الخزاعي ينسج السردي روائي يجيد صنعته بحرفية عالية
يوسف عبود جويعد – بغداد
نداء للروح . نداء للعقل، نداء للانسانية، مهمة شاقة وعسيرة وكبيرة، رحيل، ضياع، غربة، منفى، ولكن لمن هذا المنفى ؟، أنه منفى للجسد، لتلك النساء اللواتي، منحن الرجل حق ان يقود مسيرة الحياة، كن مجبرات على الانقياد خلفه، الا أنه اشبه بقبطان فقد كل الاتجاهات ليمخر عباب البحر نحو المتاهات، وكانت المرأة كائن ذليل ضعيف، يتحمل مرارات الهفوات، والاخطاء، والفشل، والحروب، تلك التي كانت من صنع الرجل، الا ان الضحية كانت المرأة، التي همشت، سلبت ارادتها، فقدت كيانها، مسخت شخصيتها، وكأن ما يدور لعنة حلت على المرأة دون سواها، فعاشت في المنافي، ترنو الى وطن، وحبيب، وقلب، وعقل ينظم الحياة، هذا هو البناء الرصين، الذي خطت فيه رواية (( منفى الجسد)) نسيج خيوطها السردية،للروائي خضر عواد الخزاعي، لنعيش في اغرب ثيمة، ممكن ان يتناولها روائي، معلناً صيحته الحزينة، التي تخاطب الروح، تدخل في اعماقنا تهزنا، تقلب افكارنا، نتطلع الى هذا الكائن الرقيق الشفيف، المرأة تلك التي دخلت في بوتقة حياتنا، وتخبطت في خيباتنا،وغرست حتى هامتها في الوحل، وهي تصرخ، هل من منقذ ؟، وبالرغم من الحس الهاديء، واللغة المتناسقة المناغمة، والايقاع الانفعالي الحزين، الذي ما فتأ يشدنا الى سبر غور حياة ((هدى))، هذه الانسانة الرقيقة، التي تدعونا وهي تقود مهمة سرد الاحداث بصوت ناعم، ينساب الى اسماعنا، لقد اجاد الروائي وبقدرة فائقة ومتقنة، ان يتلبس شخصية المرأة، وروحها، وكيانها، لتنوب عنه في نقل احداث الرواية، والتي نسينا تماماً، ان من يكتب الرواية رجل، وهذا سر من اسرار كتابة الرواية الحديثة، وسبب من اسباب نجاحها، لانها عكست كل احزان النساء، عكست كل اسرار النساء، ودعتنا تاركين كل ما حولنا، لنعيش معها، مع احداث الرواية السردية التي تفوق الخيال في غرابتها، لقد اجاد الروائي خضر عواد الخزاعي، البناء العام للشخصيات، حتى ان المتلقي لم يكن امام متن نص سردي، بل انه فتح الابواب مشرعة امامه، ليدخل الارواح المتعبة، المضمخة بالجراحات النفسية المؤلمة، وهاجس المرأة الذي تخاطب فيه الرجل، لتعلن له امام الملأ، انه بات لا يجيد قيادة الحياة، نحو شاطيء الامن والامان، نحو شاطيء الطئنينة، نحو الحب والحنين، نحو العلاقات الانسانية التي تحتاجها، (( وايضاً كانت هناك اغفاءة ربما متفق عليها، بين كل من تعاقبوا، على التصدي لتشريع القوانين الوضعية، وحتى السماوية، لان تكون الانثى بهذا الوضع المخزي، حيث لا يتعدى وجودها، حدود حضورها المادي، وبالاخص المنطقة الممتدة، بين وسطها وصدرها، والتي تلبي في العادة الحاجات الغرائزية للذكور، من خلال الوظائف التقليدية لعناصر الانوثة، التي ارتهن مصير الانثى معها منذ الازل )) ص 7، وبطلة القصة ((هدى )) بعد ان يصيبها اليأس من الحصول على غايتها، بالزواج من حبيبها عمار، تهرب الى بلد الغربة، نافية جسدها فقط، الى زوجها قاسم، بينما كانت روحها وقلبها، مع عمار الذي تركته في وطنها، التحقت بقاسم جسد منفي، هرباً من حياة قاسية، الكل مشغولين فيها بالاقتتال والحروب، والحقد والكراهية، هربت لتقصد الحرية، ولتجد اناس ينامون بهدوء، وينعمون بالامن والسلام،فالبلاد لم تعد تصلح الا لحملة السلاح، ان المسار السردي بلغته الروحية العميقة سار بنا نحو العمق، نتوغل اكثر، لتبقى هدى بجسدها مع قاسم الذي اختارته هرباً من تهميشها وقتل طموحها، الا ان قلبها مع عمار، حياة في شقة، في بلاد الغربة، ليس لها فيها سوى زوجها، والجدران، فتحت نافذة الشرفة، لتكحل ناظريها بالمناظر الخلابة، وعندما نظرت الى الاعلى، شاهدة شوان جارتها تلوح لها وعندما تحدثن،تكتشف انها من محافظة السليمانية في شمال العراق، وانها تريد التعرف اليها، الا ان زوجها، يقفل باب الشقة، ويتركها بين جدرانه، وتجد هدى طريقة في فتح الشقة والالتقاء بشوان، وتجدر الاشارة هنا، الى ان دخول شوان الى واقع الحدث السردي، شد بنائها،ووضح ثيمتها، وسمت الاحداث، نحو الرقي، نحو الذروة، نحو الاحتدام، نحو توضيح الهدف المبتغاة، الذي اجاد الروائي في مسك زمامه، فشوان تعيش مع اسرة في مزرعة بين الجبال، وكان والدها يحب الزرع ويتغزل به، الا انه يتهجر عنوة مع اسرته، فيموت حزناً، ثم تمرض الام، وبعد محاولات تموت وتفقد شقيقتها الصغيرة، وتؤخذ عنوة مع ثلاثة عشر فتيات (( كان زعيق الموسيقى يملأ الصالة يخرج من كل الزوايا، كنا ثلاثة عشر فتاة صغيرات، وهم كانوا اكثر من عشرين رجلاً، قاموا باقتيادنا الى وسط الصالة، في ساحة الرقص وزجاجات الخمر )) ص82 وفجأة تتحول ساحة الرقص، الى واقعة اغتصاب خالية من الانسانية (( كنت اراهم مثل الجرذان يخرجون من بين شقوق الجدران يتقافزون فوقنا بفرح وحشي، ولذة ماجنة، كانو يتناوبن علينا ونحن على الارض او فوق الطاولات، لايتركون لحظة واحدة تمر، على واحدة منا دون ان يكون فوقها رجل )) ص 84 وهكذا تتمرغل شوان في وحل الرذيلة، وتعيش حياة لم تتوقعها، ليكون صوتها مع صوت هدى، صرخة وجعاً ومرارة، واساً، وحزناً، بعدها تتزوج من شاب لبناني، يرميها بين الذئاب المفترسة، ويقبض الثمن، المسارات السردية المحتدمة بين حياة (( هدى )) و حياة (( شوان ))، وظفت بشكل ملفت للنظر، في جعل الاحداث تتصاعد على اتجاهين، الاتجاه الاول الحدث العام للرواية، والاتجاه الثاني الحدث الروحي للرواية الذي اختص فيه الروائي خضر عواد الخزاعي، لنعلن اندهاشنا، وانبهارنا، وشوقنا لمواصلة تتبع الاحداث، الكبيرة في نسقها المضمر، وتتأزم حياة ((شوان )) في احداث شيقة ومؤلمة لترمي نفسها من الطابق الرابع للعمارة، واضعة سطور النهاية لامرأة من هذا البلد، عجز قادتها بالتعاقب غي انقاذها، واخراجها من بئر الظلمات، الذي خسرت فيه، عفتها، كرامتها، انسانيتها، وحقها في ان تعيش بعز، وبعد هذه الحادثة الاليمة، تقرر ((هدى)) العودة الى بغداد مستغلة سفر زوجها، وتعتقل بعد ان تكتشف ان عمار قد قتل،(( وامتدت الفوهة السوداء، للمسدس بيد الرجل البغيض الضخم الذي يجلس امامي مباشرة، وصوب بين عيني، للحظات مرت بسرعة البرق، شاهدت الحريق يندلع من فوهة المسدس، مشعاً بالدخان الابيض، ثم سمعت الدوي الهائل )) ص 150، انتهت حياة هدى، شأنها شأن حياة الكثير من النسوة، اللواتي تركن مصيرهن بحياة البلد، وبنظام الحياة الفاشل لقيادات متعاقبة فشلت في توفير الامن والامان والحياة الكريمة، للكل بشكل عام وللمرأة بشكل خاص، رواية (( منفى الجسد )) اكبر من حجمها بكثير، لانها تحمل جبالاً من الهزائم والخيبات، اما الروائي خضر عواد الخزاعي، فقد اجاد صنعتها بحرفية عالية، ومزج معها عناصر التجديد والتجريب في بناء متماسك ولغة سردية روحية، تصل الى حد اننا نذرف الدموع الثقال بمتابعتها وسخونة احداثها، وجور وقسوة الحياة في اتونها، كما انه تركها منسابة متصلة دون ان يعنون فصولها، لكي تنسجم والثيمة المطروحة، التي تتطلب المسير مع احداثها دون عائق



















