الحكاية كلب

الحكاية كلب

مارك توين

الفصل الاول

كان والدي سانت برنارد، ووالدتي تعمل في نقل الفحم، اما انا فكنت كاهن في كنيسة. هذا ما اخبرتني به والدتي، لم اكن اعرف هذه الفروقات من تلقاء نفسي. فبالنسبة لي انها مجرد كلمات كبيرة حسنة لا تعني أي شيء. كان لدى والدتي ولع بها؛ فهي كانت تحب ان ترددها، وهي تشاهد الاخرين ينظرون اليها مستغربين وحاسدين، وهم يتساءلون كيف حصلت على هذا الكم من التعليم. لكنه، في الواقع، لم يكن تعليماً حقيقياً؛ انه مجرد تباهي، فهي تعلمت هذه الكلمات من خلال الاصغاء في غرف المعيشة او غرف الرسم عندما تكون هناك رفقة. ومن خلال اصطحاب الاطفال الى مدرسة الأحاد والاصغاء هناك؛ وكلما سمعت كلمة كبيرة أخذت ترددها على مسامع نفسها مرات عدة، وذلك كي تتمكن من حفظها الى ان تأسس تجمع عقائدي في الجوار، عندئذ انتمت اليه وقد ادهشت وضايقت الجميع من اصغر جرو الى أكبر كلب، من الذين كانوا يكافؤنها على كل مضايقاتها. وان كان هناك غريب، فيكون متأكداً تقريباً من شكه فيما تقول، وعندما يلتق انفاسه ثانية يرغب بان يسألها ماذا تعني. فهي دائما تقول له، انه لن يتوقع ابداً هذا، وتعتقد انه فهمها؛ لذا عندما أخبرته بالمعنى، كان الوحيد الذي بدى خجلاً، في حين كان يعتقد انها هي التي ستكون خجله. كان الاخرون دائماً ينتظرون هذا الموقف، ويسرون به ويفخرون بها، لأنهم كانوا يعرفون ماذا سيحدث، فقد مر بهم مثل هذا الموقف سابقاً. فعندما كانت تخبرهم عن معنى كلمة كبيرة كانوا جميعاً يتملكهم الاعجاب الذي لا يحدث ابداً مع اي شخص ليشك ان كان هذا هو المعنى الصحيح؛ وكان هذا طبيعياً، وهذا بسبب شيء واحد، لأنها كانت تجيبهم بسرعة فائقة حتى تبدو وكأنها قاموس متحدث، ولسبب اخر، انى لهم ان يكتشفوا فيما اذا كانت صح ام لا ؟ لأنها كانت الشخص الوحيد المتهذب الموجود هنا. شيئاً فشيئاً، عندما كبرت، جلبت الى البيت كلمة غير ثقافية، مرة، واشتغلت عليها بجد طوال الاسبوع في كتب مرجعية مختلفة، مما سبب لها الكثير من الحزن واليأس؛ وكان في ذلك الوقت ومما لاحظته خلال ذلك الاسبوع انها سألت عن معناها في ثمان مجموعات مختلفة، وكان في كل مرة يقدح في ذهنها تعريف جديد، مما اوضح لي ان هذا كان حضور بداهة أكثر مما هو ثقافة، الا انني لم اقل شيئاً، بالطبع. إذ كان لديها كلمة واحدة تحتفظ بها حاضرة في متناول ذهنها، وجاهزة مثل طوق نجاة، نوع من كلمة طوارئ تتعلق بها عندما تصادف بشكل محتمل موقفاً حرجاً بنحو مفاجئ. كانت هي كلمة مرادف. عندما كان يتفق ان تستحضر كلمة طويلة استخدمتها الاسابيع الماضية ومعانيها غير مهيئة في ذهنها، ذهبت الى كومة نفاياتها، فإذا كان هناك غريب فبالطبع انها وجهت له ضربة فتركته مترنحاً لمدة دقيقتين، بعدها يفيق، وخلال ذلك الوقت تكون هي قد غيرت مجرى الحديث بتجاه أخر، غير ابهة لشيء مطلقاً؛ لذا عندها يتهلل ويطلب منها ان تفيده، انا (الشخص الوحيد الذي كان داخل اللعبة) بوسعي رؤية سحنتها وهي تعطي الواناً لوهلة.. لكن لوهلة فقط .. بعدها تنتفخ متأنقة ومتميزة، وتقول، هادئة مثل نهار صيف، “انها مرادف لكلمة تنفيل” ، ثم تلتف بهدوء وتنزلق بخفة بعيداً نحو الجهة الاخرى، وهي مرتاحة تماماً، كما تعرفون، ثم تترك ذلك الغريب يبدو متخبطاً ومحرجاً، والمبتدأون يضربون الارض بقوة بذيولهم بتناسق ووجوههم تجلت ببهجة مقدسة.

والامر ذاته يحدث مع العبارات. فهي تجر الى البيت عبارة كاملة، اذا كان لها صوت مؤثر، وتلعب بها ست ليالي وحفلتين نهاريتين، وتفسرها بطريقة جديدة كل مرة .. تضطر اليها، وكل ما تهتم به كان العبارة وليس المعنى، اذ كانت تعرف ان اولئك الأشخاص لا يملكون الفطنة الكافية للايقاع بها او اكتشافها، على اية حال. أجل ، كانت شخصاً مميزاً من الطراز الاول! وقد اصبحت هكذا لأنها لا تخشى شيئاً، فهي واثقة من جهل هذه المخلوقات. كما كانت تستحضر الحكايات النادرة التي كانت قد سمعتها من العائلة وضيوف العشاء وهم يتندرون ويتصايحون بها؛ وكعادة تأخذ لب احدى جوزات الكستناء لتشدها بواحدة اخرى، حيث، بالتأكيد، لا يمكن ان تضبطهما، فليس لديها اي موضوع؛ وعندما استلمت اللب سقط منها وتدحرج على الارض فضحكت ونبحت بطريقة جنونية جداً، عندها كان بامكاني ان ارى انها كانت تسأل نفسها لماذا لم تكن تبدو نكتتها فكهة بقدر ما ضحكت عليها عندما سمعتها اول مرة. لكن لم يحدث اي ضرر؛ فالاخرون تدحرجوا ونبحوا ايضاً، وشعروا بالخجل خصوصاً من  انفسهم لأنهم لم يفهم الموضوع، ولم يتوقعوا ابداً ان العيب ليس فيهم وليس، هناك اي عيب ليفهموه. بوسعك ان ترى من خلال هذه الاشياء انها كانت عبثية وتافهة نوعاً ما، وما تزال، ولها فضائل، اعتقد انها تديرها بما يكفي، وكان لها قلب طيب واساليب لطيفة، ولا تضمر  استياءً إزاء الاساءات التي فعلتها، وببساطة لا تفكر بها وتنساها؛ وقد علمت ابناءها طريقتها بلطف، وتعلمنا منها نحن ايضاً ان نكون شجعاناً وعلى أهبة الاستعداد في وقت الخطر، ولا نهرب، بل نواجه الخطر الذي يهدد الصديق والغريب، ونساعده بكل ما في وسعنا دون التوقف للتفكير بماذا سيكلفنا ذلك. وقد علمتنا ليس بالكلمات فقط بل بالفعل ايضاً، وكانت هذه أفضل وسيلة وأضمن وأدوم. لماذا، فعلت الاشياء الشجاعة، والاشياء الرائعة! كانت محض جندي؛ وهي متواضعة جداً حيال ذلك.. حسنا، لا يمكنك ان تعزز الاعجاب بها، ولا يمكن ان تعزز التشبه بها، ولا حتى الملك تشارلز الخنوع يمكن ان لا يبقى محتقراً تماماً في مجتمعها. لذا، وكما ترى هناك الكثير لتهتم به بالنسبة لها أكثر من تعليمها.

الفصل الثاني

عندما كبرت واشتد عودي، أخيراً، تم بيعي واقتيادي بعيداً، ولم التقيها ثانية. كانت مفطورة القلب، وانا كنت كذلك، وبكينا، لكنها هدأت من روعي قدر امكانها، وقالت نحن ارسلنا لهذا العالم من اجل الحكمة والعمل الصالح، ويجب ان نقوم بإداء واجباتنا دون تبرم، نقبل بحياتنا كما وجدناها، نعيشها من اجل خير الاخرين، ولا تهمنا النتائج؛ فهي ليست من شأننا. قالت ان الرجال الذين يفعلون ذلك سيجزون جزاءً نبيلاً وجميلاً فيما بعد، في الآخرة، برغم من اننا حيوانات لن نذهب هناك، لنفعل الخير والصواب دون اثابة تُمنح لحياتنا القصيرة استحقاقها، فالكرامة بحد ذاتها اثابة لنا. لقد كانت تجمع تلك الاشياء من حين لأخر عندما تذهب الى مدرسة الاحاد مع الاطفال، وقد كانت قد رسختها في ذاكرتهم بعناية أكثر مما كانت قد فعلت مع تلك الكلمات والعبارات الاخرى؛ وقد درستهم اياها بعمق، من أجل خيرها وخيرنا. قد يلاحظ المرء من خلال ذلك ان لديها حكمة ورأس مفكر، فبالنسبة للجميع كان هناك الكثير من الخفة والغرور في ذلك. لذا قلنا كلمات الوداع، وقد بحثنا نهايتنا مع بعضنا من خلال دموعنا؛ واخر شيء قالته.. احتفظ بها للأخر، كي تجعلني اتذكرها بشكل افضل، اعتقد فعلت ذلك، “في ذاكرتي، عندما يكون هناك لحظة خطر على الاخر لا تفكر بنفسك، فكر بوالدتك، وافعل كما كانت ستفعل”.

هل تعتقد انني استطيع نسيان ذلك؟ كلا …

الفصل الثالث

يا له من منزل ساحر!.. منزلي الجديد؛ منزل كبير وحسن، مليء بالصور والديكورات اللطيفة، والاثاث الذي يوحي بالثراء، وما فيه مكان يشعرك بالكآبة، بل كل هذا المقدار الكبير من الالوان الانيقة أنارت مع فيض شروق الشمس؛ والاراضي الواسعة حوله، والحديقة الكبيرة.. أوه، والعشب الاخضر والاشجار والازهار النادرة، مشهد لا نهاية له! وكنوا يعاملونني كفرد من افراد العائلة؛ وكانوا يحبونني، ودللوني، ولم يمنحوني اسم جديد، بل كانوا ينادونني باسمي القديم العزيز لدي لأن والدتي منحته لي.. آلين مافورين. وقد استوحته من أغنية قديمة؛ كان آل غراي يعرفون تلك الاغنية، وقالوا انه اسم جميل. كانت السيدة “غراي” في الثلاثين، جميلة ومحبوبة، ليس بوسعك تصورها؛ وكانت سادي في العاشرة، وتشبه امها كثيراً، كانت نسخة مصغرة رائعة وعزيزة منها، بجدائل حمراء تتدلى اسفل ظهرها، وكانت ترتدي دائماً فساتين قصيرة؛ وطفل كان عمره عام واحد، ممتليء الجسم وله غمازتين على خديه، وكان مولع بي، ولا يكتفي ابداً من اللعب على ظهري ومعانقتي، ضاحكاً من عمق سعادته البريئة؛ وكان السيد غراي في الثامنة والثلاثين من عمره، طويل ونحيل لكنه وسيم، مع وجود صلع خفيف في مقدمة رأسه، متأهب دائما، وسريع الحركة، يحب العمل، حازم وجاد وغير عاطفي، وبمثل هذا النوع من الوجه الواضح المعالم كأنه نحت نحتاً دقيقاً يبدو وكأنه يبرق ويتألق بعقلانية رصينة! كان عالماً مشهوراً. لا اعرف ماذا تعني هذه الكلمة، لكن والدتي تعرف كيف تستخدمها وتجعلها مؤثرة. كانت تعرف كيف تخرج الفأر من جحره وتجعل كلب الحضن يبدو اسفاً لأنه حضر دون ان تدعوه. لكن هذا ليس هو أفضل شيء، بل افضل شي كان المختبر. إذ بإمكان والدتي ان تضع المسؤولية على موظفي الضرائب الذين يسلخون جلود كل الناس.لم يكن المختبر كتاباً او صورة او مكاناً لتغسل يديك فيه، كما قال كلب رئيس الجامعة.. لا انه مرحاض(لتقارب لفظ كلمة مختبــــــــــــر ومرحـــــــــاض في اللغـــــــة الانكلــــــــــيزية ، laboratory lavatoryم.م)  فالمختبر يختلف كثيراً، مليء بالاباريق والقناني، والاجهزة الكهربائية والاسلاك والآلات الغريبة، وكل اسبوع يأتي علماء اخرون الى هنا، يجلسون في هذا المكان ويستخدمون الآلات ويتناقشون ويقومون بما يسمونه تجارب واكتشافات، وغالباً كنت احضر معهم، وأقف خلفهم واستمع، واحاول التعلم منهم، من أجل والدتي، واكراماً لذكراها، على الرغم من انه شيء مؤذي بالنسبة لي، وكأدراك لما خسرته في حياتها ولما لم اكسبه انا اطلاقاً، بل كنت احاول قدر استطاعتي، وقد كنت غير قادر ابداً على عمل اي شيء بعيداً عن استطاعتي على الاطلاق.

في اوقات اخرى اضطجع على الارض في غرفة العمل الخاصة بربة المنزل ثم انام، فهي تستخدمني بخفة مسنداً لقدميها، علماً ان ذلك يسرني، لأنه كان اشبه بمداعبة لطيفة، واحياناً امضي ساعة في غرفة الاطفال، وكنت سببا في بعض المشاكل وسبباً للسعادة، واحياناً كنت اراقب من خلال الحضيرة، عندما يكون الطفل نائماً والممرضة خارجاً لبضعة دقائق منشغلة بشؤون الطفل، احياناً اخرى كنت امرح واتسابق خلال الاراضي الواسعة والحديقة مع سادي حتى نشعر بالاعياء، عندها ننام على العشب في ظل شجرة بينما تنشغل هي بقراءة كتاب، احياناً اخرى افتش بين كلاب الجيران فهناك ليس بعيداً، بعض الكلاب ممتعة جداً، وقد كان احداها جميل جداً وجذاب ورشيق، كانت المربية روبن ادير ايرلندية ذات شعر مجعد، بروتستانتية مثلي، وتنتسب للوزير الاسكوتلندي.

وكان جميع الخدم في منزلنا لطفاء معي، مولعين بي، وهكذا، وكما ترون، كان المنجم يمثل حياة سعيدة بالنسبة لي. ولا يمكن ان يكون هناك اي كلب اسعد مني ولا ممتناً مثلي. سأردد هذا على مسامع نفسي، لأن هذه هي الحقيقة الوحيدة. وبت احاول ان افعل كل ما هو جيد وسعيد، كي اشرف ذكرى والدتي وتعليماتها، وكسب فرصة السعادة التي سنحت لي، وبأفضل ما يمكن.

لاحقاً حضر كلبي الصغير، وصارت اوقاتي جميلة واكتملت سعادتي. كان اعز شيء على قلبي وهو يدرج ببنيته الصغيرة، ناعم، طري، مخملي، ذو يدين ما زالتا ثقيلتا الحركة لكنهما جذابتين، وعينين حنونتين ووجه جميل وبريء، يجعلني فخوراً جداً وانا ادرك لما كان الاطفال وامهم يحبونه ويداعبونه ويهتفون له عندما يقوم بعمل شيء رائع مهما كان بسيطاً. وبدا لي ان الحياة صارت الآن جميلة جداً.عندها حل الشتاء، في احد الايام كنت واقفاً ساعة في غرفة الاطفال. أعني، كنت نائماً على السرير والطفل كان نائماً في مهده والذي كان يحاذي السرير الذي كنت نائماً عليه قريبا من الموقد. وكان للمهد كلة انيقة من قماش الشاش الذي يُمكنك من الرؤية من خلاله. كانت الممرضة في الخارج، وكنا نحن الاثنان نغط في نوم عميق، وحدنا. قفزت شرارة من موقد الخشب واحرقت طرف الكلة. وأعتقد ان وقتاً طويلاً مر بعدها، لتند صرخة من الطفل، ايقظتني، كان لهيب الكلة يصل الى السقف، قفزت الى الارض والخوف يتملكني، قبل ان استعيد وعيي، وخلال ثانية قطعت نصف الطريق الى الباب، لكن في نصف الثانية التالي كانت كلمات وداع والدتي تدوي في أذني، رجعت الى سرير الطفل ثانية، ادخلت رأسي خلال السن اللهب وسحبت الطفل خارجاً من رباط خصره، وجذبته بسرعة فسقطنا نحن الاثنان على الارض معاً في وسط غيمة من دخان، ثم اختطفته بقبضة أخرى، ثم سحبت المخلوق الصغير في الحال وهو يصرخ، وخارجاً عند الباب، وحول منعطف الصالة، كنت ما ازال اندفع باتجاه الخارج، كان الجميع، متوترين وسعداء وفخورين عندما هتف صوت السيد: “أغرب عن وجهي ايها الوحش الملعون”، فقفزت كي انقذ نفسي، لكنه اسرع يطاردني وهو غاضب، وقد قذفني بعصاه بغضب شديد، كنت اتهرب منه مرعوباً، في الآخر، سقطت على رجلي اليسرى ضربة شديدة، مما جعلني اصرخ صرخة قوية، سقطت بعدها، وكنت للحظة لا حول ولا قوة لي، ثم ارتفعت العصا لضربة ثانية، لكنها لم تنزل ابداً، لأن صوت الممرضة كان يجلجل بعنف: “نشبت النار في غرفة الأطفال”، اندفع السيد باتجاهها، فسلمت عظامي الاخرى من الضرب.

كان الألم شديداً، لكن لا يهم، يجب ان لا اضيع الوقت، قد يرجع في اية لحظة، لذا، اخذت اعرج على ثلاثة سيقان، نحو طرف القاعة الاخر، حيث طريق السلم، مظلم قليلاً، يؤدي الى علية يحتفظون فيها بصناديق قديمة واشياء من هذا القبيل، كما سمعت مقولة، ان الناس يذهبون اليها دائماً. نجحت في التسلق نحوها، من ثم بحثت عن طريق لي خلال الظلام وبين اكوام الاشياء، ثم اختفيت في أكثر مكان سرية تمكنت من ايجاده. من الحماقة ان تشعر بالخوف في هذا المكان، لكنني ما زلت اشعر به، فأنا خائف جداً الى حد انني كتمت توجعي بصعوبة، على الرغم من انه كان في مثل هذا التوجع راحة، لانه يخفف الألم، كما تعرفون. لكنني تمكنت من لعق ساقي، وهذا اشعرني ببعض الارتياح.

لمدة نصف ساعة، كان هناك جلبة في الطابق الارضي، وصيحات، وخطى مسرعة، بعدها عم الهدوء. هدوء لبضع دقائق، وقد سبب لي هذا راحة نفسية، بعدها بدأت مخاوفي تزول، فالمخاوف أسوء من الألم.. اوه، اسوأ بكثير. بعدها، وصلني صوت جعلني اتجمد. انهم ينادونني.. ينادونني باسمي.. للايقاع بي!. انخفض الصوت لبعد المسافة، على ان هذا لم يتمكن من ازالت خوفي منه، فقد كان صوتاً مروعاً جداً بالنسبة لي فلم اسمع مثله قط. لقد تلاشى تقريباً، في كل مكان انخفض هناك: على طول الصالات، وخلال كل الغرف، في كلا الطابقين، وفي الطابق الارضي والقبو، ومن ثم في الخارج، وشيئاً فشيئاً خفت.. ثم عاد ثانية، وفي جميع انحاء المنزل، واعتقدت انه لن يتوقف ولن يتوقف ابداً. لكنه في النهاية توقف، بعد ساعات وساعات لاح الفجر الكاذب في العلية منذ وقت طويل من خلال الظلمة الحالكة.

عندئذ، وفي هذا الهدوء المبارك، تلاشت مخاوفي شيئاً فشيئاً، وكنت في حالة طمأنينة، فنمت. فقد اتيحت لي استراحة جيدة، لكنني استيقظت قبل ان يحل الفجر ثانية. كنت اشعر بالراحة بشكل منصف، ويمكنني ان اضع الآن خطة، وقد وضعت واحدة جيدة جداً، وهي؛ ان اتسحب عبر الطريق المؤدي الى السلم الخلفي لأنزل منه، واختبأ خلف باب القبو ثم اتسلل الى الخارج، واهرب، بينما كنت افكر في خطتي، جاء رجل ثلجي عند الفجر،      كـان يُعبأ ثلاجة بداخله، لذا سأبقى مختبأً طوال النهار، وأبـدأ رحلتـي عنـدما يحـل الليـل، رحلتي الى …

حسناً، الى اي مكان حيث لا احد يعرفني ولا يشي بي للسيد. اشعر بالبهجة الآن تقريباً، بعدها وبشكل مفاجئ فكرت: لماذا أهرب، وما معنى الحياة من دون كلبي؟

كان ذلك مدعاة لليأس. فليس لدي خطة، كنت ارى ذلك، ويجب علي ان اقول اين كنت، لكن لابقى وانتظر، واتقبل ما يحدث.. فهذا ليس من شأني بل هذا ما عليه الحياة ـ كما كانت تقول والدتي. أذن: طيب، عندئذ بدأ النداء ثانية! عادت جميع احزاني. وقلت في نفسي، ان السيد لن يسامحني ابداً. ولا ادري ما الذي فعلته ليكون قاسياً، لا يغفر، مع ذلك اعتبرت امره شيئاً لا يمكن ان يفهمه اي كلب، لكنه كان واضحاً بالنسبة لرجل خائف.

ظلوا ينادون .. وينادون.. اياماً وليالي، عندها اتضح لي، ان طول مدة العطش والجوع ستدفعني للجنون، وادركت انني بت ضعيفاً جداً. عندما تكون في هذه الحالة تنام مقداراً كبيراً، وانا فعلت ذلك. واستيقظت مرة وكنت في حالة خوف مروع.. وبدى لي ان النداء هنا في العلية! وكان كذلك! كان صوت “سادي”، وكانت حروف اسمي تسقط من شفتيها محطمة تماماً، يا لها من مسكينة، ولم اصدق أذني لفرط فرحي عندما سمعتها تقول:

“عُدَّ لنا.. أوه، عُدَّ لنا، وانسى، فالجميع يشعرون بالحزن من دونك..” كنت اتكسر تحت وطأة هذه الصرخة الرقيقة، بعدها كانت سادي تغرق وتتعثر خلال الظلمة وكراكيب الاثاث وصياح العائلة لتسمع صوتاً يهتف: “انها وجدته، انها وجدته!”.الايام التالية.. حسناً، كانت رائعة. فالام وسادي والخدم.. لماذا، بدوا وكأنهم يعبدونني. لم يتمكنوا من اخفاء ان يهيئوا سريراً مريحاً بما يكفي لي، وكذلك الامر بالنسبة للطعام، ولم يقنعهم شيء سوى اللعب والاكلات الشهية والحلوى التي كانت في غير مواسمها، وكل يوم يأتي اسراب من الاصدقاء والجيران يتوافدون كي يسمعوا الحكايات عن بطولاتي.. كان هذا هو الاسم الذي كانوا يطلقونه على ما فعلت، والبطولة تعني الزراعة. اتذكر ان والدتي تطلق هذه الكلمة على مأوى الكلاب، وتفسرها بهذه الطريقة، لكنها لا تقول ما هو معنى الزراعة، تتوقع انها مرادف للتوهج الداخلي، فالسيدة غراي وسادي يقصون الحكاية على الوافدين الجدد عشر مرات تقريباً، ويقولون لهم انني غامرت بحياتي لانقاذ طفلهم، وكلانا اصيب بحروق، لتؤكد حكايتها، بعدها يتحلق الرفاق حولي ويلاطفونني ويهتفون لي. ويمكنك ان ترى الزهو في عيون سادي ووالدتها، وعندما يرغب الناس في معرفة السبب الذي جعلني اعرج، يشعرون بالخجل ويحاولون تغير الموضوع واحياناً عندما يُقع بهم الناس بهذه الطريقة او تلك بالاسئلة حول السبب الذي جعلني اعرج ، كانوا ينظرون لي وهم على وشك البكاء.

ولم تكن هذه حكاية الفخر والاعتزاز كلها، كلا، بل حضر اصدقاء السيد، وهم عشرون شخصاً من المتمييزين جداً، ودعوني معهم الى المختبر، واخذوا مناقشتي وكأنني مكتشف، إذ قال بعضهم انه عمل رائع يصدر من وحش ابكم، والعرض الاجمل الذي يمكنهم ان يسمونه “العقل”، لكن السيد قال لهم، بشدة: “انه فوق الغريزة، انه المنطق، انه اكثر من رجل، وله امتياز خاص ويتمتع بحمايتكم ورفقتكم ورفقتي الى عالم افضل من خلال حق امتلاكه، الذي لا يملك منه سوى القليل اذ ان هذا المخلوق الرباعي الارجل التافة المسكين، محكوم بالهلاك”، ثم ضحك، وقال: “لما تنظر لي هكذا.. انا اسخر ! باركك الله، مع ذكائي الكبير، فان الشيء الوحيد الذي يمكنني الاستدلال عليه هو ان الكلب جن جنونه وكاد ان يحطم الطفل، نظراً لأن ذلك لا يحدث الا في ذكاء وحش.. هذا هو المنطق، وانا اقول لكم.. كاد الطفل ان يلقى حتفه!”.

تناقشوا .. وتناقشوا، وكنت انا محور المواضيع كلها، وتمنيت لو ان بوسع والدتي ان تعرف بهذا الشرف العظيم الذي حظيت به، فذلك سيجعلها فخورة بي. بعدها ناقشوا علم البصريات، كما كانوا يطلقون عليه، وعما اذا كانت اصابة معينة في الدماغ تسبب العمى ام لا، لكنهم لم يتمكنوا من الاتفاق على ذلك، فقالوا انه يجب عليهم اختبار ذلك بالتجربة في وقت قريب، ثم ناقشوا علم النبات، وكان هذا يثير اهتمامي، لاننا، انا وسادي زرعنا بعض البذور في الصيف.. فقد ساعدتها في حفر الارض، انتم تعرفون.. ويوماً بعد يوم، نمت شجيرة صغيرة هنا وزهرة هناك، وكانت سادي متعجبة كيف يمكن ان يحدث هذا، لكن هذا حدث، وكنت اتمنى انني اتمكن من الحديث عن ذلك.. ورغبت في ان اخبر اولئك الاشخاص عنه، واعلمهم آنذاك عن مقدار معرفتي، واجعلهم جميعاً يشعرون بذلك، لكنني لم اكن اولي علم البصريات اهتمامي، فهو ممل، وعندما عادوا لمناقشته ثانية، كان مملاً فعلاً بالنسبة لي، فذهبت الى النوم.

سيحل الربيع قريباً جداً، وفيه الجو مشمس وممتع وجميل، ربتت الام واطفالها على ظهري وودعني الكلب الصغير، وذهبوا جميعاً في رحلة لزيارة اقاربهم، فالسيد لم يكن يشاركنا في اي اجتماع، لكننا كنا نلعب معاً ونستمتع بأوقات جميلة، وكان الخدم لطفاء وودودين معي، وحصلنا على الكثير من السعادة، واخذنا نعد الايام بانتظار عودة العائلة.

وفي احد الايام جاء اولئك الرجال ثانية، وقالوا: جئنا الآن من اجل الاختبار، واخذوا الكلب الصغير الى المختبر، وانا كنت اعرج دائماً بثلاثة سيقان، ايضاً، واشعر بالفخر لأن اي اهتمام اظهره للكلب الصغير كان من دواعي سروري، بالطبع.

لقد ناقشوا الموضوع واجروا تجربتهم، بعدها وفجأة اخذ الكلب يصرخ، إذ طرحوه على الارض وهو يتخبط، ورأسه كلها دماء، والسيد يضرب يديه ببعضهما ويصيح:

“انظروا، لقد نجحت.. اعترفوا لي بهذا! انه اعمى كالخفاش”

ثم قال الجميع:

” انه كذلك.. لقد برهنت على صحة نظريتك، والمعاناة الانسانية مدينة لك بالكثير من الآن فصاعداً”، وكانوا يتزاحمون حوله، ويشدون على يده بأخلاص وامتنان، وهم يثنون عليه.لكنني بالكاد رايت او سمعت هذه الاشياء، لأنني ركضت في الحال نحو حبيبي الصغير، والتصقت به حيث هو ممدد على الارض، يلعق دمائه، فوضع رأسه إزاء رأسي، واخذ ينشج بهدوء، وكنت اعرف في قلبي ان راحة له من آلامه ومتاعبه ان يشعر بلمسة امه، على انه لم يتمكن من رؤيتي، بعدها سقط، وقد اراح انفه المخملي على الارض، ثم سكن، ولم يتحركة ابداً.  عندها توقف السيد عن المناقشة لحظة، ثم اخذ يذرع الارض بمشية عسكرية، وكأنه جندي مشاة، ثم قال: “ادفنه في الزاوية البعيدة من الحديقة”، ثم واصل مناقشته، وانا اسير خلف مشيته، سعيداً جداً وممتناً، لأنني اعرف ان الكلب الصغير تخلص من آلمه الآن، فقد نام الى الابد. ذهبنا بعيداً عند طرف الحديقة الى النهاية البعيدة جداً، حيث الطفلين والممرضة وانا اعتدنا اللعب في الصيف، تحت ظل شجرة دردار كبيرة، وحيث احدثت قدم الرجل حفرة، رايت انه ينوي ان يزرع الكلب الصغير فيها، وكنت فرحاً، لأنه سينمو، ويثمر كلباً وسيماً حسناً، مثل روبن ادير، وسيكون مفاجأة للعائلة عندما يأتي الى المنزل، لذا حاولت مساعدته على الحفر، لكن ساقي العرجاء لم تكن بحالة جيدة، كونها متيبسة، انت تعرف، عليك ان تكون لك ساقين، والا فانه لا فائدة منك. عندما انتهى جندي المشاة، وقد غطى روبن الصغير بالتراب، ربت على رأسي، فرايت دموعاً في عينيه، ثم قال لي: “يا كلبي الصغير المسكين، انقذت طفلي!”.  كنت اراقب على مدى اسبوعين كاملين، لم يأتي! هذا الاسبوع الاخير، بدأ الخوف يسرقني. اعتقد ان هناك ثمة شيئاً مرعباً يتعلق بهذا. لا اعرف ما هو بالضبط، لكن الخوف يجعلني مريضاً، فلم اتمكن من الاكل، على الرغم من ان الخدم احضروا لي أفضل الاطعمة، وكانوا يلاطفونني ايضاً، وحتى انهم كانوا يأتون لي ليلاً، يبكون، ويقولون: “كلبي المسكين.. اترك هذا وتعال الى المنزل، لا تكسر قلوبنا!” كل هذا سبب لي رعباً كثيراً، وجعلني متأكد من ان شيء ما سيحدث.. وانا ضعيف جداً، منذ البارحة لم اتمكن من الوقوف على قدمي. وخلال هذه الساعة اخذ الخدم ينظرون باتجاه الشمس حيث بدأت تغوص قي الافق، بعيداً عن النظر، وقد حل الليل البارد، وذكرني باشياء لا استطيع فهمها، لكنها حملت شيئاً بارداً لقلبي. “هذه المخلوقات المسكينة! لا تشك، انه سيعود الى المنزل في الصباح، وستبحث بلهفة عن الكلب الصغير الذي قام باعمال شجاعة، فمن منا سيكون قوياً بما يكفي كي يخبرهم بالحقيقة: “فصديقنا الصغير المتواضع رحل الى حيث ترحل الوحوش الهالكة”.

مشاركة