الخزافة زينب الركابي – عادل الميالي

الخزافة زينب الركابي – عادل الميالي

إنتاج الجمال بروح معاصرة

  زينب الركابي خزافة عراقية تمتاز بتفانيها، وإخلاصها الكبير لعملها الفني، فهي تحمل روح البحث ، ومحاولة العثور على أسلوب خاص ، إذ أن نتاجاتها قد ابتعدت عن الواقعية التقليدية التي تغيّب الصفة الإبداعية في العمل الخزفي ، وذهبت لاكتشاف القيم الفنية والجمالية الخاصة بشكل مبتكر . .

    لقد شكلت هذه الخزافة أعمالها، وعبرت عنها ليس عبر العين الناقلة والمقلدة ، ولكن من خلال الروح والحس ، والتعبير الذاتي والتحليل، بحيث جعلتها تنبض بالحركة والحيوية ، وتحمل كل معاني التسامي والانطلاق ، لإيصال خطاب إنساني يعبر عن مشاعر الإنسان وهمومه ومعاناته وآماله وأحلامه ، فالخزف بالنسبة لها فن للتعبير عن الذات ، ومجموعة رؤى وتجارب وهواجس ، ومعالجة ذاتية للروح ، ورسالة إنسانية ، ومنجز فني قابل للتفسير والفهم .

   لقد سعت الخزافة عبر تكويناتها الفنية إلى استنطاق الأبعاد الجمالية والفنية والتعبيرية عبر الخروج عن بعض القواعد التقليدية أو التلاعب الحر الذي يمتلك شجاعة المغامرة ، لإخراج نتاجات فنية خارج حدود الخزف ، حيث أثبتت حضورها عبر خزفيات تحمل دلالات جمالية وروحية ، لذا فهي تواصل الحث باتجاه التغيير والحداثة ، لوضع قواعد صارمة للخزف تبتعد عن العادي واليومي والتزويقي ، ومنحه سياقه الجمالي والجدلي .

اتجاه اقرب

تتجه أعمال الركابي نحو التعبيرية التجريدية كونها الاتجاه الأقرب والأبلغ في التعبير عن دواخلها ، حيث تسعى إلى الاختزال ، والابتعاد عن معطيات الشكل الواقعي ، عبر رحلة نحو الداخل والخارج ، وما وراء الشكل الواقعي ، أي عدم محاكاة الواقع ، والاتجاه نحو الرمزية والشكلية في الفن .

    فكرة العمل الفني لديها تتحول من الفكرة في الذهن إلى القوة بالفعل ليتحقق الإنتاج الفني بالمادة ، أي بمعنى آخر نقل اللامرئيات إلى مرئيات ، وتحويل اللامتعين إلى عنصر ذي استقرارية عالية ، وإدراك واضح للفنان والمتلقي ، وبذلك فان فكرة العمل تمثل لها ولادة روحية وابتكاريه تجسد طموحاتها ، ونمط تفكيرها ، بهدف الارتقاء بالنمو المعرفي والفكري للمتلقي كي يتذوق الفكرة بشكل سليم .

 اللون لديها أداة تعبير عن الفكرة ، فهو يمثل رموزا وقيما جمالية ووسيلة لكشف القدرة على التعبير ، إذ يغلب على خزفياتها استخدام اللون الشذري لرمزيته القدسية وبدرجات متفاوتة ، مع استخدام اللون الأسود ، والبرتقالي ، والأحمر .

  سعت الركابي إلى إيجاد علاقة متوازنة بين الموروث من جهة ، والحداثة من جهة لخلق كيان فني جديد برؤية عميقة وواعية قادرة على كشف ما في التراث من قيم وأسرار وصياغتها بشكل مميز ومبتكر ومعاصر ، بحيث يلبي حاجات المتلقي الروحية .  لقد إتخذت الخزافة زينب في بعض خزفياتها مسارا وأسلوبا وهوية عبر استخدام ثيمة الوجه وتكسيره وتهشيمه وإعادة ترتيبه للتعبير عما تريد طرحه ، بهدف الخروج من واقع الخزف التقليدي ، عبر التحرر من القواعد التقليدية .

  كما ابتعدت عن المألوف التزييني للخزف ليصبح العمل لديها يحمل فعل مغاير يحمل رسالة جديدة ذات أبعاد مستحدثة للمتلقي ، فالعمل لديها أشبه بحكاية نحتية أو لوحة لم تكتمل لتعكس دواخل وجوه وطوطميات غير معرفة نفذت بتقنية الفخار الخالص المكسو باللون الواحد ليعطي انطباعا مؤثرا وموحيا بدلالات متغيرة من عمل إلى اّخر .

  خزفيات زينب الركابي تضم قيما جمالية وروحية ، فلا تظهر تلك الثرثرة البصرية التي نجدها لدى الآخرين .. إنها أقل زخارف ، وتنعدم الزوائد في أعمالها.. فهي مقتصدة في مفرداتها البصرية بما يتطلب اتقاناً عالياً في استخدام الأدوات والمواد.

  الركابي تجربة عراقية في منتهى الأهمية والجمال، فهي تواصل إنتاج الجمال حرصاً على التفرد، وسعياً نحو بصمة فنية خاصة من خلال طرح أفكارها المستوحاة من المعاناة الإنسانية اليومية أو استلهامها للموروث الشعبي برؤية معاصرة في المعالجة.

مشاركة