الحنين إلى الماضي – ناجح صالح

211

الحنين إلى الماضي – ناجح صالح

كل منا يساوره الحنين الى عهد من عهود الماضي لاسيما عهد الطفولة البريئة الجميلة لنرى فيها عالما من اللهو واللعب والمرح دون أن تكون فيه منغصات مهما كان ذلك العالم فيه فقر أم غنى ، حرمان أم شبع ،ذلك أن الطفولة لا تعرف الفوارق ولا الطبقات .. انها تتمتع بما تلهو به بالفطرة التي عليها وبالقلوب الخالية من سموم الحقد والضغينة .

وأيا كان مكانها سواء في زقاق أو في مدرسة فهي كالحلم الذي يمر على الخاطر .

وهكذا يكون الحنين الى ذلك العهد حينما نبلغ من العمر عتيا كمن فقد أحلى سنوات عمره ، ويبقى التمني بعودتها لكنها لن تعود أبدا .

والبعض منا يساوره الحنين الى عهد الصبا والشباب .. حينما تتطلع العين الى ربيع الحياة لترى فيها ابتسامة امرأة في أوج سحرها ليخفق القلب خفقانا فيه نغمات يطرب لها العاشق ليتحول المشهد الى قصة حب عنيفة يتجاذب فيها الطرفان الأحاديث المختلفة النابعة من الوجدان وتهتز فيها المشاعر اهتزازا أشبه ما يكون بالأحتراق ، انها نار الأشواق لتمضي قصة الحب هذه الى نهايتها المحتومة بفراق لا لقاء بعده .

فاذا ما مضت السنوات ودخلنا عالم الزوجية ورزقنا بالأبناء ترانا نذكر ما مضى بلهفة كأنما هي أحلام لا تريد أن تفارقنا حتى في المنام .

فاذا ما تجاوزت أعمارنا الكهولة وبلغ أبناؤنا مبلغ الرجال وجدنا أنفسنا من جديد نتطلع الى تلك الأيام الخوالي بما فيها بناء العش الزوجي ودخول القفص الذهبي لتأخذنا الحسرة بأنها أيام مضت بسرعة البرق بما فيها من تألق وسعادة ونفحات حالمة .

اننا ساعتئذ نقول مع أنفسنا ليت الماضي يعود أو لعلنا نقول ليت الشباب يعود ، وقد نندم على ما فرطنا فيه أو أسأنا فيه اساءات كان من الممكن تجاوزها ولا نجرح فيها مشاعر من يشاطرنا حياتنا .

وبعض آخر يساوره الحنين الى ما كان عليه في عهد مضى من عز وقوة وثروة ثم ذّهبت أدراج الرياح ، ذلك أن الدنيا أعطته ثم استردته منه ليظل في حال من الألم والحسرة بقية حياته .

ان الحنين الى الماضي قد يساورنا جميعا غير أننا اذا أفرطنا فيه فقد يتحول الى مرض يلازمنا كل الساعات والأيام فيجهض فينا الحركة والارادة والعمل ثم لنكون في حالة احباط ويأس واستسلام .

ان الماضي يلازمنا وهو حلقة اتصال مع حاضرنا وغدنا ، غير أنه يجب علينا ألا نسرف في ذكرياته مهما كانت هذه الذكريات مؤلمة أو سعيدة .

مشاركة