الحنين الى الديار – ناجح صالح

352

الحنين الى الديار – ناجح صالح

ها أنا ذا يراودني حنين موجع الى الديار التي كنت أستوطنها من قبل .. أجل ها أنا ذا أحن اليها بعد غياب طويل استغرق ثلاثين عاما .. هي مدينتي – مدينة البرتقال – التي أضطررت لفراقها لأسباب طارئة وقلبي حينئذ يكاد ينشطر من الشعور الثقيل الذي احتواني ، وكيف لا وقد تنفست عبق نسيمها العليل منذ كنت طفلا صغيرا لا يفقه بعد من الدنيا شيئا ..ومنذ عهد الصبا كان يروق لي السير على شاطيء نهرها الذي تنساب مياهه بكل عذوبة بينما تتراءى لي على الجانب الآخر من الشاطيء أشجار البرتقال والنخيل تكسوها خضرة زاهية ، فلما جاء عهد الشباب وجدتني أجوب طرقات المدينة مبتسما مقبلا على الحياة بلا تردد .

ويعود صدى الذكريات يرهف سمعي وبصري فأرى نفسي أناجي ألأحبة والخلان .. هم هؤلاء الذين فتح قلبي نافذته لهم ، أودعهم حكاياته وأسراره .

كيف اذن يستطيع المرء أن يطوي صفحة من حياته وهي تطارده بل تجثم على صدره كل حين؟ كيف يستطيع المرء أن ينسى أياما حافلة بالود والالفة والمحبة ؟

ان الحنين يفرض نفسه كلما ضاقت بنا السبل وان الحنين يفرض نفسه كلما عصفت عاصفة تؤرق حياتنا .. هكذا هو الأمر لا مندوحة لنا عنه .

ترى ما الذي تختزنه الذاكرة أيضا ؟ هل يمكن أن تنسى أيام اللهو والمرح في حقبة الطفولة البريئة ؟ وهل يمكن أن تنسى أيام المدرسة بجدها وتألقها وتحصيل علومها ؟

لعلنا ندرك بعد حين من الزمن اننا قد اتخذنا قرارات خاطئة لم نكن نعرف أنها ستترك جروحا عميقة في قرارة أنفسنا كلما استرجعنا الساعة التي غادرنا فيها الديار لنصاب بعدها بالخيبة والاحباط .

وها أنا ذا مرة أخرى أجد نفسي على مفترق طرق أحاول فيه أن ألتمس الخلاص من الحيرة التي تنتابني كلما عادت بي الـــــذاكرة الى تلك الأيام التي احتوتني فيها الديار ..فيا عجبا لنفس تحتضن ماضيها وحاضرها في دوامة ليست لها نهايـــــــــــــة .. ويا عجبا لنفس تنشد الراحة والسكينة فلا تجد الا السراب .

ومع هذا وذاك فالمثل يقول أن أسرتك هي وطنك وديارك ، فهل يا ترى وانا بين أحضان أسرتي قد حققت هذه المعــــــادلة الصــــعبة !

(CATEGORY, الصفحة الرابعة)

مشاركة