الخياط الساحر

709

قصة قصيرة

الخيّاط الساحر

ضياء حسون

-ما كان عليك أن تشتري هذه المعاطف التركية الرخيصة، أنها أسوأ من قميص مهترئ، كان ينبغي أن تشتري مما تخيطه أيدينا، خبرة سنوات طوال، لكن ماذا نفعل، انا لله وانا اليه راجعون، بسبب المستورد، بارت خياطتنا الراقية!

بذلك زمجر خياط المعاطف الجلدية،على الشاب الذي جاءه حاملاً معطفه الجلدي، طالبا إجراء تغيير في أكمامه، كي تنسجم وحجم يده.

-لكن عذرا، فهذا المعطف اشتريته من معرض الجلود، أي أنه صناعة عراقية خالصة، ناهيك عن سعره الذي تجاوز المئة ألف دينار بقليل.

قال الشاب ذلك وهو مرتبك أمام أنفاس الخياط الغاضبة والدخان الذي يخرج مع كل كلمة ينفثها، وكأنه يحتبس دخان سيجارته في صدره، ليضفي على صراخه جوا غائما لا ينتهي إلى مطر، مستندا على منضدة تفصيل الجلد، والتي ليس عليها من الجلد، إلا مسطرة وطبشور وعلبة فيها فرشاة صغيرة، مرعدا بالقول:

-اي منتج محلي هذا، هذا الجلد عراقي يذهبون به إلى تركيا لدباغته وخياطته، انظر، ياللسخرية، كم هو خفيف، كأنه أعد للصيف، أني لأبصق على الأيادي التي عملته، لكن ماذا نفعل؟! انا لله وانا اليه راجعون، غيرنا يخدع ونحن نرقع، كي نجعل من الخداع حقيقة، لا تهتم يا أخ، سوف اجعل منه معطفا تأسر به قلوب العذارى.

-لا أريد أسر قلب أحد به، كل ما أريده أكماما بدل الحلقات في نهاية الذراع، ومكابس بالجيوب، ومن الخلف هناك تغضن ينبغي كيه.

-طيب، هذا كله يكلف خمس وعشرون ألف دينار!

يا إلهي، هذا كثير، أنه ربع ثمن المعطف!

-يا سيد، ليس له ثمن الآن، إنما ثمنه بعد إكمال لمساتي الفنية الساحرة عليه.

-حسنا، سأعطيك عشرين ألف، لكن متى تكمل تلك اللمسات الساحرة؟

-أسبوعا واحدا.

-ماذا!؟ أسبوع أمام عمل يمكن إنجازه بنصف ساعة.

-يا رب، أعني على كل من يحشر أنفه في عمل لا يفقه فيه، يا أخ! هناك أكمام وازرار وكي للظهر، كل أمر من هذه الأمور يحتاج يوما كاملا على الأقل. هذا جلد حجي، هل تعي معنى الجلد؟! في يوم ما كان حيوان يرتديه، وهناك من سهر على تربية هذا الحيوان وعلى ومأكله ومشربه، وهناك من ذبحه، وهناك من اشتراه وأكله، وأنت تنظر للموضوع بكل بساطة.

-لا العفو، جميل أن أرتدي ما يرتديه الحيوان، لكن أرجو أن لا اُذبح واُسلخ! اسعدت مساء وساتيك يوم الجمعة القادم.

-لا قبل الجمعة، إلى اللقاء.

خرج الشاب كخروج “اكاكي اكاكيفيتش” من الخياط في قصة “المعطف” لكيكول، منتشيا بمعطفه الذي سيلبسه بعد إكمال خياطته. نزل من عمارة خياطي الجلود المعتمة والمتعددة الدهاليز، التي تصلح لتصوير أحد أفلام الرعب، عندما يقوم القاتل فيها بسلخ جلود ضحاياه. خرج إلى الشارع الرئيسي حيث تصطف محلات بيع المعاطف الجلدية المستوردة، أنواع جميلة وبدباغة ممتازة، يصل سعر الواحد منها خمسة وسبعون ألف دينار، أحس بالندم بعض الشيء على استعجاله دفع مبلغ عشرين ألف دينار لعملية إصلاح بسيطة، إلا أن عزائه كان إنتظار لمسات الساحر على المعطف، ليجعل منه شيئا أفضل وأجمل من هذه المعاطف المعروضة.

وبعد مرور الأسبوع عاد الشاب إلى ذلك الخياط، وأيضا لم يجد أحدا عنده، يجلس كالمرة السابقة يقلب في هاتفه والتلفاز خلفه يظهر إحدى المسلسلات التركية من ذوات الألف حلقة ونيف، وأمامه ماكينة خياطة قديمة، فقدت كل لمعانها وبريقها، عليها بكرة خيوط سوداء. دخل الشاب ولم يلاحظه الخياط المشغول بهاتفه، الذي ينظر فيه مبتسما، استخلص الشاب إلى أن الخياط يشاهد مواقف مضحكة. وقف قليلاً، عسى أن يرفع رأسه الخياط، إلا أن ذلك لم يحدث، ثم قال الشاب:

– السلام عليكم.

رفع الخياط رأسه وقد غابت الابتسامة عن محياه، مصطنعا معاني جادة، تتمثل بفرش أنفه وتصغير عينيه، مجيبا:

– عليكم السلام، تفضل.

– هل نسيتني بسرعة!؟

– العفو، لكن المئات يدخلون المحل يوميا! هل أستطيع مساعدتك؟

– لدي معطف تركته عندك كي تغير أكمامه، بإسم سرمد.

فتح الخياط سجله الذي يبدو من بعيد فارغا، وتظاهر بأنه يقرأ قائمة طويلة من الأسماء، صاح قائلاً:

– آه، نعم المعطف ذو الأكمام، الحمد لله أن استطعت انقاذه مما كان فيه، انا لله وانا اليه راجعون، أي خياطين هؤلاء، تفضل، ألبسه.

– على كم اتفقنا؟

– على عشرين ألف دينار.

أخذ الشاب معطفه واعطى العشرين ألف دينار إلى الخياط، الذي نظر باسما إلى الورقتين الخضراوتين من فئة العشرة آلاف دينار. كان المعطف المستعمل الوحيد المعلق في المحل، مع ثلاث قطع معاطف جديدة تعلوها الأتربة. ارتدى الشاب المعطف، والخياط يراقبه وهو مازال مغتبطًا بالعشرين الف التي بيده، بدت للشاب أن الأكمام خيطت بصورة مقلوبة، ما أن رآها الخياط حتى عاد مسرعا ينظر في سجله الفارغ من الأسماء، تسمر الشاب بصورة بلهاء رافعا يديه إلى الأعلى قليلاً، ناظرا إلى وضعية الأكمام الغريبة، تجاهلها خافضا عينيه نحو الجيوب التي من المفترض أن يزرها الخياط بأزرار، فتسائل الشاب عن سبب تركها دون أزرار، فقال الخياط:

-هذا أمر بسيط، سوف ازرها بسرعة البرق!

– والتغضن في أسفل المعطف؟

– ما أسهل ذلك، انتظر!

-لماذا لم تقم بتسجيل هذه الملاحظات في سجلك الكبير جدا، كي لا تنساها.

-اوووه، كثرة الأعمال يا صديقي لا تدع أي مجال لتذكر أو تسجيل أي شيء!

– لكنك لم تنس العشرين ألف دينار!

امتعض الخياط من العبارة الأخيرة، وأخذ يزر الجيوب بمكابس خاصة بالجلد، بعدها قام بتمزيق البطانة لوضع مقوى خلف الظهر كي يختفي التغضن، ومن ثم بدا يكوي المعطف على عجل، ما أدى إلى ظهور أثر للكي على ظهر المعطف، قلبه بسرعة على الوجه الآخر، تاركا البطانة ممزقة، لاحظ الشاب كل ذلك، كما أن الأزرارعلى الجيوب لم تكن بمستوى واحد! قال الخياط بعد ان ناول المعطف للشاب قائلا:

-الآن كل شي على ما يرام، اتمنى أن يكون هذا درس لك حتى لا تشتر المعاطف الجلدية المستوردة، فأنا اخيط احلى منها واكثر جودة بألف مرة! أنا جواد الساحر، فقط أسأل عني في السوق.

-لماذا أسأل عنك وانت تقف أمامي أراك وارى عملك؟! سوف اترك هذا المعطف هنا، كي تريه لكل من يجرؤ على الخياطة عندك، انت تذكرني بالسياسيين، الذين ما أن وضعوا أيديهم على شئ إلا وافسدوه، كان ينبغي عليّ أن أستخدم الأجنبي على علاته دون المرور بك، فالأجانب أصدق وأعرف بذوقي ومقاساتي، أيها الخياط “الساحر”.

مشاركة