الحلم نشوة عابرة عند إيمان الونطدي

الحلم نشوة عابرة عند إيمان الونطدي
عبدالغفار العطوي
صدرت للشاعرة المغربية إيمان الونطدي باللغة العربية المجموعة الشعرية/ ديوان شعر »فالحلم نشوة عابرة «عن مطبعة طوب بريس ـ الرباط بمراجعة ذـ بو شعيب حكار، وعلي ما يبدو إن الشاعرة متعددة المواهب، كما تكتب باللغة الفرنسية كدأب معظم مثقفي ومفكري وأدباء المغرب الكبير الذين يمتلكون الحظ الوافر من ظاهرة الاتصال اللساني والثقافي مع الغرب، مما أظهر مسحة التفاوت السسيوـ ثقافي المتعارضة مع طبيعة الهوية العربية التي تنكمش علي إرث من التردد والمسكوت عنه فيما تطرحه الشاعرة هنا من فلتان ثقافي يلقي بتبعته علي الحاضنة الاستعمارية الفرنسية التي هذبت الذهنية الشعرية المغاربية، وجعلتها أقرب لعالم الفرنجة من وعورة الثقافة العروبية المتيبسة البدوية، وهو ما يبدو واضحاً وجلياً في نصوص إيمان الونطدي التي كانت تكتب باللغة العربية شعراً فرنسياً في نكهته الثقافية ورؤاه الرومانسية الشفافة، وتطرح قراءة للغة الجسد تفوق ما تطرحه قريناتها العربيات في الخفة والبراءة »في الكتابة بالتأكيد« لتي نقلت الشاعرة ذاتها من فضاء لغوي معين إلي آخر لا يمت له بصلة، مما أربك البناء الجملي للنصوص كما هو علي النحو التالي :
1 ــ لنأخذ عنوان المجموعة والإهداء »إهداء الشاعرة« وتقديم مأمون الحجاجي »الأقصر/ مصر« أما العنوان فيشكل بنية نصية متحركة في سياق الاستئناف الذي سكتت عنه الشاعرة لاطمئنانها علي إن السؤال الذي جاء مسبقاً وطمست ملامحه في مسكوتها ستفضحه النصوص الشعرية لا محالة ، بمعني إن هنالك قطعا نصياً ستفاجئ به القارئ وهي تقرأ لغة جسدها عبر النصوص، لتقول » ــ ــ ــ ــ « ــ فالحلم نشوة عابرة، يعني إن العنوان قد خرج تواً من بنية الغياب إلي بنية استئناف الغياب مرة أخري، وهي كما هو ظاهر تمهيد صريح لقراءة مسكوت الجسد لدي الشاعرة، الذي تكشف بعضه في الإهداء الأول من خلال تبعيضه في إهداءات »حروف كلمات سطور عناقها أحاسيس تحدثت عن هوي أمومتي وذكري أمي ومسار أبي | يا تري هل تلخصني كامرأة تريد إهداء ــ الخ « وإهداء خاص » إلي روح أمي الغالية فاطمة العلمي ــ الخ « وشكر خاص »للأستاذ المتجدد : بوشعيب ــ الخ« وأما التقديم ؛ فيقول الشاعر مأمون الحجاجي عن الشاعرة إيمان الونطدي »شاعرة تقدم نفسها من خلال قصائدها بديلاً عن الصراخ فتنقل لنا ألمها وهمها لنشاركها أناتها، لها القدرة علي نقل مشاعرها بشكل عفوي بلا تكلف أو تصنع ــ الخ« وهذا كلام مفهوم يوضح لنا مقاصد الشاعرة في اتخاذها الجسد الإنساني غاية في الوصول إلي قراءة ثقافة الجسد، ويضيف الحجاجي في تقديمه في نقطة مهمة،عن الشاعرة إيمان الونطدي »اختارت المغامرة طريقاً للكتابة شكلاً تبث ما اختلج بروحها ولم تنس إنها أنثي بمجتمع ذكوري يقهر الانثي« وبتصوري العنوان والإهداء والتقديم كانت موجهات قراءة لكي نتابع قراءة الشاعرة لجسدها في نقاط المسكوت عنه، في ما درجت عليه المرأة العربية من تحد للقهر الرجولي، وإن تزودت الشاعرة بلوازم ثقافة الغرب من أجل خلق الندية
2 ــ أما نصوص الديوان، فقد استطاعت أن تعطينا الشاعرة فيها قراءة تفصيلية عن جسدها الانثوي، وما يبنيه من علاقات ودية مع محيطه، ففي نص »شيء من الحب ص 12« تنفتح شهيتها الأمومية أولاً علي عالم خارج الجسد حيث النبذ والاهمال جراء قراءة خاطئة من قبل طفلتها
أحبيني طفلتي
ولو كنت قطعة قماش
صادفها قدر
رميت بهامش
بجوار أو تحت شجر
أحبيني لغة
لا ينطقها بشر
وليلة
كان سيدها ضجر
والشاعرة التي يزورها حلمها في »حين زارني حلمي ص 14«تقرأ حظها فيه كأول فاتحة لقراءة مواقع جسدها المرتدة
حلمت
فكان حلمي مريضاً
مددت له اليد
فاحسست ببرودة الوداع
وحرارة الصراع
ورعشة تقاوم
فاجعة
زلزلت عقيدتي
أمام
مسخ ما آمنت به
توهمت
إن لليل خلق للحلم
3 ــ تتوغل الشاعرة في تقصي كيانها المندفع بجنون العشق العذري نحو حالة من اغتصاب الألم لجسدها، ففي »مجنونة قيس ص 24« تعصف بالشاعرة عواصف الجنون جراء نداء نوازع الجسد
بين مليون امرأة ورجل
أحس
بوحدة الزمان
ووحشة المكان
فوق جفوني
رسمت
علامات تعجب
وعلي شفني
علامات استفهام
بين مليون امرأة ورجل
تحتضر أفكاري
لتكشف الشاعرة نفسها سبب ذلك الجنون الباذخ في »اغتصاب ص 28« في سورة غضب انثوي
آه
عندما يغتصب الألم
جسدي المنهك
ويتلذذ بنشوته المجنونة
ليسلب حقي
في التمرد والعصيان
أم أنت وإن قهرتني
أضحك من غبائك
الملوث ببقايا إنسان
4 ــ وتهرع الشاعرة دوماً إلي الحلم بسبب تكييفها له حسب ما تراه وتوده، فحلم المرأة هو قراءة أخري لذاتها وجسدها والانفعالات المكبوتة فيه، ففي »فالحلم نشوة عابرة ص 34«
في مكاني المعهود
وبين ضباب أبيض
وسحاب أسود
أنكمش بين أفكاري الملوثة
بدخان الكلمات
كلمات!
آه كم أضحكتني رناتها
وكم أبكتني معانيها
وتقرأ الشاعرة »مسار حلم ص 38«علي إنه انفتاح علي عالم جسدها وفضائحه الذييكشف آلامه في العلن
عندما يصبح الحلم
نار شوق تلهب جسدي
ويصبح الواقع
صراخاً يصم أذني
أحمل حقيبة آلامي
وألملم
جروح خواطري
لأدفن آه الحلم
تحت وسادتي
وأضع رأسي
لأنصت
لأنين الذكريات
والشاعرة تقرأ جسدها وعنفوانه الميال للثورة في »مناجاة كتاب ص 48«الآخر الذي تجده مرآة لروحها المنسلة بالضياع عن ذلك الجسد الأنثوي الذي تطوحه المؤثرات الغرية في فهم الحب الجسدي
كم
أهوي الضياع
بين صفحات كتاباتك
وكم
أعشق حرية الفوضي
بين كلمات أسطرك
فأعانق أريج حروفك
أراقصها
بين ظلال عباراتك
لتنتهي المرأة في فهم جسدها أمام مرآة الرجل بوصفه ذاتها كما في »بقايا كلمات ص 58 «
لاطفتني
عانقتني
ثم ضمتني
بقايا كلمات
خاطبتني
كلمتني
ثم سحرتني
بقايا كلمات
وتعتقد الشاعرة إيمان الونطدي إن »للحلم هفوات ص 64« حينما تحاول قراءة جسدها الغارق في الحب
صدقني اللحظة
حين أقول : أحبك
لكن الحب
عندي سويعات
والحلم عندي
ساعات وساعات
شيد الجسور
واقتلع ودياني
وأنهاري
وانتش
بحلاوة السويعات
وحينما ترفض قراءة الرجل لجسدها تعصف بوجدانها الحماقة وتغضب من جلادها في »أنت جلادي ص 80«
لا تكف عن السؤال
كن ملحاحا كن لجوجا
كن مزعجا
هيمن سيطر
نقب في حياتي
غير مصيري
سطر ساعاتي
لا تكف عن السؤال
ولا تصمت الشاعرة في سورة غضبها عن القراءة في جسدها بعيون النزق كما في »أنت حبيبتي ص 86«
حين يفصل الجسد
عن الكيان
أنت حبيبتي
حين يعبث الدهر
بجوارح إنسان
أنت حبيبتي
حين أصبح امرأة
بلاعنوان
أنت حبيبتي
وتفجر الشاعرة لغة القراءة للجسد الانثوي في »ممنوعة من الصرف ص 92«
ألا تسمع ؟
قلبي
يتغني بحروف العلة
وشفتاي
تردد أفعالاً مجردة
ويداي تداعب
كل أداة نهي ونفي
ورجلاي
تعدم الفعل المزيد
وتقوم بتفصيل جسدها كامرأة تغتسل بال»أوهام ص 100« وتحذره
لا تطمئن لي
فبركاني خامد
وجزيرتي وهمية
صخورها صماء
أنهارها سراب
وقواربها من ورق
وعاصفتي دمار
حتي إنها لكادت تبصر به عن جنب ذلك الواقف قبالة المرآة ففي »إليك سيدي ص 108« دعوة للرجل السيد
إليك سيدي
أنت
المنبثق
من وجداني
المتمرد
علي ضفاف أفكاري
المتفجر
نهراً من أعماقي
ويتجلي قوام جسدها في قراءتها له في»أجمل امرأة ص 110«
أجمل امرأة أنا
حين ترسمني لوحات
أجمل غصن أنا
حين تقطفني ثمرات
أجمل عيون أنا
حين تهيم بي نظرات
أجمل امرأة أنا الخ
هذه هي القراءة النشطة للشاعرة لجسدها المترامي بين الأمومة الولهة وخطي المرأة المنتشية بلذة الرجل، علامة بارزة لشرقية تنام عي حلم ارأة تحتضنها الثقافة الغربية، وعليه تدفع جسدها كله للفضائحية القاسية التي لا تعني لها سوي الإخلاص في القراءة
إيمان الونطدي فالحلم نشوة عابرة ديوان شعر
/2/2012 Issue 4122 – Date 14- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4122 – التاريخ 14/2/2012
AZP09