الحوار لا النزاع سبيل العقلاء – لويس إقليمس

240

الحوار لا النزاع سبيل العقلاء – لويس إقليمس

بين الأمل والتفاؤل بنزع فتيل الأزمة القائمة منذ اسابيع بين الإدارة الأمريكية التي تركب موجة افتعال الأزمات منذ تولّي الرئيس دونالد ترامب إدارة البيت الأبيض مع الجانب الإيراني المصرّ على تصدير أيديولوجية ولاية الفقيه لدول الجوار والمنطقة والعالم، هناك فسحة أخرى من العقلانية والمنطق في انتظار ما قد تحسمه الأيام القوادم عبر “وساطة عراقية محيّرة”.

ففي اعتقاد الكثيرين، يقع العراق وسط هشيم نيران الطرفين بل أطراف أخرى إقليمية ودولية متورطة في لعبة الشدّ والمدّ التي قد تغرق المنطقة بأنواع من حروب مختلفة غايتُها الأساسية تركيع دولها واقتصاداتها وكسب ولاء السلاطين والحكام والأدوات السياسية الفاعلة لصالح زعيمة القطب الواحد “أميركا” ومَن يواليها من دول الغرب الطامعة. ومن ثمّ ليس من السهل خروج العراق متعافيًا في حالة حصول ما لا تُحمد عقباه فيما لو اهتُلس عقلُ الطرفين المتنازعين واصرّ كلّ طرف على غلق أبواب الحوار والنقاش والتفاهم والتنازل.

فقدرُ العراق وأهله، أن يكون دومًا وسط المعمعة وصليل السيوف وقعقعة السلاح والخنوع للآخر وتراجع أداء الحكومات المتلاحقة التي فقدت مصداقية الوطنية منذ الغزو بسقوط النظام المؤسساتي في 2003. أضحى البلد أشبه بذاك الحصان الأصيل الذي أتعبته المعارك وأقعدته المهالك وتلقفته أيادي دخيلة غير نزيهة فقدت توازنها الوطني إن لم تكن قد باعت الوطن ورهنت الشعب والأرض والثروات بالولاء للغير، في حين أنه لا ناقة له في الأمر الجلّل القائم ولا جمل. فقد استولى الغريب الدخيل على الجَمَل بما حملَ، وسَطا على مقدرات البلاد وسط صمت رهيبٍ لعموم شعب هائم بائس فقدَ النخوة والغيرة. أمّا مَن بقي في جعبته بعضٌ من الغيرة وشيءٌ من الإحساس بالوطن ومصالحه، فقد تنحى جانبًا مستعينًا إمّا بصراخه بوجه الفساد والفاسدين أو بقلمه بانتقاده وكشف المستور عن الحقائق والوقائع أو بهتافه من أجل إثارة الرأي العام ووسائل الإعلام.

ما شهدته البلاد منذ افتعال الأزمة ولغاية الساعة من حراك دبلوماسي فعّال ومن نشاط حكومي وسياسيّ على أصعدة كثيرة فيه شكوك كبيرة من الأمل والتفاؤل بإمكانية تحقيق شيء من التهدئة في التوترات التي تحيط بالمنطقة. هذا من حيث التوقعات ودراسة الوقائع في أقلّ تقدير.

 فالعراق شاء أم أبى، واقع بين نارين: نار الابتزاز بالحمائية الأمريكية والرضوخ لمعسكرها واستراتيجيتها في المنطقة، ونار التبعية الولائية الإيرانية المقيِّدة (بكسر الياء) لحرية البلاد المرهونة برمتها وبوضوح لا يقبل الشك بمصير الجارة إيران التي تعدُّ العراق من ولاياتها الفارسية التي تخضع لسياستها التوسعية في التشيع وفرض ولاية الفقيه. وقد ألقت كل هذه الشجون بظلالها على الواقع الأمني عمومًا، ما أسفر عن خروقات عديدة في مناطق ماتزال تعاني من أرضية رخوة للأمن. والدليل على هذا، ما شهدته مدن وبلدات ومناطق عديدة من حوادث خطيرة ومن خروقات أمنية كثيرة ومن توترات سياسية بين الكتل المتصارعة على الكعكة التي تديم درّ العسل، وكذا من مشاكل مجتمعية وثارات عشائرية وتصفيات جسدية بسبب تقاطع المصالح والاختلاف على تقاسم المكاسب والغنائم المتواصلة التي لا تعرف التوقف، وأخرى أخذت شكل ظواهر خطيرة مستفحلة تغلغلت بشكل رهيب في المجتمع العراقي غير المستقرّ بطبيعته.

هناك مَن يعتقد أن العراق وحكومته لم يكن من شأنهما التدخل والتوسط لدى الأطراف المعنية بالأزمة كي لا يُؤخذ بجريرة أحد الأطراف على حساب الآخر. فما به يكفيه من أزمات ومن مشكلات ومن تجاوزات على حرمة مؤسسات الدولة وعلى المال العام ومن اعتداءات متكررة على حقوق المكوّنات الوطنية الأخرى التي يتمّ استبعادها في الصفقات السياسية التي يحيكها زعماء الكتل المتنفذة في المثلث الحاكم. فالقاصي والداني بات يعرف برائحة المفاسد التي فاحت رائحتها على أيدي المتسلطين على مؤسسات الدولة واستغلال البعض منهم للأرض والضرع والثروات كلّ بحسب قدرته وأذرعه الطويلة التي لا تعرف الشبع ولا تخشى مخافة الله ولا تتورع من وخز الضمير الذي غاب عنهم ولم يعد له موقع في هيكلهم البشري الفاسد. في الأخير، لا بدّ لأصحاب الأزمة المباشرين الجلوسُ على مائدة الحوار والتفاهم وضرورة خروج البلاد من المأزق الذي وضعتها فيه الحكومة والدولة والساسة وزعماء الأحزاب الذين أدّوا الرقصة على طريقة الغجري الذي لا يجيد الرقص. وهذه دعوة للدولة العراقية، حكومة وشعبًا وجهة تشريعية، أن يتركوا البلاد لتنعم بشيء من الراحة ويفكروا بمصالح العراق وشعبه قبل أية مصلحة خارجية أخرى كي يعيدوا إعمار ما دمّرته أدوات الشرّ بعد سقوط النظام السابق. فالمشكلة كبيرة والأزمة خطيرة تتعلق ليس ببناء الحجر فحسب بل بإعادة تأهيل البشر ورفد قدرات البلاد بطاقات وطنية خالصة الولاء للوطن وللشعب وليس للأجنبي والأعجمي وكلّ دخيل طامع.

رعبٌ من فقدان الامتيازات

على الصعيد الداخلي، دخلت أحزاب وأذرع مسلّحة كثيرة وجهاتٌ ميليشياوية تابعة للجارة إيران في إنذار شامل بسبب الخوف على مصالحها ومغانمها ومكتسباتها التي تدفقت وماتزال تتدفق عليها روتينيًا بسخاء لا مثيل له من قبل الحكومات الشيعية المتتالية منذ السقوط في 2003.

هذا إضافة إلى ما تخشى عليه هذه جميعًا وأتباعها ومواليها ومَن يقف خلفها من سرّ البقاء والوجود بعد أول إطلاقة نار قد تحصل في حالة نفاذ صبر الحصان الأميركي الجامح من مماطلات خصمه اللدود، غريم الخليج وشرطيّ المنطقة الذي مازالت لغة التهديد والوعيد لديه في أعلى شدة السخونة النارية. فأية غفلة أو خطأ أو تصعيد لا مبرّر له قد يبدر من حكومة ولاية الفقيه أو من أتباعهم وأذرعهم المسلحة، فإنّ الدائرة قبل أن تدور عليها ستطيح بعروش أدواتها في العراق أولاً وستمتدّ إلى البلدان التي ترزح تحت وصايتِها وتعتدّ بحمايتها وتبذل الغالي والنفيس والروح من أجل بقاء نظامها التوسعي. وهذا ما تفسّره الهواجس الراهنة ومقدار الخوف القائم في أوساط أدوات إيران بالعراق واختفاء الكثير من صورها وتواجدها المظهري والمادي على أرض الواقع، ولو رسميّا بعض الشيء.

والسبب لمثل هذه الاحتياطات الأمنية واللوجستية هو الرعبُ الواضح الذي غرسته الغطرسة الأمريكية وتوعّدُ إدارتها بامتداد عقوباتها كي تطال جميع الأدوات والأذيال والرؤوس المستعدة للتضحية بالوطن العراقي لصالح الجارة “العزيزة”. نحن مع نزع فتيل الأزمة بكلّ الوسائل السلمية المتاحة والوساطات التطوعية التي تنمّ عن إرادة صالحة ونية خالصة مُحِبة للسلام والتفاهم والاستقرار. فلو اندلعت حربٌ جديدة، لا سمح الله، فهي ستكون كارثية على الجميع.

 وأوّلُ المتضرّرين سيكون العراق وشعبُه وبنيتُه ومصادرُ ثرواته وقدراته التي لم تنهض بعد من كبوتها بل من كبواتها المتلاحقة. لذا، لا بدّ من بذل الجهود وتكثيف الحوار من أجل التوصل لتخفيف حدة التوترات القائمة ومنع ايّ تصعيد خطير من شأنه أن يهدّد استقرار شعوب المنطقة أكثر ممّا هي عليه اليوم. وهذا يحتّم على الجميع الركون للعقل والحكمة وتفادي أشكال الاستفزاز اللاّمبرّر واتباع الحوار الجاد والبنّاء في معالجة الازمات ونزع الفتيل القابل للانفجار في أية لحظة. نأمل أن يتعامل العراق مع الأزمة، انطلاقًا من مواقفه الثابتة باحترام شعوب العالم والمنطقة ودولها في ضوء استقلالية قراره الوطني وسياسته الواضحة لتجنيب المنطقة المزيد من التصعيد والتوتر والازمات أولاً، وأن يصون مصالحه الوطنية ويحقق السلم الأهليّ المنقوص ثانيًا، وأن يرسخ الاستقرار النسبيّ المتحقق للعراقيين في فترة ما بعد داعش ثالثًا. وأخيرًا ما يُرتجى من الحكومة الحالية، وضعُ حد لآفة الفساد المستشري ومعالجة التلكّؤ في علاجه لكونه مرتبط بجزئيات من تفاصيله بالأزمة السياسية والاقتصادية القائمة في المنطقة مع الجارة إيران، وذلك نتيجةً لوجود لحكومات عميقة متعددة نافذة مرتبطة بهذه الأخيرة داخل الحكومة الفدرالية.

فالبعض من هذه الجهات مازالت تستغل قوتها ونفوذها الفاعلين المقتبسين من إرادات فاعلة في النظام الإيراني بسبب الثغرات الموجودة في مؤسسات الدولة الضعيفة وفي النظام المالي غير المتزن، ما يتيح لها تغطية سياسية وحزبية ومذهبية تشجعها لإبقاء أنواع الفساد وديمومته ما استطاعوا من أجل حلب ثروات البلاد بطرق ووسائل لا تنمّ عن روح الحرص الوطني والضمير العراقي الأصيل. فحينما تقطع الدولة هذه الأيادي وتغلق صنبور الفساد بكلّ جدّية وبواعزٍ وطني صادق، حينئذٍ ستكون بداية الصحوة للعودة للحكمة والمنطق ولعب دور وطنيّ ودوليّ وإقليميّ بارز في استقرار البلاد والمنطقة وتقدمها وتمدّنها.

مشاركة