الخير والشر والنزعة الأخلاقية في السينما الأمريكية

الخير والشر والنزعة الأخلاقية في السينما الأمريكية

احسان حمدي العطار

هل للإنسان قدره ، مخير هو ام مسير ؟

هل هذا الكائن الذي يعتبر بحكم النكرة مقارنة بموجودات الكون الأخرى قادر على تسير حياته نحو غاية تتجاوز قابلياته المحدودة ؟

أسئلة طرحها الإنسان منذ بداية وعيه ولعل الفلسفة لم تكن الا استجابة لسؤال الوجود هذا فبقدر ما بدأ الإنسان في بناء حياته بقدر ما بدأت الأسئلة بالتكاثر وما كهف أفلاطون الا خروجا عن واقع الإنسان المادي فكم كانت الحياة صعبة وظروفها المادية قاهرة الا ان الإنسان في خروجه من الكهف -الذي يجعل الحياة أشبه بالظلال نسبة الى الحقيقة – سيكتشف ان الأفكار هي فوق المادة وان المبادئ هي التي تخلد الإنسان …

عموما لاقت أفكار أفلاطون رواجا هائلا وأعادت الفلسفة الغربية إنتاجها بما سمي بالفلسفة المثالية وبالرغم من فتوحات ما بعد الحداثة التي اعادت التقدير للجسد وكرمت الحياة المادية الا ان المثالية ظلت تمثل فسحة لكل من يحاول بناء منظومة فكرية تعتمد على مبادئ أخلاقية مسبقة تسعى لإعطاء معنى غائي لحياة الإنسان وأجوبة لسؤال الوجود الأعظم : لماذا نحن موجودون ؟ ولان السينما لا تخلو من فلسفة فأنها حاولت هي الأخرى طرح رؤيتها عن وضع الإنسان في وجوده بل حتى ابسط أفلام هوليوود عبرت عن صراع الخير والشر وما نهايات تلك الأفلام المبهجة الا تصور عن حياة يملأها صراع دائم ونهايته تخضع لإرادة الإنسان في تحقـــــيق سعادته في الحياة …

فيلم ( winter’s tale 2014 ) واحد من الأفلام التي أثارت إعجابي في هذه السنة الفيلم للمخرج ( Akiva Goldsman ) وهو أيضاً كاتب سيناريو الفيلم ومعروف للنقاد كمؤلف لمجموعة رائعة من السيناريوهات لعل اهمها قصة حياة صاحب جائزة نوبل عالم الرياضيات ( جون ناش ) في رائعة المخرج رون هاوارد (2001 beautiful mind ) ونذكر تعاونه المثمر مع هاوارد أيضاً في نقل رواية دان براون الشهيرة (دافنشي كود) للسينما في عام 2006 ، ومن ثم مع النجم ويل سميث وتقديمه سيناريو فيلم (2007 I am legend ) …

الفيلم من بطولة النجوم راسل كرو وكولن فاريل و جيسكا براون الذين قدموا أداء رائعا في فيلم يستحق كل التقدير …

يتناول الفيلم قدر الإنسان في هذه الحياة ومن خلال قصة الحب التي تقدم فيه بطريقة جريئة ومغايرة نعرف ان الشر في هذا العالم من الممكن ان نغلبه بواسطة تحقيق معجزتنا او كما يعبر عنها الراوي في الفيلم بصورة أكثر من رائعة : نحن جميعا متصلون ، كل انسان يولد وهو يحمل معجزته الخاصة يحمل هدفا مميزا وتلك المعجزة تعود لهذا الإنسان بذاته ، لكن احذر : ونحن نسعى الى الضوء تتجمع الظلمات والصراع الأبدي بين الخير والشر لا يجري بين جيوش عظيمة لكن بحياة بعد أخرى .

فنحن في صراع دائم مع الشر الذي يحاول ان يسود الارواح ويسحق المعجزات ولكن ليس من الصعب ان تحدد قدرك في الحب … الحب الذي يجعل العالم دافئا ومضيئا وملؤه الامل … الحب الذي يخل الموازيين ولكن عندما نفتقد الحب الحقيقي … تصبح الحياة بلا معنى ونترك فارغين لكن احتمالية القدر تبقى ربما لان ما مقدر لنا لم يتم اكتشافه بعد ، ورحلة اكتشاف القدر تهزم حتى الزمن نفسه .

لا حياة اهم من الأخرى … ولا شيء بلا هدف ،لا شيء…و حينما يقترب الإنسان الى معجزته ، فأن الكون يساعدنا لتحقيق مصيرنا الذي وجدنا من أجل تحقيقه …

إذن صراع الإنسان مع الشر أولى به ان يكون صراع الإنسان لأجل تحقيق معجزته في الحياة وهذا ما بينه الفيلم في أحداثه وفي اكتشاف البطل ان هدفنا في الحياة هو الحب ، الحب الذي ينقذ الإنسان من التيه وينقذه من الشر ….

الطفل الصغير الذي يتركه أبواه في مركب صغير ليحط في نيويورك بعد ان تم رفض طلب دخولهم أمريكا يكبر ليسمى – بيتر ليك الذي يلاحقه راسل كرو (الرجل الشرير – الشيطان ) ليقتله وأثناء رحلة هروبه يحب فتاة مسلولة تحضر نفسها للموت وهي في عمر العشرين فيحاول بيتر إنقاذها ليفشل هو وتنجح هي في تحويله الى خالد لا يموت ليعود في بعد ستين عاما على وفاة محبوبته وهو لازال شابا لينقذ طفلة صغيرة مصابة بالسرطان بعد ان قبلها على جبينها ويحقق بذلك معجزته التي أبقته على قيد الحياة ومن ثم يركب حصانه الأبيض ليلتحق بمحبوبته كنجمين لامعين في السماء … لتنتهي قصة الحب التي تسعى لطرح فكرة عميقة عن وجودنا:

“ماذا لو كنا جميعا جزء من نمط أعظم سنفهمه يوما ما ؟

ويوما ما نفعل ما نقدر عليه نحن فقط لنتحد مع من احببناهم ونعانقهم للأبد …

ماذا لو كنا سنصبح نجوما؟ الفيلم عبر عن أفكاره بلغة شعرية جميلة وبطريقة فنطازية ساحرة ، إضافة الى القصة والإخراج المثاليين أدت الممثلة الفاتنة جيسكا براون أداءا يستحق الثناء الى جانب راسل كرو وكولن فاريل ، كل هذا لا يمنعنا من ذكر الموسيقى التصورية ألأخاذة للموسيقار الألماني هانز زمير ( احد اهم من قدم موسيقاه للسينما العالمية ) …. الفيلم يستحق المشاهدة وسيعجب به كل من محبي الأفلام الرومانسية وأفلام الfantasy …

هل لجانب الشر في داخل الإنسان حدود ..

ولربما كان السؤال معكوسا هل لجانب الخير في الإنسان وجود بمعزل عن جوانبه المظلمة ..ام هل توتر هذين الحدين هو ما ينبع من داخل الإنسان ويدعه في حيرة : هل أنا شخص واحد ام ان لوجودي تمظهرات مختلفة حد التناقض…

هل من الذكاء ان نكون طيبين ونقمع قوى الشر التي تتقد في داخلنا ؟

وهل من الحكمة إطلاق تلك القوى لتغدو حياتنا رهينة وتابعة لها …

فيلم ( Black Swan 2010 ) للمخرج (Darren Aronofsky) من الافلام التي عبرت عن هذا الصراع بصورة عبقرية وفذة ، حيث يطلب من بطلة الفيلم أداء دور الأميرة في مسرحية موسيقية راقصة حيث الاميرة تتحول الى بجعة ليأتي الأمير ويقبلها فترجع الى طبيعتها ولكن في قصة هذه المسرحية بعض الاختلاف حيث تأتي أخت تلك البجعة ( البجعة السوداء ) لتخطف حب الأمير فتموت البجعة البيضاء بأن ترمي نفسها من عل ..

أداء البطلة للدورين في نفس الوقت يتطلب نوع من الازدواجية ولكن تلك الازدواجية تضع بطلة الفيلم في صراع داخلي أشبه بانفصام الشخصية صراع بين طبيعتها الطيبة و ما يتطلبه الدور من إخراج كوامن الشر في نفسها فتنعكس تلك المعاناة على يومياتها على شكل صراع داخلي ينتهي بانقسامها الى تلك الشخصيتين المتناقضتين. الأداء الرائع لنتالي بورتمان( والتي حازت على جائزتي الأوسكار والغولدن غلوب عن دورها في هذا الفيلم ) جعلنا نعيش هذا الصراع الداخلي في حركاتها الراقصة وفي توتر نظراتها ولمعان عيونها .. لعل أداءها الفذ لعب دورا كبيرا في إنجاح الفيلم الذي لا نبخس فيه تألق بقية الطاقم .

فيلم يستحق المشاهدة بكل تأكيد.