الحكّام الأقوياء ينفذّون المشاريع في مدّد قصيرة – محسن حسين

387

بين قناة الجيش وطريق مطار بغداد الدولي

الحكّام الأقوياء ينفذّون المشاريع في مدّد قصيرة – محسن حسين

لبنان

ذكرت في مقال سابق ان قناة الجيش التي يبلغ طولها نحو 24 كيلومترا نفذت في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم في  10 أشهر عام 1960 في حين ان الكثير من المشاريع التي أنفقت الحكومات المتعاقبة خلال 15 عاما بعد الاحتلال ملايين الدولارات دون ان يكمل تنفيذها. كان ذلك مثالا على السلطة القوية التي تنفذ المشاريع بدون تدخلات من هنا وهناك وما يرافقها من سرقات ونهب الاموال المخصصة لتلك المشاريع.

وقد شهد العراق في عهود اخرى وحكام اقوياء انجازات مماثلة او اكبر واهم بفترات قصيرة وبتخصيصات حقيقية لا يشوبها الفساد المنتشر حاليا.

مشروع تأهيل  وتعريض طريق مطار بغداد الذي انجز في عهد حاكم قوي هو الرئيس صدام حسين مثل اخر بغض النظر عن الاحداث التي شهدها العراق والعراقيون في ذلك العهد.

اذكر قصة طريق المطار لاني شهدتها عن قرب كصحفي ولان المهندس المسؤول عن التنفيذ هو اخي المهندس عبد الجواد حسين انقل عن اخي المعلومات الفنية والادارية وما رافقها لانجاز تعريض وتاهيل الطريق الممتد من ساحة ام الطبول و بطول 21 كيلومترا لكلا الجانبين (ممر الذهاب وممر الإياب) في 6  اشهر بدلا من سنة كاملة وهي المدة اللازمة التي يتطلبها تنفيذ المشروع، وكان ذلك في عام 1988 .  كيف حصل ذلك؟

في عام 1988 أصبحت هناك حاجة لتحديث طريق المطار بعد وصول حالة جسم الطريق والذي سبق ونفذ من الخرسانة المسلحة الى الخراب وبشكل اصبح عائقا لحركة المركبات.

وجهت دعوة الى الشركات الأجنبية التي كانت آنذاك تقوم بتنفيذ طريق المرور السريع لتقديم التصاميم والتنفيذ وقدمت العروض ولكن كانت الأسعار مرتفعة ومدة التنفيذ طويلة ولاتتلاءم  وخصوصية الطريق واهميته.

حينذاك صدر قرار بتولي شركة اشور للمقاولات التابعة الى وزارة الإسكان التي يعمل فيها اخي المهندس عبد الجواد حسين بتنفيذ العمل وبموجب الدراسة والتصميم الذي اعدته الهيئة العامة للطرق والجسور.

حددنا التنفيذ سنة كاملة

يقول اخي المهندس عبد الجواد قامت شركة اشور بمديرها العام المهندس عقيل الانصاري بتشكيل هيئة لتنفيذ العمل برئاسة المدير العام وعضوية مدير مشاريع الشركة المهندس ملكون كسبار والمهندس عبد الجواد حسين المدير التنفيذي للمشروع اضافة الى مدير الحسابات.  طلبت شركة اشور من وزير الإسكان المهندس طاهر الحسون ان تكون مدة تنفيذ المشروع 12  شهرا على اقل تقدير ولكن الوزير حدد 9 اشهر فقط ورفع الموضوع الى الرئيس صدام حسين الذي امر ان تكون المدة 6 اشهر فقط لاغير.

أصبنا بالذهول

يقول عبد الجواد اصيبت الشركة بالذهول بسبب تقليص مدة المشروع الى النصف وطبعا لايمكن باي حال من الأحوال الاعتراض او محاولة الإقناع وعليه قامت الشركة وبمساندة ودعم الوزارة بإعداد الخطط والبرامج لتنفيذ العمل خلال 6 اشهر، حيث تم استنفار النخبة من الكوادر ومن جميع فروع الشركة في المحافظات (اربيل، دهوك، موصل، ديالى، بغداد، بابل، كربلاء، المثنى، الناصرية، البصرة) وكذلك سحب خيرة الآليات، وأحدثها  من المحافظات. وقامت الشركة وعلى الفور باستيراد فارشات للأسفلت حديثة ومتطورة من ألمانيا الغربية وتم شحنها بالناقلات لإيصالها برا الى العراق. تقرر ان يكون العمل 24 ساعة وبوجبتي عمل.

وضعت خطة لتنفيذ وانجاز جانب واحد واختير جانب الذهاب الى المطار واستخدام الجانب الاخر للذهاب والعودة ثم يستخدم الجانب المنجز ويباشر بالآخر.

المباشرة بالعمل

يقول المهندس عبد الجواد: بوشر بالعمل في  15-10-1988 وعلى امتداد جانب الذهاب وكانت فقرات العمل تقتضي قلع الصبات الخرسانية المتضررة وإعادة صبها وإجراء تنظيف المفاصل وإعادة تنفيذها وهي بآلاف الأمتار وكذلك اعمال التعريض، وقد تم إنجاز هذه الفقرات قبل موعدها المحدد حيث كانت كثافة العاملين والآليات وكانهم خلايا نحل على طول الطريق. هنا لم يبق الا المباشرة  بطبقات الأسفلت الثلاث ولكن تاخر وصول الفارشات من ألمانيا وضع الشركة والوزارة في احراج ولكن سرعان ماتم التصرف باستخدام الفارشات القديمة لدى الشركة بعد  قيام مجموعة من الأبطال بتحسين ادائها واستخدام المجسات لضبط الاستوائية وبوشر بالطبقة الاولى ثم وصلت الفارشات الحديثة وأكملت الطبقة الثانية والثالثة. لقد وصلت كميات الأسفلت التي تم فرشها في بعض الأيام  الى 3000 طن وهذا الرقم لايمكن تحقيقه في أيامنا هذه.

العمل كما ذكرت  24 ساعة . وتم إنجاز المشروع كاملا في مطلع شهر نيسان لعام   1989 اي بمدة ستة اشهر.

خلايا نحل في ذلك الزمن لايعرف المهندس ولا العامل التعب والكلل فالجميع خلايا نحل كما ذكرت الكل يعرفون ويعلمون ماذا عليهم ان يؤدوا  من عمل في وقته تماما دون غفلة او خطأ الا ماندر.

في ذلك الوقت اصبح جميع المعنيين بهذا الامر على يقين ودراية بان من يتولى تنفيذ عمل مقرر له ومدروس ان يكون تنفيذه 12 شهرا ويفرض عليه ان تكون المدة 6 اشهر عليه ان يخطط وينفذ بدقة عالية وبسرعة استثنائية. وهذا ما حصل.

الشجاعة  والنزاهة

وللتاريخ اقول ان تنفيذ مشروع تأهيل  طريق المطار لم يقتصر العمل على اعمال قلع الصبات الخرسانية وإعادة تنفيذها وعمل المفاصل ولكن ايضا تم تعريض الشارع 8 امتار من الجانبين وبطول 21 كيلومترا وهذا بحد ذاته مشروع اضافي ناهيك عن اعمال القالب الجانبي (الكربستون) والتخطيط.

لقد كانت تجربة وإرادة وقرارا شجاعا والتنفيذ بايدٍ عراقية شجاعة تمتلك المهنية العالية.

في ذلك الزمن زمن المشاريع العملاقة زمن الإعمار والبناء لم يكن طريق المطار الوحيد في اختصار الزمن وجودة التنفيذ فقد نفذت مشاريع عديدة قبله وبعده اثبت فيها العراقيون من مهندسين وكوادر فنية وعمال بانه ليس هنالك مستحيل اذا ما توفرت الإرادة والقرار  الجرئ المدروس والمهنية العالية والنزاهة لدى ملاكات التنفيذ.

مشاركة