الخفايا والمستقبل – عبدالرضا سلمان حساني

396

الخفايا والمستقبل – عبدالرضا سلمان حساني

جائزة نوبل في الفيزياء2019

أعلنت الأكاديميّةالملكيّة السويديّة للعلوم  يوم  8 من الشهر الحالي تشرين الأول (أكتوبر) 2019 عن موضوع جائزة نوبل في الفيزياء والفائزين بها.  لقد كان موضوع الجائزة هو المساهمات في فهمنا لتطوّر  الكون وموقع الأرض في النظام الكوني.

وكان الفائز  بنصف الجائزة الفيزياوي النظري جيمس پيبلس(لقب ألبرت آينشتاين پروفسور علوم ويعمل في جامعة پرنستون الأمريكية منذ تخرّجه منها عام 1962(كندي المولد 1935).

عنوان مساهمته العلميّة في الجائزة هو:

( إكتشافات نظريّة في علم الإكوان الفيزيائيّة )

حيث يعمل في هذا الحقل منذ أكثر من 57 عاماً. في بحوث وأطاريح عديدة.

أما النصف الثاني من الجائزة فقد تقاسم به باحثان سويسريّان هما

ميشيل ماير(پروفسور في جامعة جنيڤ- تولّد  1942) و  ديدير كويليز  (پروفسور في جامعة جنيڤ وجامعة كامبردج- تولّد 1966) لجهداهما معاً  في (إكتشاف كوكب خارج نظامنا  الشمسي يدور حول نجم شمسي النوع).

الموضوع الأول للجائزة

يتضمّن تشخيص مكوّنات الكون  المتشكّلة منذ حدوث الإنفجار الكبير قبل  14 مليار  سنةتقريباً وإكتشافها بإرجاع الزمن الى وقت حدوث ذلك الإنفجار وتمدّد الكون الذي لم يتوقّف حتى زمننا الحاضر.

تشمل مكوّنات الكون بعد الإنفجار الكبير مايأتي:

1- الطاقة المظلمة وهي الجزء الأعظم منه.

2- المادة المظلمة.

3- الكواكب والنجوم بضمنها الشمس والأرض في مجرّتنا بالإضافة الى إشعاعات المايكروويڤ المتولّدة بعد الإنفجار والتي تحيط بالمجرّات على شكل غيوم عملاقة والمنتشرة منذ ذلك الحين. والرجوع بالزمن  الى  وقت الإنفجار الكبير ودراسة خلفيّة إشعاع المايكروويف الكوني هي معطيات قراءة مكوّنات الكون بسبب بقاء هذا الإشعاع وعدم إختفاءه.

 تبسيط الموضوع للقارىء

بموجب ماتوصّلت اليه الحسابات،  فإنّ المكوّنات المظلمة للكون  تشكّل نسبة 95 بالمئة منه ونسبة المادة الطبيعية فيه كالكواكب والنجوم ونحن والأرض هي فقط 5 بالمئة.

وفي مقابلة علميّة  بعد منح الجائزة مباشرة،  تحدّث أحد المعنيينفي الأكاديميّة بصورة مبسّطة  عن مكوّنات  الكون المشار اليها في أعلاه وكأنّ الكون هو  كوب من القهوة.  يمكن تشبيه كمية القهوة التي تملأ الكوب  بالطاقة المظلمةوكمّية الحليب القليل المضاف بالمادة المظلمة وإضافة مقدار قليل من السكّر اليها هو مايمثّل نسبة المادة الطبيعيّة.

وهنا لابدّ  أن نذكّر بأنّه

من المفيد الإطّلاع على المقال (مرّيخيّات 3) المنشور في عدد الزمان الصادر  بتاريخ

2019/8/24 حول تعدّد الأكوان.

الموضوع الثاني للجائزة

في العام 1995 نشر ميشيل ماير  مع ديدير كويليز  بحثاً أعلنا فيه أول إكتشاف لكوكب خارج نظامنا الشمسي يدور حول نجم شمسي النوع ضمن مجرّتنا درب التبّانة بواسطة مرصد في جنوب فرنسا.

وهذا الكوكب المكتشف وغيره يقع ضمن مكوّنات الكون الطبيعيّة المشار اليها في (3)  أعلاه.

يمثّل هذا الإكتشاف ثورة في علم الفضاء وهناك 4,000  نجماً خارج المنظومة الشمسيّة في مجرّة درب التبّانة. لقد أضاف هذا الإكتشاف أبعاداً  تحوّليّة لفهمنا للكون والمجرّة وما فيها من كواكب وخفايا تواجه البحث والتحرّي.

ستتبع هذا الإكتشاف

مستقبلاً دراسات لغازات ومكوّنات أجواء هذا الكوكب و الكواكب الأخرى وتحليل النتائج بالتنبؤات المتعلّقة بإمكانيّة عيش  البشر  فيها. تتم مثل هذه الدراسات عن طريق تتبّع آثار حركة الكواكب بسبب عدم إمكانية رؤيتها لوقوعها أمام  نجوم شمسيّة مضيئةفي منظوماتها الكونية.

إشعاع  المايكروويڤ الكوني وخلفيّته

عندما نتحدّث عن هذا الموضوع، نعود الى نظريّة الإنفجار الكبير وما طرحته لكي ندرك مالذي نشاهده اليوم.  إنّ جميع الكتل الموجودة  في الكون بدأت من نقطة حادة في الخصوصيّة كثيفة جدّاً جدّاً دون حدود لدرجة (المالانهية)تعجز الرياضيّات في  تمثيلها والتعبير عنها . وبعد الإنفجار بمائة ألف سنة، بدأت هذه الخصوصيّة النقطيّة الهائلة في الكثافة باتتمدّد قليلاً لكنّها بقيت  بنفس الكثافة  والغموض دون أن تُفهم. كان الكون كثيفاً وحراً جداً بحيث لا يسمح لمكونات الذرة أن تتحد لتشكيل ذرّة.

وبعد الوصول الى 380,000 سنة بعد الإنفجار  بدأت تظهر ملامح كون بعد انخفاض درجة الحرارة الى درجة 3000 كلڤن حيث ولدت أول ذرّة في الكون وهي ذرة الهيدروجين  بعد إن كان الكون كلّه فوق الساخن عبارة عن حالة بلازما حارّة بيضاء  (غاز  متأيّن موصل للكهربائيّة). ومن ذرات الهيدروجين هذه وتحت هذه الحرارة، يمكن أن ينبعث فوتون لينتقل في الكون وهي الموجات الكهرومغناطيسيّة المنتقلة في الكون منذ ذلك الحين.

هناك حقيقة يعرفها الفيزيائي وهي أنّه كلّما يبتعد مصدر الموجة الكهرومغناطيسيّة عن الناظر، فإن الموجات تكتسب تزحيفاً بإتجاه اللون الأحمر  وهذا ماحدث للموجات المتولّدة بعد الإنفجار الكبير بفترة 380,000 سنة والتي تمّ الكشفً عنها عمليّاً كموجات مايكروويڤ  في أواخر الستّينات من القرن  الماضي وهي تنتقل في كوننا الشاسع المستمر في التمدد منذ 7 , 13 سنة تقريباً.  لقد وُلدت هذه  الالموجات  بترددات  معينة ووصلتنا بعد مليارات السنين هذه وعانت ماعانت من تزحيفات بإتجاه الأحمر   ثمّ الى الطيف الراديوي والتي يسمّى الآن بإشعاع خلفيّة المايكروويف الكوني.

إنّ مثل هذا الإشعاع موجود في نقطة أو إتجاه في الكون وأصبح مجسّاً للمعلومات والبيانات المسجّلة عن طريق التلسكوپات الراديويّة والأقمار الصناعيّة بضمنها تقلّبات درجات الحرارة عبر المجرّات ودراسة مكوّنات الكون وتطوّرها مع الزمن.

وأخيراً، يمكن إستخدام آلية التزحيف الأحمر لقياس الأبعاد الفلكيّةالمجرّية عن طريق معرفة مقدار هذا التزحيف الأحمر حيث  يكون ضوء المجرّات الأبعد عن الأرض المزَحّف الأكثر  وإنّه كلّما ابتعدت المجرّات في الكون المتمدد عن الأرض، تزداد سرعتها ويكون التزحيف الأحمر لضوئها أعلى  وهي تشاهد من الأرض.

سطور الختام

في إحدى جلسات المؤتمر السنوي لفيزياء البلازما المنعقد بجامعة كامبردج عام 1984 حيث شاركْنا  أستاذي المشرف  (پروفسور ألن فسلپس) وأنا ببحث،  سألني جون لوصن(پروفسور ومعروف عالميّاً بالإختصاص):

– لماذا تدرس فيزياء البلازما ولديكم النفط كمصدر للطاقةفي العراق؟

أجبته:  وجوب مواكبة العالم بهذا الإختصاص وتطوير التدريس والبحث في الجامعات العراقيّة وهو ماكان يعمل به المختصّون هنا.

فهل مازلنا في نفس المسيرة لتطوير هذا الإختصاص الدقيق في الجامعات الآن؟!

مشاركة