثمار في العراق، وكذلك الترويج للوجهة السياحية العراقية بكل أنواعها وتفرعاتها.

وتُعرّف الدبلوماسية الاقتصادية بأنها: “النشاطات الدبلوماسية التي تستخدم العامل الاقتصادي في التعامل السياسي”. و?قصد بهذا التعريف استخدام الدولة لمقدراتها الاقتصادية في التأثير على الدول الأخرى، وتوجبه سلوكها السياسي في الاتجاه الذي ?خدم المصلحة القوم?ة للدولة. وقد اعتبر هذا التعريف أن الدبلوماسية هي فنُّ حُسن استخدام العوامل الاقتصادية لحل المشاكل الس?اس?ة العالقة ب?ن الدول.

ونشير الى أن الدبلوماسية الاقتصادية ظهرت كمفهوم منذ أزمة الكساد الكبير في الولايات المتحدة، واكتسبت دوراً أوسع تدريجياً بعد الحرب العالمية الثانية حتى وصلت إلى وضعها الحالي كمظلة للدبلوماسيات المتعلقة بالجانب الاقتصادي التي تمارسها مختلف الأطراف الدبلوماسية الرسمية وغير الرسمية، وتعرف الدبلوماسية الاقتصادية بأنها: “إجمالي الأنشطة الاقتصادية الخارجية للحكومة وقطاع الأعمال للبلد”.

يذكر أن الدبلوماسية الاقتصادية برزت وبشكل قوي ونشط على الساحة الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وذلك عندما لاحت بوادر فوز الحلفاء في تلك الحرب، فبعد الفوضى الس?اس?ة والاقتصادية التي عرفها العالم بعد فترة الحرب العالمية الثان?ة، سعت مجموعة من الدول إلى إيجاد مؤسسات دولية تكون الغا?ة من وجودها إعادة تنظيم شؤون العالم الاقتصادية.

وبذلك نجد أن الدبلوماسية الاقتصادية تعد من أهم أدوات التعامل السياسي الدولي، بل إن الأدوات والوسائل المستخدمة ضمن هذا الشكل من الدبلوماسية أصبحت متفوقة بمق?اس الفاعلية والتأثير على الوسائل الاستراتيجية ذات الثقل التقليدي في الممارسات الدبلوماسية ب?ن الدول، فالمفاوضة الاقتصادية والمساومة والإقناع من أهم أشكال التعامل الدولي، ومن أهم أساليب إدارة العلاقات الدولية.

?مكن القول إن أسلوب الدبلوماسية الاقتصادية أسلوب ?قوم على عدة مرتكزات تميزه عن غ?ره من الأساليب التي ?مكن أن تنتهجها أشكال الدبلوماسية الأخرى، وهذه المرتكزات هي:

– أسلوب الدبلوماسية الاقتصادية هو أسلوب تجاري، ?عتمد بصورة رئ?سة على فكرة الاعتماد المتبادل.

– أسلوب الدبلوماسية الاقتصادية ?قوم على أساس وجود مصالح متداخلة ترفع الجهود الدبلوماسية نحو التنس?ق في إطار اتفاق مع?ن ?نظم التفاعل الاقتصادي ب?ن الدول، وذلك باعتماد قواعد اتفاقية تنظم سلوك الدول.

– وفق هذا الأسلوب ?جري التفاوض وفق مبدأ التنازلات المتبادلة، فكل طرف ?رسم لنفسه إطاراً مع?ناً، ?ضم عدداً من المطالب ?تحرك في حدودها ولا ?تعداها فهو لا ?مكنه القبول بأقل من الحد الأدنى.

– أسلوب الدبلوماسية الاقتصادية أسلوب ?عتمد على وجود الحوافز عند الق?ام بالمساومة، وهو غالباً ما ?كون أساساً لأي نشاط دبلوماسي، فلا بد أن تكون لدى الأطراف رؤ?ة واضحة لما سوف تجن?ه من المساومة.

– أسلوب الدبلوماسية الاقتصادية ?قوم على الإقناع والإغراء، ح?ث ?قوم المفاوضون بمحاولة إقناع الأطراف المفاوضة بأهمية المزايا والأهداف التي ?سعى إل?ها. وبدورها تعرف الدبلوماسية التجارية المعاصرة  Contemporary Trade Diplomac على أنّها الدبلوماسية المتعلقة بتبادل السلع والخدمات عبر الأسواق؛ إنّ الدبلوماسية التجارية لا تشمل إدارة المساعدات الاقتصاديّة للدولة المانحة أو المستفيدة، ولكنّ هذا النشاط يقع ضمن مجال الدبلوماسية الاقتصادية والشيء نفسه ينطبق على إدارة العلاقات الاقتصاديّة الدوليّة مع المنظمات الاقتصاديّة الدوليّة.

سياسة تجارية

استعملت الدبلوماسيّة التجاريّة للتعامل مع وصياغة السياسة التجارية خلال المفاوضات المتعددة والمشاورات التجارية وتسوية النزاعات. وتعمل الدبلوماسية التجارية على ترويج الصادرات وجلب وتشجيع الاستثمارات الخارجية الأجنبية، ورأس المال وتحسين المناخ والاستثمار، وتوطيد العلاقات السياسية عن طريق البعثات التجارية الخارجية من أجل دعم قدرتها التنافسية لمواجهة الشركات الأجنبية.

وتتكون الدبلوماسة الاقتصادية من ثلاثة عناصر:

الأول: استخدام النفوذ السياسي والعلاقات لتعزيز والتأثير في التجارة الدولية والاستثمار ولتحسين أداء الأسواق وتقليل التكاليف ومخاطر الصفقات عبر الحدود.

الثاني: استخدام الأصول والعلاقات الاقتصادية لزيادة وتعزيز المنافع المتبادلة للتعاون والعلاقات المستقرة سياسيًا وزيادة الأمن الاقتصادي بالتركيز على سياسات هيكلية واتفاقات التجارة والاستثمار الثنائية.

الثالث: تعزيز المناخ السياسي السليم لتسهيل وتحقيق الأهداف من خلال المفاوضات المتعددة الأطراف، وفي مجال المنظمات فوق الوطنية مثل منظمة التجارة العالمية والتعاون الاقتصادي والتنمية.

كما لعبت الدبلوماسية الاقتصادية دوراً هاماً في تطوير قواعد القانون الدولي الاقتصادي، ح?ث أوجدت قواعد قانون?ة تلائم الطب?عة الخاصة للعلاقات الاقتصادية الدولية، والمرونة التي تتصف بها. وقد راعت هذه القواعد من الناح?ة النظرية الأوضاع الاقتصادية المختلفة للدول، رغم أن الواقع ?ش?ر إلى أن الدول المتقدمة قد استفادت على نحو أفضل من الدول النام?ة من هذه القواعد، وذلك لبراعة الدبلوماسية الاقتصادية لهذه الدول في صياغة هذه القواعد أثناء المفاوضات.

ومن الأمثلة على الدبلوماسية الاقتصادية الناشطة:

البرازيل: شهدت البرازيل اهتمام كبير في إدخال الدبلوماسية الاقتصادية كعنصر ريادي للبرازيل واستطاعت من خلالها تحقيق موقع متميز وعلاقة قوية خصوصاً مع الدول النامية من خلال مشاركة المعلومات وإنشاء التجمعات الاقتصادية، ومن خلال سياسة المساعدات التي تنتهجها بطريقة تخدم مصالحها السياسية والاقتصادية.

 الصين: وهي من الدول التي استخدمت الدبلوماسية الاقتصادية بشكل فعّال للحصول على انطلاقه اقتصادية، فقد استخدمت الصين دبلوماسيتها الاقتصادية كأداة داعمة على مرّ الزمن وكمثال على ذلك فقد قامت الصين في سبتمبر 2010  بمنع شحن المعادن النادرة لليابان بسبب الأزمة الدبلوماسية بين البلدين الناجمة عن احتجاز سفينة صيد صينية من قبل السلطات اليابانية قرب جزر متنازع عليها بين البلدين، كما جمّدت الصين مفاوضاتها مع السويد لعقد اتفاقية تجارة حرة بسبب فوز معارض صيني بجائزة نوبل للسلام.

وفي سياق الحديث عن الدبلوماسية الاقتصادية، فإن التجربة الصينية في هذا الإطار تقدم شكلا احترافيا في إداره الصين لاقتصادها، وتولى الصين كونها أكبر دولة نامية في العالم من حيث عدد السكان، اهتماما كبيرا للدبلوماسية الاقتصادية، بهدف تعزيز العلاقات الدولية وتطوير التعاون بينهما عن طريق المساهمة في دفع اقتصاديات تلك الدول الذي يطلق عليه مسمى “تعزيز العلاقات الدولية بدفع الاقتصاد”، حيث عززت الصين علاقاتها الخارجية تدريجيا مع دول نامية وأقل نموا بدفع عجلة التنمية الاقتصادية.

ومن ناحية أخرى، تستخدم الصين علاقاتها الخارجية المقامة مع دول نامية وأقل نموا في تعزيز التعاون والتبادل الاقتصادي والتجاري الذي يطلق عليه “تعزيز الاقتصاد بالعلاقات الخارجية” حيث وقعت الصين منذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية على العديد من اتفاقيات التعاون الاقتصادي والتجاري خلال زيارات القادة الصينيين.

وزارة التجارة العراقية من خلال شبكة الملحقيات التجارية لها فضلاً عن بعثاتنا الدبلوماسية والقنصلية لوزارة الخارجية ومختلف الوزارات المعنية بالدبلوماسية الاقتصادية  والتجارة.

يتحتم استخدام الخبراء العراقيين لتنفيذ مشاريع إنمائية في إطار التعاون الفني، وتجدر ?الإشارة أن العديد من مواطنينا يعملون منذ زمن في البلدان الشقيقة والصديقة في مجالات متنوعة ?مثل الصحة والتعليم والكهرباء وإمدادات المياه والصرف الصحي وأعمال البنية التحتية وما إلى ذلك. ويمثّل هؤلاء المعرفة والدراية العراقية، وبالتالي يلعبون دور السفراء في التعريف بجودة  الخبرة العراقية في البلدان التي يعلمون بها.

وهذا الأمر يحفز وزارة التجارة أن تراهن على تثمين الجهود الوطنية لتعزيز صورة العراق بالخارج مما يعكس ادراكا مستمرا لأهمية الدبلوماسية الاقتصادية وما ينجم عنها من فوائد من حيث تنمية المبادلات التجارية والخدمات وجلب الاستثمار المباشر الأجنبي ولاسيما عبر مضاعفة المبادرات نحو البلدان النامية وفق أشكال عديدة، منها البعثات الاقتصادية المتعددة القطاعات أو المقترنة بقطاع ?معين، والمشاركة في المعارض التجارية في بلدان الاعتماد، مع تنظيم المنتديات الدولية، ودعوة بعثات من رجال الأعمال..

تحقيق اهداف

إن تحقيق هذه الأهداف يبقى رهين بذل الجهود المتظافرة والرؤية المشتركة والتآزر بين جميع ?الأطراف المتدخلة في الفعل الاقتصادي بالبلاد والمطالبين بالمساهمة في:

– استقطاب وجلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

– النهوض بالصادرات العراقية من خلال الانفتاح على أسواق جديدة وتنويع المنتوج والحرص على القيمة المضافة كالتعليب والتغليف وغيره.

– تصدير الكفاءات والمهارات والخبرات العراقية لخلق فرص العمل (أساتذة، أطباء، إطارات شبه طبية، مهندسون وغيرهم)

– تشجيع العراقيين في الخارج على الاستثمار في العراق.

– استقطاب المزيد من السياح لبلادنا والانفتاح على أسواق جديدة والترويج للعراق كوجهة سياحية متنوعة.

– الترويج للعراق كوجهة للدراسة والتكوين المهني خاصة.

وتعد اليقظة الاقتصادية والاستراتيجية أساسية لتمكين بلادنا من استغلال الفرص وتوظيفها لصالح الاقتصاد العراقي. كما أن دعم الشركات الوطنية الراغبة في تدويل نشاطها والانتصاب بالخارج يعد من أهداف ومضامين الدبلوماسية الاقتصادية العراقية.

فضلاً عن ما تم ذكره تعد رعاية المصالح الاقتصادية للعراق من المهام الرئيسة لوزارة التجارة العراقية، وتسعى الدبلوماسية الاقتصادية إلى تحقيق عدة أهداف، ألا وهي:

– دعم مؤسساتنا الحكومية ومنشآت القطاع الخاص في التصدير إلى الأسواق الخارجية؛

– استقطاب استثمارات أجنبية تستحدث فرص العمل إلى بلدنا؛

– تكييف الإطار التنظيمي الإقليمي والدولي مع مصالحنا الاقتصادية الدفاعية والهجومية؛

– التعريف بحيوية مؤسساتنا وشركاتنا ولا سيما شركاتنا الناشئة.

ويفترض من وزارة التجارة أن تبذل كامل جهودها في تحقيق هذه المهمة ويتناول الملف الاقتصادي في جميع تنقلاتها.

حيث يعد تنظيم الملحقيات التجارية (في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى واوروبا وإفريقيا) من المهام المنوطة بعهدة الدبلوماسية الاقتصادية من أجل تعزيز تصنيف العلامة التجارية الوطنية وبناء الهوية التجارية للعراق ودعم الاقتصاد التونسي والمساهمة في الانتعاش التدريجي للنمو.

وبهذا الصدد نشير الى أن قطع العراقيون خطوات مهمة نحو الاستقرار على المدى الطويل بعد إعلان النصر على تنظيم “داعش” في عام2017   وبعد أن قام العراقيون بتأمين بلادهم وأعادوا العمل في مؤسسات الدولة، سعوا لتحقيق نمو اقتصادي يقوده القطاع الخاص، ودعوا المستثمرين المحليين والدوليين باستمرار إلى استكشاف الأسواق العراقية والاستثمار فيها. وبعد أشهر من الجدل واستقالة حكومة السيد عادل عبد المهدي، ظهرت حكومة عراقية جديدة واعدة بقيادة السيد مصطفى الكاظمي مع فرصة لدعم حركة الإصلاح الاقتصادي في العراق لمواجهة أزمة انهيار أسعار النفط والقضاء على بعض بؤر الفساد.

وحتى يتسنى لمؤسسة الدبلوماسية الاقتصادية في العراق تحقيق أهدافها ومكتسباتها سيما في تعزيز تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي، يجب على الإدارة العراقية الأخذ بالإصلاحات الاقتصادية التي نادى بها مراراً نائب رئيس مجلس الوزراء السيد علي علاوي؛ إذ إن طرق المشاركة القديمة في السياسة الخارجية في القرن العشرين أصبحت غير فعالة بنحوٍ متزايد وينصب التركيز الآن على دمج الدبلوماسية الاقتصادية مع السياسة الخارجية للدولة، والنأي به عن التبعية الإقليمية.

يتمثل أحد المكونات الرئيسية للدبلوماسية الاقتصادية في العراق ممثلة بوزارة التجارة بالتعاون مع وزارة الخارجية والبنك المركزي العراقي في إقامة علاقة متوازنة بين القوى الكبرى إلى تأمين المساعدة الدولية – سواء المنح أو القروض أو الاستثمار الأجنبي المباشر – لتلبية تطلعاته الإنمائية المحلية، وهو أحد أكبر التحديات التي تواجه الدبلوماسية الاقتصادية العراقية. وكما كان الحال في الماضي، سيتعين على العراق تحقيق توازن في التعامل مع جيرانه تركيا، وإيران والسعودية. في الوقت نفسه، يجب على العراق العمل بجد للحفاظ على علاقات ودية مع القوى الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة وتفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي بكامل محاورها .

وفقا لذلك، يحتاج العراق إلى خارطة طريق سياسية قوية لأولوياته الاقتصادية والجيوستراتيجية من أجل أن يكون قادر على تسخير الموارد الاقتصادية والطاقة الإبداعية لسكانه ومعاجلة البطالة التي تعصف بالأفراد الذين يدخلون سن العمل،

اليوم اقتصاد العراق بحاجة ملحة إلى هذا النوع من الحراك الاقتصادي لتنويع مصادر الدخل وجذب الاستثمارات وتفعيل جميع الأطراف للوصول لهذه الغاية بالتعاون مع الملحقيات التجارية العراقية بمختلف دول العالم، بحيث لا يقتصر دورها على الجوانب السياسية، إنما يتعدى ذلك لتكون لها بصمات في جذب الاستثمارات الأجنبية للسلطنة والترويج للمُواقع السياحية والاستثمارية بالعراق.

وفي النهاية تمثل الدبلوماسية الاقتصادية المحرك الأساسي لجلب الاستثمارات المباشرة قصد زيادة نسبة النمو الاقتصادي وتحفيز التنمية الاقتصادية خاصة منها في المجالات الحيوية على غرار الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الرقمي.

مشاركة