الدبلوماسية الإقتصادية لدول مجلس التعاون  – فؤاد الصباغ

240

الدبلوماسية الإقتصادية لدول مجلس التعاون  – فؤاد الصباغ

إن الدبلوماسية في مدلولها اللفظي تعني كلمة دبلوم وهي الوثيقة الرسمية التي يسندها صاحب السلطة إلي شخص معين تتوفر فيه ميزات وخصائص من الرقي والسامية مقارنة مع أشخاص آخرين وذلك في إطار إنجاز مشروع معين يتم تحقيقه بنجاح. أما المصطلح الحديث للدبلوماسية الإقتصادية يعني إستخدام الموارد الأولية والثروات الوطنية والطاقات البشرية والمكاسب الإقتصادية وتوظيفها مباشرة في مشروع المقايضة أوالمساومة التفاوضية بين الدول ورجال الأعمال المستثمرين. كما تمثل الدبلوماسية الحديثة نموذج التفاوض الناجح بالطرق السلمية والحضارية من أجل إكتساب ثقة الطرف الآخر  بالأقوال وبالأفعال. وقد أثبتت التجارب التفاوضية السابقة في المجالات الإقتصادية وخاصة منها التجارية علي أهمية ذلك النوع من الدبلوماسية إستراتيجيا من أجل تعزيز مكاسب الأمة من إنجازات عبر سعيها لجلب الإستثمارات الأجنبية المباشرة وتحفيز المبادلات التجارية الدولية والرفع من نسق التعاون الدولي والمساعدات بين الدول والحلفاء. إذ في هذا الصدد يمكن القول أن من “لا يملك خبزه، لا يملك قراره”، بحيث أصبح عالمنا المعولم هذا تهيمن عليه القوي العظمي  صاحبة النفوذ المالي والإقتصادي علي غرار الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي وتحالف البريكس الذي يضم البرازيل، روسيا الإتحادية، الهند، الصين الشعبية وجنوب إفريقيا. إذا أصبحت اليوم مهنة التمثيل الدبلوماسي حساسة جدا لأنها يمكن أن تخلق مشاكل إقتصادية أوسياسية وحتي تأزم في العلاقات الدولية وقطعها ووضع علي قائمات سوداء وغيرها، إذ لم تحسن بعض الأطراف في التعامل مع بعض الملفات مع الجهات المفاوضة والتي تجمعهم مصالح سياسية وإقتصادية مشتركة. إذ في هذا السياق تعتبر الدبلوماسية الإقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي نموذجا ناجحا في التفاوض بين كل الدول التي تجمعها بهم مصالح تجارية، إستثمارية أوعلاقات مالية مشتركة. فاليوم أصبح سلاح النفوذ المالي والتعامل مع أسعار النفط والغاز وأيضا التمويلات من قبل صناديق التنمية والإستثمار والهبات والدعم المالي في وقت الأزمات في مجملها من أبرز الأسلحة الإقتصادية التي تعتمد كأوراق تفاوضية لدول مجلس التعاون الخليجي. كما أن الحروب الإقتصادية أصبحت مؤخرا تعد من أبرز أنواع الحروب تطورا وتقدما  وذلك عبر الضغوطات في المعاملات التجارية والمالية الدولية أوالإملاءات وفق أجندات وشروط تخدم مصالح القوي العظميق ولعل أبرز دليل علي ذلك فاعلية الحرب الإقتصادية التي تشنها حاليا الولايات المتحدة الأمريكية ضد عملاق التجارة العالمية الصين الشعبية أوضد برنامج دولة إيران النووية. أما أحداث الأزمة القطرية الأخيرة من خلال الحصار الإقتصادي من جانب بعض بلدان مجلس التعاون الخليجي أثبتت بدورها نجاعة تلك الدبلوماسية التي تعتمد علي الثروات الوطنية وتسخيرها في العمليات التفاوضية بحيث تمكنت دولة قطر من كسر ذلك الحصار بفضل حنكة دبلوماسيتها ومصالحها التجارية والمالية مع الدول الغربية مثل الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي. إذ تمثل الدبلوماسية الإقتصادية القطرية سلاح قوي ذوحدين وصامد تجاه أي أزمات داخلية أوخليجية، بحيث يمثل الدعم المالي والإستثمارات الضخمة بالدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية نواة قوة لتلك الدبلوماسية التي ترتكز بالأساس علي النفوذ المالي ودبلوماسية النفط مقابل دبلوماسية الدولار. أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة أصبحت مجمل صناديق التنمية والإستثمارات المباشرة وشركات النفط المحلية مثل أرامكووغيرها تعتبر هي أيضا سلاح ذوحدين ناجع وناجح بحيث تستعمل كأدوات لأغراض سياسية عن طريق مصالح إقتصادية ضد أي أزمات إقليمية أودولية. ففي هذا الإطار تعتبر عمليات تفعيل دور البعثات الدبلوماسية الإقتصادية في الخارج من أولويات السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي وذلك من أجل كسب أكبر نصيب من كعكة الإستثمارات والتجارة مع دول الإتحاد الأوروبي ورفع نسق التداول بالأسواق المالية العالمية وبسط النفوذ المالي واللوبي الخليجي بالدول الغربية والعربية.

صفقات واتفاقيات

بالإضافة إلي ذلك تمثل العلاقات السعودية مع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة عبر إبرام العديد من الصفقات والإتفاقيات المشتركة في شتي المجالات عنصرا داعما ومؤسسا قويا لدبلوماسية صامدة بعيدة الأمد وفقا لرؤية ولي العهد الملك محمد إبن سلمان بن عبد العزيز آل سعود لسنة 2030، أوأيضا مع الدول العربية الحليفة والصديقة خاصة من خلال مخرجات القمم الثالثة الخليجية، العربية والإسلامية التي أنعقدت مؤخرا بمدينة مكة المكرمة السعودية وذلك من أجل تقوية الحلف الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط. فالعلاقات الخليجية مع بعض البلدان العربية والإسلامية  تبقي راسخة ومستمرة خاصة من جانب تلك الإستثمارات الضخمة في شتي المجالات الحيوية منها في البني التحتية والمرافق الترفيهية والتي تديرها بعض الشركات العقارية والإستثمارية الإماراتية خاصة منها شركة سما دبي تعتبر رافدا من روافد التعامل الدبلوماسي الإقتصادي الخليجي وذلك لخدمة أغراض وأجندات سياسية وإستراتيجية بعيدة الأمد. أما بخصوص الفوضي العارمة والدمار والإرهاب التي شهدتها أغلب الدول العربية المجاورة لدول الخليج العربي أوببلدان بما يسمي الربيع العربي أصبحت تعتبر من أبرز العوامل السلبية لعدم إستقرار أمن المنطقة برمتها مما يهدد بالنتيجة مصالحها الإقتصادية والتجارية والمالية مع بقية دول العالم. بالتالي توجهت الدبلوماسية الإقتصادية الخليجية الحالية نحوسياسة قطع جميع علاقاتها الإقتصادية والتجارية مع الأطراف أوالدول الداعمة والممولة للإرهاب. عموما تمثل الدبلوماسية الإقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي أهم مصدر نفوذ إقليمي رئيسي من أجل تنظيم العلاقات التجارية والإقتصادية مع الحلفاء البارزين والشركاء الدائمين وذلك من خلال تقديم المخططات الإستراتيجية والدعم اللوجستي والتنسيق بين رجال الأعمال والمستثمرين الخليجين من جهة، والأطراف الأجنبية أوالعربية المشاركة في الحوار التفاوضي من جهة أخري، وكل ذلك عبر التمثيل الدبلوماسي في تلك البلدان التي تربطها معهم مصالح وشراكة تجارية وإقتصادية وسياسية. كذلك تساهم تلك النوعية من الدبلوماسية في تبسيط إجراءات العمليات التجارية أوالمالية وكذلك في تسهيل عملية الإستفادة من التقنيات الرقمية والتكنولوجيات الحديثة مع تقديم صورة حضرية متطورة لدول مجلس التعاون الخليجي بالخارج.

سياسة تطبيع

أما بخصوص سياسة تطبيع العلاقات الخليجية – الإسرائيلية كان له أغراض جيوسياسية ومصالح إقتصادية مشتركة خاصة منها الدور الفعال للولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة من أجل تحقيق الإستقرار الأمني والإقتصادي وإعتبار الخطر الإرهابي في الشرق الأوسط أهم خطر مشترك يجب مواجهته والتحرك لإجتثاثه من عروقه والقضاء عليه بصفة نهائية. فصفقة السلام الدائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين تحت رعاية وإشراف البيت الأبيض عبر مبعوثها الخاص للمنطقة مستشار وصهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جراد كوشنير تعتبر من أبرز العمليات التفاوضية من أجل تثبيت تطبيع العلاقات العربية إجمالا وإسرائيل. فتلك الصفقة للسلام والمعروفة بصفقة القرن تعد بدورها فرصة حقيقية نحوحل الأزمة في منطقة الشرق الأوسط تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية وبالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي ودولة مصر وذلك لإيجاد علاقات دولية تدفع عملية السلام إلي الأمام ووضع المنطقة برمتها في “حالة لا حرب وحالة سلم دائم” مع تسوية تلك القضية منذ نكسة 1967 إلي الآن بصفة نهائية. إن القوة المالية والإقتصادية لدول الخليج العربي قادرة اليوم علي مجابهة المتغيرات الإقليمية والدولية والحفاظ علي إستقرار دول الجوار. فالدعم المالي الخليجي قادر علي إعادة الإعمار بعد ذلك الدمار الهائل وتحقيق الإزدهار في منطقة الشرق الأوسط. بالتالي تمثل تلك القوة المالية الدولية لللوبي الخليجي الخارجي الدرع القوي القادر علي التحكم في أسعار النفط والغاز وخلق الإستثمارات الضخمة بالدول الغربية أوالعربية عبر ضخ القروض والهبات المالية من صناديق التنمية والإستثمار والجمعيات الخيرية الخليجية وتكوين مصدر قوة حقيقية للدبلوماسية الإقتصادية الخليجية التي تفرض دائما مواقفها ومكانتها المرموقة علي الصعيد العربي والعالمي.

مشاركة