الحلف الدولي الإقليمي بين تعدد المسارات وغموض الأهداف

الحلف الدولي الإقليمي بين تعدد المسارات وغموض الأهداف

 

 عماد علو

 

تسعى الإدارة الأمريكية إلى تشكيل حلف سياسي عسكري، دولي وإقليمي، للقضاء على تنظيم داعش الارهابي ، تتكون نواته الصلبة من دول حلف الناتو، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا، ويضم في عضويته الدول العربية، ولاسيما من دول مجلس التعاون الخليجي، ومصر والأردن والعراق. وقد عبر الرئيس الأمريكي عن ذلك على هامش اجتماع “قمة الناتو” في تصريحاته التي أكد فيها السعي لإقامة “ائتلاف دولي لمواجهة هذا التنظيم من خلال العمل العسكري والاستخبارات وإنفاذ القانون وكذلك الجهود الدبلوماسية”، منوّها بدور حلف الناتو في قيادة هذا الائتلاف بالتعاون مع “الحلفاء”.

 

السؤال الذي قد يتبادر الى الذهن عن دوافع ومبررات هذا الحماس الامريكي الاوربي لتشكيل هذا الحلف الدولي الاقليمي للقضاء على التنظيم الارهابي داعش .؟

 

التساؤلات كثيرة  والغموض لايزال يلف موقف ونوايا واهداف الدول الاوربية والولايات المتحدة ازاء التحرك ضد داعش خصوصا” مع تغييب واضح للدورين الروسي والصيني وغموض حول الدور الذي يمكن ان يضطلع به العراق وسوريا عسكريا” وسياسيا” في اطار هذا الحلف المزمع اقامته .

 

الا أن ابرز الاهداف هو الدفاع عن وحماية حقول النفط في المنطقة من التهديد التخريبي المحتمل لتنظيم داعش و هذا الموقف بالذات يعود  إلى ما بعد حرب تشرين وبروز أهمية النفط كسلعة حيوية بالنسبة للغرب. وقد اتخذ قرار مبدئي عام 1974 في اجتماع لوزراء خارجية الحلف في مدينة “اوتوا” في كندا حول “توسيع رقعة اهتمامات الحلف خارج منطقة معاهدة شمال الاطلسي”. ومع انه لم تتخذ أية خطوات عملية في هذا الاتجاه في ذلك الحين، فان الحديث قد عاد مجدداً إلى البحث في أهمية “الشرق الأوسط ” بالنسبة للناتو في أعقاب أحداث ايران وافغانستان. وقد توصل أركان حلف الناتو إلى الاستنتاج بأن “الخطر الأساسي على الغرب لا يقع في أوربا بل في المناطق النفطية الحيوية وخطوط المواصلات إليها. ويدرك الغرب والولايات المتحدة الامريكية معه ، ان منطقة الخليج هي من أهم مناطق العالم ولابد من اعادة الاستقرار إليها . كما أن ظاهرة المقاتلين الاجانب الذين تجندهم داعش ، قد تكون لها انعكاسات مباشرة على اوربا .

 

ان المخاطر الكامنة في الوضع الستراتيجي الراهن و الناجم عن دخول تنظيم داعش إلى العراق وسوريا لا يقتصر على منطقة الناتو بل على مناطق اخرى في العالم مثل افريقيا والهند وامريكا الشمالية (كندا والولايات المتحدة) .

 

من المهم ملاحظة انه لأول مرة يحصل اجماع دولي منقطع النظير لدرجة الحماس على القيام بعمل عسكري ضد تنظيم ارهابي مثل داعش ، حيث سارع الناتو الى تشكيل قوة برية للتدخل المباشر ضد داعش في حال طلب منها ذلك . ولا يمكن في هذا المجال استبعاد توسيع وتقوية هذه القوات في المستقبل المنظور.

 

وفي السياق ذاته فان الولايات المتحدة لا تريد الظهور بالعمل على انفراد في الدفاع عن المصالح الغربية. وقد تركزت الجهود الأمريكية على جانبين، الاول زيادة المجهود العسكري لدول الحلف داخل اوربا نفسها، وثانيا حث حلفائها الأوربيين على اتخاذ خطوات عملية للمشاركة في “المسؤولية” في الشرق الأوسط والمحيط الهندي.

 

وإذا كان الموقف الأمريكي ينطلق من فرضية اعطاء الأولوية إلى الوسائل العسكرية من أجل ردع “الزحف الداعشي الارهابي نحو الخليج”، فان المواقف الأوربية في المقابل تميل للعمل على خطين متوازيين، سياسياً وعسكرياً.  الامر الذي يعني ان هناك فارقاً في التشديد على الناحيتين السياسية والعسكرية، بين أمريكا من جهة وأوربا الغربية من جهة أخرى.

 

ويمكن القـــول ان أوربا تعتبر ان هناك وسائل سياسية قد تكون أجدر في ضمان المعالجة الغربية الحيوية في المدى البعيد من مجرد الوسيلة العسكرية. ويبدو ان هنالك إجماعا بين الدوائر الغربية على حيوية الحفاظ على “الاستقرار” في الخليج، ومن هنا فان النقاش لا يدور حول أهمية هذا الامر بالنسبة للغرب، وانما على كيفية ضمانه.

 

ان السؤال الاساسي الذي يواجه التحالف الدولي الاقليمي اليوم هو كيفية تطوير قدراته العسكرية في الظروف السياسية والاقتصادية الراهنة مع الأخذ بعين الاعتبار المحددات التي تفرضها وجهات النظر المتباينة لدول المنطقة والاقليم ، والوصول بهذه القدرات الى المستوى الذي يضمن استئصال داعش من المنطقة باقل الخسائر والتضحيات ؟ وبالطبع فإن المسألة الأهم هنا تتعلق بالمدى الذي يمكن أن تتدخل فيه الولايات المتحدة عسكريا في هذه المنطقة، وبشكل مباشر، وما إذا كان الأمر بالنسبة لها يتعلق بالحفاظ على توازنات معينة في العراق لإنفاذ ضغوط أمريكية ما على كل من إيران وروسيا، أم أنها ستسير إلى النهاية نحو حسم هذا الأمر بكل قوة لتغيير الواقع الجيوسياسي في المنطقة، بعد أن بدا أنها تخلت عنها